الجمعة 24 مارس 2017 م - ٢٥ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / الأمية الإلكترونية

الأمية الإلكترونية

أ.د. محمد الدعمي

” يمكن لهذا النوع من التسليح أن يحثنا في أغلب الدول العربية، إلى محاولة مواكبة العصر الإلكتروني المنطلق بسرعة فائقة واقتناء نتاجاته المذهلة، درجة أنه قد يأتي يوم تعرض به وزارات الدفاع العربية كافة اسلحتها الثقيلة في المزادات العلنية العالمية، كخردة. ولم لا، وقد رحنا نبيع طائرات عملاقة بأسعار هي أقرب لأسعار الخردة، بعد عقود من تشبثنا بالجديد المذهل من النوع أعلاه!”
ـــــــــــــــــــــ
لا يجد المرء بينة على طلاق العالم العربي للعلوم الإلكترونية والحاسوبية والمعلوماتية أكثر دقة من عدم اتفاق المجاميع العلمية المتخصصة ومجامع اللغة العربية بين القاهرة ودمشق وبغداد على لفظ مرادف للفظ Cyber الموظف في اللغات الأوروبية للرمز لكل ما هو متعلق بما جاء في أعلاه من علوم ومعارف، اصلها وتشعباتها.
وإذا كان هذا خللاً أو ربما آفة قاتلة تعاني منها الدول العربية اليوم، فإن مكافحة ما يمكن أن يسمى بـ”الأمية الإلكترونية” Cyber Illiteracy إنما تقفز إلى أعلى قائمة الأولويات لمشاريع الدول العربية الأكثر جدوى في المستقبل. ليس الأمر بمحدود فيما حللته في مقالتي ليوم الإثنين الماضي حول “الأمن الإلكتروني”، وإنما هو أخطر من ذلك على مستقبل العالم العربي بكثير، خاصة وان التنافسات الدولية، لا سيما ما تفرزه من صدامات وارتطام ارادات قومية لم تعد ممكنة الحسم بالسلاح أو بالقوة النارية التقليدية الموظفة في الميدان. هذه هي أهم دواع تعمد الدول المتقدمة إفراد دوائر خاصة من أجهزتها الاستخبارية والأمنية، أقساماً متخصصة بـ”الأمن الإلكتروني”، كما هي عليه الحال في الولايات المتحدة الأميركية وروسيا والصين واليابان والهند من بين سواها من الدول المتقدمة في هذا المضمار. ودليل ذلك ظاهر للعيان في العالم العربي قبل سواه من الدول أو المنظومات الإقليمية: فالولايات المتحدة الأميركية تقود حرباً ضروساً ضد الشبكات الإرهابية في العراق وسوريا، اليمن وشمال إفريقيا دون الحاجة لإرسال جنود على الأرض، كما فعلت عندما احتلت العراق سنة 2003، إذ يبدو أن التقدم في مضمار الرقميات والعلوم الإلكترونية يتجه بسرعة فائقة إلى تجنب الاحتكاك العسكرية الدموي أو نصف العسكرية المباشر. ولنا أن نلاحظ كم من قيادات القاعدة في جزيرة العرب وباكستان تم إعدامهم دون الحاجة للأسلحة الثقيلة ولا للمحاكمات، ولكن باستخدام الـ”درونات”، أي الطائرات بدون طيار التي يمكن أن تنفذ الإعدام بفرد مطلوب وهو يستمع للمذياع في غرفة صغيرة ببيته أو وهو يقود سيارة مع رفاقه عبر حضرموت. هذا النوع من أدوات القتل يمكن أن يوظفه ضابط في المخابرات المركزية من مركز سيطرة ومراقبة قائم على النصف المعاكس من الكرة الأرضية، دون الحاجة لعناء السفر، ولتحمل غبار الحركة بالسيارات المصفحة! إذاً، الاتجاه هو إلى ما صغر حجماً وزاد فتكاً وقلّ إحتياجاً للعنصر البشري.
يمكن لهذا النوع من التسليح أن يحثنا في أغلب الدول العربية، إلى محاولة مواكبة العصر الإلكتروني المنطلق بسرعة فائقة واقتناء نتاجاته المذهلة، درجة أنه قد يأتي يوم تعرض به وزارات الدفاع العربية كافة اسلحتها الثقيلة في المزادات العلنية العالمية، كخردة. ولم لا، وقد رحنا نبيع طائرات عملاقة بأسعار هي أقرب لأسعار الخردة، بعد عقود من تشبثنا بالجديد المذهل من النوع أعلاه!
ربما كانت هذه العملية الدورانية التي لا تتوقف هي التي كمنت خلف ما تنتجه الشركات العملاقة للإلكترونيات بين الفينة والفينة لتجعل ملايين البشر يرمون بهواتفهم “الموبايل” إلى النفايات، سوية مع أنواع السيارات والتلفزيونات والأدوات الإلكترونية التي يتم تحديثها والإضافة عليها كل يوم كي تبقى دائرة التخلف تلف بنا بسحرها الفظيع: فنبقى نبتاع الجديد، ويبقون يبيعونه لإفراغ خزائننا وجيوبنا من آن لآخر وعلى نحو دوري.
لم تعد حملات محو الأمية التقليدية بذات جدوى قط، فقد غادر العالم المتقدم حقبة تعليم القراءة والكتابة، كما وهجر حملات القضاء على الأمية المقنعة نحو عالم الكتروني جديد تكون أميته أمية الكترونية لا يمكن التشبث بالقضاء عليها لأنها مرتهنة ببرامج علمية وتدريبية رفيعة قد لا توازي حتى ملايين براميل النفط في محاولة مسايرتها والتوازي مع حركتها، ناهيك عن مخاطر استئجار الخبرات الأجنبية في هذه الحقول.
وكي يطور الفرد الخليجي والعربي عامة فكرة دقيقة عما أذهب إليه، فإن له أن يحسب الأموال التي أنفقتها على منتج واحد فقط (كالهاتف النقال) خلال السنوات العشر الأخيرة، كي يقدر كم من هذه الأموال هو ما إعتصرته الشركات الإلكترونية من واردات الطرد وعائلته. أما المذبحة التي أتوقعها، فستقع عندما تكتشف الجيوش في العالم العربي أن دباباتها ومدافعها واسلحتها الخفيفة لم تعد ذات جدوى في الحرب الإلكترونية الحديثة، لذا قد يكون مصيرها التفجير أو الرمي في أعماق البحار، جزاء ما أنفقنا على شرائها وعلى التدريب عليها دون الكفاية من بعد النظر.

إلى الأعلى