السبت 21 يناير 2017 م - ٢٢ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / صمدت إيران.. وانتصرت.. ندب وعويل صهيوني!

صمدت إيران.. وانتصرت.. ندب وعويل صهيوني!

د. فايز رشيد

”لا نعتقد بأن إيران ستخلق تناقضاً مع جاراتها العربيات، لأن توقيع اتفاقها مع الدول الغربية يعني فيما يعينه اعترافاً دولياً بدورها الإقليمي في المنطقة. ومن المنتظر أن تحرص الدول الغربية على مشاركة إيران في أية جهود دولية لتفكيك ملفات المنطقة، وبالطبع على رأسها الملف السوري.”
ــــــــــــــــــــــــ
مثلما كان متوقعاً، تم توقيع الاتفاق بين إيران ومجموعة دول 5 1 على الموضوع النووي الإيراني. الاتفاق هو انتصار فعلي لإيران واعتراف بأنها قوة نووية، بأنها دولة كبرى تدخل النادي الننوي، بأنها قوة إقليمية في المنطقة. يكفي ردود فعل نتنياهو وكل قادة الأحزاب الصهيونية من مؤتلفة في الحكومة ومعارضة على اتفاق فيينا الأخير! لندرك إيجابياته! فلم يتبق منهم صهيوني واحد لم يوجه اتهاما للدول الكبرى بأنها “رضخت لإيران”!. للعلم لم تغير إيران نظرتها للكيان منذ الثورة وحتى اللحظة: بأن الكيان زائل لا محالة.
الاعتراف الغربي بحق إيران في امتلاك الطاقة النووية للأغراض السلمية، مقابل تخفيضها لنسبة اليورانيوم المخّصب مثلما جرى الاتفاق مقابل حقها ووقف العقوبات المفروضة عليها .. هما انتصار إيراني. الاتفاق يبقي لإيران كل أجهزة الطرد المركزي التي تسمح لها بإنتاج المادة المشعة، كما أنه لا يقود إلى تفكيك مفاعل”آراك”.الاتفاق مثلما قلنا: كان متوقعاً. أيضاً فإن الجانب الغربي كان أمْيَلْ إلى الوصول لاتفاق، فالبديل: حرب ضروس طاحنة يمكن بدؤها ولكن لا يستطيع مطلق مراقب توقع تداعياتها أو نهايتها. إيران كسبت الاعتراف الغربي بحقها النووي نتيجة، لإصرارها اللا محدود على حقها في ذلك. الولايات المتحدة وحلفاؤها اضطروا للاعتراف بهذا الحق، وبذلك استطاعت إيران فرض سياسة الأمر الواقع.
نقول ذلك، في ظل قبول دول كثيرة بممارسة الضغوطات عليها، فتراها تنصاع للإدارة الأميركية بما تطلبه منها، بغض النظر عن أن هذه الطلبات قد تتعارض في أحيان كثيرة مع مصالح هذه الدول، ومصالح شعوبها فحسب.أما المثال الذي يبين الفرق بين صلابة التفاوض والاستجابة للضغوط: ليبيا إبّان الحقبة القذافية، عندما وافق الرئيس الليبي على تفكيك بداية مشروع مفاعل نووي، مقابل الرضى الأميركي عنه، ورغم ذلك وقفت الولايات المتحدة والدول الغربية عموماً ضد حكم العقيد.
المنزعجون كثر من الاتفاق النووي الأخير! فلم يكد حبر الاتفاق يجف.. حتى كان مصدر مسؤول إسرائيلي، يصرّح بأن” الرئيس أوباما كرّس إيران كدولة حافة نووية” معتبراً أن الاتفاق هو” فشل أميركي ذريع” ولا يمكن لإسرائيل التعايش معه”! وابتدأت الآلة الإعلامية الإسرائيلية في مهاجمة أوباما، ووزير خارجيته جون كيري. أما نتنياهو فأضاف القول” بأن الاتفاق يمنح إيران إزالة للعقوبات، وأيضاً يحافاظ على الأجزاء الأشد جوهرية في مشروعها النووي”.
نعم .. لقد شكَّل الاتفاق فرصة لإظهار حجم شعور إسرائيل بـ «المأساة» جراء عدم مجاراة العالم لها،
وتبارى المسؤولون الإسرائيليون في تضخيم المصاب وآلامه، وتصويره على أنه كارثة وخطيئة أخرى لمخاوفها الشيزوفرينية!.
