الخميس 14 ديسمبر 2017 م - ٢٥ ربيع الأول ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / الإصلاح في الأرض (2 ـ 2)
الإصلاح في الأرض (2 ـ 2)

الإصلاح في الأرض (2 ـ 2)

مساعد المفتي العام للسلطنة:
كثيرٌ من الشباب ومن الفتيات بسبب تخليهم عن الإصلاح في النفس يكونون سببا لإيذاء الآخرين ولجلب الشر للمجتمع

ـ على الإنسان أن يُخلِص قصده لله تبارك وتعالى وأن يتزود من العلم النافع الذي يعينه على أداء رسالته لأنه سببا للإصلاح في الأرض

إعداد ـ احمد بن سعيد الجرداني:
أيها القراء الكرام ونحن نقلب صفحات المعرفة اخترنا لكم اليوم موضوع مهم لطالما اشبع كتابة وخطبا ومشاهدة وهو موضوع الإصلاح في هذه الارض يقول الله تعالى (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ ، أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَـكِن لاَّ يَشْعُرُونَ) (البقرة 10ـ11).
وهذا الموضوع تحدث فيه فضيلة الشيخ الدكتور كهلان بن نبهان الخروصي مساعد المفتي العام للسلطنة من خلال برنامج ( دين الرحمة) الذي كان بثته الاذاعة العمانية في اعوام مضت فمع المادة بتصرف..
إصلاح النفس اولاً
وقال فضيلة الشيخ كهلان الخروصي حول الدعوة لإصلاح النفس قائلاً: دَعُونَا نتحدث عن هذا الحد الأدنى الذي-للأسف الشديد اليوم كثيرٌ من الشباب ومن الفتيات فإذا به بسبب تخليه عن إصلاح نفسه يكون سبباً لإيذاء الآخرين، ولجلب الشر للمجتمع، والضرر لأفراد هذا المجتمع، وما كان ذلك بسبب دعوته إلى رذيلةٍ وإنما بسبب وقوعه في الرذيلة، ولذلك كانت الصورة المقابلة هو أن من كان صالحاً في نفسه فإن صلاحه يسري إلى غيره؛ لأن من صلاحه الذي يتحقق به إصلاح هذه الأرض أن يكفَّ أذاه، وأن يَسلَم الناس من شره-من شر يده ولسانه-، وأن يكون مستقيماً على الصراط المستقيم، وعلى ما يدين به لله سبحانه وتعالى، ولا شك أنه إن تخطَّى بعض العقبات وتَمكَّن من أن يدعو إلى هذا الخير وأن ينشر هذا الصلاح فإن ذلك مزيد خيرٍ، ومزيد إصلاح، لكن نحن لنبدأ بدايةً بهذا الحد الأدنى الذي يتحقق بصلاح الفرد في نفسه بحسن استقامته وبكفِّ أذاه عن غيره وبعبادته لله عز وجل-وهذه قضية مهمة -عبادته لله تعالى بالعلم وبالحكمة والبصيرة، مما يعني أن عليه أن يتعلم، وأن يعبد ربه تبارك وتعالى، وأن ينفي عن نفسه الجهل الذي يمكن أن يؤدي به إلى إفسادٍ في الأرض.

