الخميس 19 يناير 2017 م - ٢٠ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / رأي الوطن .. اتفاق تاريخي لصالح المنطقة والعالم

رأي الوطن .. اتفاق تاريخي لصالح المنطقة والعالم

بعد جولات ماراثونية شاقة من التفاوض أثبتت الجمهورية الإسلامية الإيرانية والمجموعة الدولية الكبرى المعروفة بـ”5+1″ قدرًا هائلًا من الإحساس بالمسؤولية والالتزام لإنجاح مسيرة التفاوض، وأهمية التوصل إلى اتفاق تاريخي يحترم مصالح الأطراف المتفاوضة، والإرادة الدولية بضرورة نزع فتيل التوتر المهدد للأمن والسلم الدوليين، وفتح آفاق جديدة مغايرة. فالاتفاق التاريخي الذي توصل إليه المفاوضون الإيرانيون والغربيون يعني أن العلاقة بين إيران والدول الغربية الكبرى تحديدًا قد كتبت عهدًا جديدًا بينها يسمح لها بالانطلاق نحو مرحلة جديدة من التعاون المثمر والاحترام المتبادل للمصالح وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، بعد علاقات متوترة شهدت في أكثر فصولها سخونة عالية وصلت إلى حد الحشد العسكري البحري والجوي، وملء البحار والمحيطات والمضايق بالقطع البحرية العسكرية وحاملات الطائرات، وملء الأجواء بمختلف الطائرات الحربية من طائرات التجسس بدون طيار إلى القاذفات وغيرها، وبلغ مرحلة الاحتكاك المباشر حينًا، وسط تحريض إعلامي وعقوبات اقتصادية قاسية، ووضع خطط لتغيير النظام بكافة الطرق ومنها الانقلاب العسكري وبالتالي إسقاط النظام الإسلامي في إيران.
إن هذا الاتفاق يعني الكثير والكثير بالنظر إلى ما سيرتبه من آثار كبيرة جدًّا، بانتهاء مرحلة المواجهة إلى التعامل البنَّاء والمثمر، وإعادة مخططات إسقاط النظام الإيراني إلى الأدراج، وإنزال البندقية من على الأكتاف، ووضع لغة المصالح المشتركة والاحترام المتبادل بدلًا منها، والانطلاق نحو مرحلة مبنية على قاعدة احترام الآخر وعدم الانفراد بالقرار.
إن نجاح الجمهورية الإسلامية الإيرانية في انتزاع الاعتراف بحقها في امتلاك التكنولوجيا النووية واستخدامها السلمي ودخولها النادي النووي، والعودة إلى الأسواق العالمية (الطاقة والمصارف والسلاح والسياحة والذهب والمعادن والتجارة والصناعة وغيرها)، سينعكس إيجابيًّا على الاقتصاد الإيراني وعلى العملة الإيرانية والسيولة النقدية، والرخاء الاقتصادي والمعيشي، والاستقرار السياسي والأمني الذي يتطلع إليه الشعب الإيراني، وكسر العزلة الدولية لإيران. إن المنطقة خاصة والعالم عامة على عتبة بداية جني أرباح كثيرة لطالما تمنتها واستجدت الأقدار أن تتحقق لها، بعد عقود من الاستنزاف المادي والبشري، وتعطل التنمية والتوتر والقلق وعدم الاستقرار وانسداد آفاق المستقبل؛ إذ إن من شأن هذا الاتفاق أن يكرس الطاقات والموارد البشرية والمالية والمادية فيما يخدم تطلعات شعوب المنطقة والعالم، ويقيم ركائز السلم والأمن الدوليين.
وفي فيينا، إذا كانت الجمهورية الإسلامية الإيرانية أثبتت أن الغرب لا يعترف إلا بالأقوياء، ولا يركع إلا أمام الإرادات الصلبة وقوة الثبات على المبدأ، وإجبار الآخر على الاحترام وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، رغم نعيق البوم الآتي من تل أبيب وعموم كيان الاحتلال الإسرائيلي ومن حلفائه وعملائه، فإنه في فيينا، كانت الدبلوماسية العمانية حاضرة بقوتها الناعمة والمؤثرة التي ظلت منذ بداية مراحل التفاوض تمهد الأرض أمام الأفرقاء، وتقدم ما يلزم من نصائح وجهد لتقريبهم إلى منتصف الطريق، وتقريب المشتركات الكثيرة التي تجمعهم والتي هي تمثل رغبة جامحةً ومطلبًا مهمًّا ولا غنى لشعوب العالم، انطلاقًا من الحكمة السياسية العمانية التي وضع نهجها القويم حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ وحرص جلالته الشخصي وحرص السلطنة على الأمن والسلم الدوليين وخدمة الإنسانية والتنمية، وأهمية أن يعم الاستقرار والطمأنينة والأمن والسلام المنطقة والعالم أجمع، وأهمية تضافر الجهود نحو محاربة ظاهرة الإرهاب والجوع والفقر ونشر مظلات التعليم والصحة والتنمية الشاملة، وإنهاء الحروب ونزع فتائلها. فهذا الاتفاق النووي التاريخي بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية ومجموعة “5+1″ هو شهادة استحقاق وتقدير ووسام للسياسة العمانية الحكيمة والمتزنة التي حملت أمانة بناء الإنسان، وأمانة الجغرافيا وسلامتها من أي مهددات أو أخطار.

إلى الأعلى