وانتقد نتنياهو بشدة الاتفاق النووي، معلناً أنه يضمن طريق طهران إلى امتلاك السلاح النووي. وبدا أن رئيس حكومة الدولة التي أنشأت بطريق الخطأ التاريخي المستهدف للفلسطينيين وعموم العرب وكل التقدميين في العالم.. ويستهدف الإنسانية جمعاء! لا يتقبل ثقة الغرب ولا رقابته كوسيلة لمنع إيران من أن تكون دولة حافة نووية. وأعلن أنه (عندما تكون على استعداد لإبرام اتفاق بكل ثمن، فهذه هي النتيجة).
وأضاف في مستهل لقائه مع وزير الخارجية الهولندي برت كوندارس: أنه (من التقارير الأولية التي تصلنا يمكن التقرير من الآن بأن هذا الاتفاق خطأ تاريخي بحق العالم). من الواضح أن هذه هي كلمات السر في حملة نتنياهو ضد الاتفاق النووي والتي سيشرع بتسويقها خصوصاً أمام الرأي العام …. وزير الدفاع الإسرائيلي موشي يعلون بين أول من سارع إلى رفض الاتفاق النووي، فأعلن، قاصداً إيران، أن هذا (انتصار لطريق الكذب والخداع لمن وصلت في وضع متدن إلى المفاوضات وخرجت منها ويدها هي الأعلى)… وأضاف: (العالم الحر منح اليوم مشروعية لطريق الإرهاب، بدلاً من محاربته بكل السبل الممكنة. إن هذا الاتفاق مأساة لكل من يسعى للحفاظ على السلم العالمي ولكل من يخشى من تحويل إيران إلى دولة تملك سلاحا نوويا).
نائبة وزير الخارجية تسيبي حوتبولي، اعتبرت أن هذا (اتفاق خنوع تاريخي من جانب الغرب لمحور الشر برئاسة إيران) وعلى ذلك قس. فقد رأت وزيرة الثقافة والرياضة ميري ريغف أن (إيران نالت اليوم ترخيصا للقتل، وينبغي سحب هذا الترخيص منها قبل فوات الأوان)..
من جانبه، لاحظ زعيم حزب “إسرائيل بيتنا” وزير الخارجية السابق الفاشي أفيغدور ليبرمان أن “الاتفاقات التي تتجاهل تجارب الماضي، تعرض المستقبل للخطر”. واستطرد قائلا: أن الاتفاق سيذكر في التاريخ إلى جانب اتفاق ميونيخ والاتفاق النووي مع كوريا الشمالية.
أما زعيم حزب “هناك مستقبل” يئير لبيد فقد صرح قائلا “اننا نظن أن الاتفاق سيكون سيئا، لكنه فعلا أسوأ مما هو متوقع. هذا يوم سيئ لليهود، يوم سيئ لإسرائيل، يوم سيئ للعالم. وابتداء من هذه اللحظة أنا مجند تماما للعمل أمام الكونجرس في محاولة للتوضيح لهم وجوب اشتراط رفع العقوبات بتوفر مراقبة فعلية على كل المنشآت النووية في إيران.
من ناحية أخرى: تصاعدت الحملة على نتنياهو بسبب ” فشله في المهمة المركزية التي وضعها لنفسه في السنوات الثماني الماضية”. وقال الصهيوني الفاشي عضو الكنيست عوفر شيلح، من حزب “يوجد مستقبل” إن الاتفاق مع إيران مقلق رغم أنه يعيد المشروع النووي الإيراني إلى الوراء. وحَمَّل نتنياهو المسؤولية قائلاً: “هذه شهادة فشل قاطع لسياسة رئيس الحكومة في المسألة التي اعتبرها ذخيرته وأدارها لوحده، عبر تجاهل الانتقادات داخل إسرائيل وخارجها، وهي السياسة التي تتلخص بقوله المتغطرس” مضيفا “أنه يعرف كيف يوقف المشروع النووي الإيراني”. وأشار إلى أن “نتنياهو اختار استراتيجية المواجهة مع الإدارة الأميركية، عبر تدخل فظ في السياسة الداخلية في واشنطن”. فصّلنا في ردود الفعل الصهيونية وأخّرت إرسال مقالتي للعزيزة “الوطن”.. حتى يدرك القارئ العزيز حجم الندب والعويل في الدولة المارقة.. والتي نؤكد حتمية زوالها، وبأنها لن تملأ على صفحات التاريخ سوى صفحة سوداء تبتدئ بكلمة”كانت”!.