العلاقة بين الإفساد في الأرض وقطيعة الرحم

وقال : نجد أن الله تعالى في سورة محمد يربط بين عملٍ ونتيجة ونحن نستغرب من هذه النتيجة {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ} (محمد:22)، هذه العلاقة بين الإفساد في الأرض وقطيعة الرحم، إذاً هذا جانبٌ عمليٌّ يمارسه الواحد منا ولا يتصور أن صلته للرحم التي هي من استقامته ومن حسن استقامته هي صلاحٌ وإصلاحٌ في هذه الأرض ولذلك كانت قطيعته للرحم إفسادٌ في الأرض.
الإصلاح لا يعني أن يقتصر سعي الإنسان في هذه الأرض على جانبٍ واحدٍ؛ لأن أنواع الإصلاح واسعةٌ شاملة، نحن حينما نتحدث-وكنا نريد أن نصل إلى هذه النقطة-عن الإصلاح في الأرض فإننا نتحدث عن مفردات البيئة التي يعيش فيها هذا الإنسان.. نتحدث عن الموارد الطبيعية التي يحيا بها هذا الإنسان.. نتحدث عن النسل، والمحافظة على النسل الإنساني.. نتحدث عن العِلم الذي يرتقي به هذا الإنسان.. نتحدث عن وسائل المعيشة التي تُسهِّل الحياة لهذا الإنسان، كل هذه هي جوانب مما يدعو إليه هذا الدين لكي يكون فيه الإصلاح والخير والتعاون عليه؛ لأنه من التعاون على البر والتقوى؛ ولأن عكس ما يدعو إليه هذا الدين حينما يتنكب هذا الإنسان عن طريق الهدى والصلاح ويجانب منهج الإيمان بالله سبحانه وتعالى وطريق الأنبياء والمرسلين فإنه لا شك سوف يَنْشُرُ الظلم والبغي والجُوْرِ في هذه الأرض ، وأثر هذه الطباع.. أثر الجُوْرِ ومجاوزة الحدِّ من البغي ومن ظُلْمِ الآخرين لا يقتصر أثر هذه المذمومات من الخصال والصفات لا يقتصر على بني البشر فقط مع عظيم خطورة ذلك على بني البشر إلا أن ذلك سوف ينال البهائم العجماوات.. سوف ينال النباتات وكل الأحياء على هذه الأرض، بل سوف يَظْهَرُ الضرر البالغ على الموارد الطبيعية التي يحيا بها الناس، وعلى مفردات هذه البيئة التي يعيشون فيها، وعلى النُّظُم السكانية التي يحيون بها، وعلى المناهج التعليمية وإلى آخره مما تتسع به الدائرة؛ ولذلك كان سعي كل أحد فيما يتصل بأمر الإصلاح إنما هو بحسب ملكاته، وبحسب تخصصه، وبحسب ما يمكن أن يبدع فيه، وما على هذا الإنسان إلا أن يُخلِص قصده لله تبارك وتعالى، وأن يتزود من العلم النافع الذي يعينه على أداء رسالته، وأن يَعلَمَ أن جهده مهما كان صغيراً لكنه بحسن استقامته هو سوف يكون بإذن الله تعالى سبباً للإصلاح في الأرض.
وهذا سوف يُذكِّرنا بحادثة في عهد رسول الله-صلى الله عليه وسلم-أي بعض الأعمال التي يمكن أن يرى الناس أن في ظاهرها مَضَرَّةً لكنها تُحقِّقُ مصلحةً أعم أباحها الشارع لأجل تلك المصلحة الأعم لأن فيها إصلاحاً لنظام الكون، نحن نَعلَم في غزوة بني النضير فالله سبحانه وتعالى أَذِنَ لهم قال: {مَا قَطَعْتُم مِّن لِّينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ …} (الحشر:5) فأمر رسول الله-صلى الله عليه وسلم-بتقطيع النَّخل-وفي رواية بحرق بعض النَّخل-حتى لا تكون سبباً لتقوِّي اليهود الذين نكثوا العهود على المسلمين في حربهم معهم؛ ولذلك أمر رسول الله-صلى الله عليه وسلم-بقطع النَّخل مراعاةً لإصلاحٍ أعظم، فكان ذلك، أما أبو بكر الصديق-رضي الله تعالى عنه-فإنه نهى عن قطع النَّخل وعن التحريق إلا بمقدار ما يندفع به أذى المُحارَبين.
فإذاً قد يبدو في بعض التشريعات-حتى لا يُعتَرَض علينا-بأن في بعض نظام العقوبات في الإسلام شُرِعَ نظام العقوبات لأجل حفظ أمن المجتمع، فأمن المجتمع أولويةٌ أعلى مرتبةً، فلذلك كانت لها التقدمة والأولوية على حساب إيقاع هذه العقوبات بالجُنَاة الذين خالفوا أمر الله سبحانه وتعالى ونشروا في الأرض الفساد، وهكذا يقاس على ذلك جملة من الأحكام الشرعية ومنه استَنْبَطَ أهل العلم قولهم إن شرع الله يكون حيث توجد المصلحة، وقصدهم من ذلك أن في شرع الله مصلحةً وحِكَماً عَلِمْنَاها أو لم نَعْلَمْهَا، فحيث وُجِدَ شرع الله تبارك وتعالى فلنوقن أن هناك مصالح متحققة وما علينا إلا أن نُقِيمَ شرع الله تبارك وتعالى حتى تقام تلك المصالح فينتشر الصلاح والإصلاح في هذه الأرض.

*المصدر (موقع القبس الالكتروني)

إلى الأعلى