ما نحذر منه: ليس من البعيد أن يلجأ ذوو الرؤوس الحامية في تل أبيب إلى القيام بخطوة أشبه ما تكون بالانتحارية من خلال الشروع في قصف المشروع النووي الإيراني. ومع استبعاد قيام إسرائيل بهذه الخطوة، إلا أنه لا يمكن نفيها بصورة إطلاقية. إسرائيل وإذا ما قامت بضربتها، فإن الضربة تكون فاقدة لغطائها الشرعي دوليا بالمعنى السياسي، وستمتلك إيران الحق المطلق في الرد، سواء من قبلها أو من قبل حلفائها.
بالنسبة للقلق العربي من إيران النووية، فبإمكان دول عربية كثيرة: البدء في إنشاء مفاعلات نووية للأغراض السلمية. بالطبع فإن إسرائيل ستمانع أن تقوم مثل هذه المفاعلات في أية دولة عربية، والدليل على ذلك ما قامت به إسرائيل من ضربة للمفاعل النووي العراقي. تبديد المخاوف من إيران يكون بامتلاك ما تمتلكه من وسائل، هذا من جهة. من جهة أخرى فقد أكدّ الرئيس الإيراني روحاني على حرص طهران على علاقاتها مع الدول العربية، وبخاصة مع الدول الخليجية.لا نعتقد بأن إيران ستخلق تناقضاً مع جاراتها العربيات، لأن توقيع اتفاقها مع الدول الغربية يعني فيما يعينه اعترافاً دولياً بدورها الإقليمي في المنطقة. ومن المنتظر أن تحرص الدول الغربية على مشاركة إيران في أية جهود دولية لتفكيك ملفات المنطقة، وبالطبع على رأسها الملف السوري.
إن أحد الدروس المستفادة من التجربة الإيرانية أيضا هو القدرة العالية على تطبيق قانون تفاوضي، يمزج ما بين الصلابة، والمرونة، فحتى في عهد الرئيس أحمدي نجاد المشهور عنه بأنه غاية في التشدد، فإن شعرة معاوية بين إيران والدول الغربية، لم تنقطع بكافة المعاني. صحيح أن هناك حصارا غربيا لإيران، لكنها صمدت أمام هذا الحصار. من ناحية ثانية فإن الاتفاق الأخير يؤسس لمرحلة جديدة من اتفاقيات عديدة قد تكون مستقبلاً حول مزيد من الاعتراف بالدور الإيراني على الصعيد العالمي. إن الاتفاق هو عامل قوة لمجموعة دول “اليريكس” و”منظمة دول شنغهاي”، وهي عامل إيجابي في تقوية وجود قطب عالمي آخر في مواجهة القطب الشبه متفرد في الساحة الدولية.
بالنسبة لإيران وإنتاج القنبلة النووية، فإن طهران لم تطرح مثل هذا الهدف على صعيد برنامجها النووي، لكن بالمعنى الفعلي حتى لو أرادت إنتاج مثل هذه القنبلة، فإنه وبرغم موافقتها على فتح منشآتها النووية بشكل أفضل من السابق أمام التفتيش الدولي، ففي التقدير أنها ستكون قادرة بالمعنى النظري على إنتاج مثل هذا السلاح، فهي ومثلما أجبرت الغرب على الاعتراف بحقوقها النووية، ستكون قادرة مستقبلاً على إجباره بالاعتراف بحقها في إنتاج السلاح النووي تحت سياسة الأمر الواقع، رغم كل هذه الممانعة التي يبديها الغرب لهذه المسألة وبخاصة اسرائيل، التي ما زالت تهدد بتوجيه ضربة عسكرية للمشروع،
للعلم .. نتنياهو كان قد تعهد في موسكو بعدم السماح مطلقا لإيران بامتلاك القنبلة النووية.. لكن رغما عن أنفه ومؤيديه والشادّين على يديه .. جرى توقيع الاتفاق!. برافو لإيران.. ومبروك لها.

إلى الأعلى