الثلاثاء 28 مارس 2017 م - ٢٩ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / آلام العيد

آلام العيد

”.. الهدنة في اليمن، والتي أريد لها أن تنقل أكثر من عشرين مليون يمني إلى أيام العيد في هدوء من القصف والتفجيرات وامكانية إيصال مساعدات إنسانية أصبح كافة سكان اليمن تقريبا في أمس الحاجة إليها بعد شهور من القتال، ولدت ميتة. وليس هنا مجال القاء اللوم على طرف دون الآخر، فالكل أمام المواطن اليمني سواء…”
ــــــــــــــــــــــــــــ

مع أن هناك قضايا عديدة تستحوذ على الاهتمام وتستحق الكتابة عنها، من الاتفاق التاريخي بين إيران والغرب إلى أزمة الاتحاد الأوروبي واحتمالات خروج اليونان ـ وربما غيره ـ منه مرورا بمآسينا اليومية من تفجير وقتال وتدمير من تونس وليبيا إلى العراق وسوريا واليمن، إلا أن الحدث الأهم هو أن هذا هو الأسبوع الأخير من شهر رمضان الفضيل ونهايته عيد الفطر المبارك. وإن كان ذلك الحدث معروفا مسبقا من عام إلى عام إلا أنه يظل أهم يوم في العام، هو وعيد الأضحى المبارك بعد نحو شهرين وأيام. تلك الأيام القليلة في العام التي يفترض أن يفرح فيها الناس في منطقتنا ويحتفلون ويتطلعون بتفاؤل لعام جديد وسط كل ما تعانيه المنطقة من مآس. وإذا كان ما أسلفنا من صراعات يولد آلاما لدى ملايين الأسر، فإن العيد هذا العام يأتي محملا بآلام تجعل احتفالاته مرة إلى حد كبير.
فالهدنة في اليمن، والتي أريد لها أن تنقل أكثر من عشرين مليون يمني إلى أيام العيد في هدوء من القصف والتفجيرات وامكانية إيصال مساعدات إنسانية أصبح كافة سكان اليمن تقريبا في أمس الحاجة إليها بعد شهور من القتال، ولدت ميتة. وليس هنا مجال القاء اللوم على طرف دون الآخر، فالكل أمام المواطن اليمني سواء ـ كلهم مسؤولون عن آلام العيد بصراعهم على السلطة والنفوذ. ويتعجب المرء قيف يقضي هؤلاء الذين يقودون ذلك الصراع عيدهم أفي فرح واحتفال، أم غم وآلام؟! هذا بلد يتألم كله تقريبا في العيد، ومن الصعب تصور أن ينظر شعبه بتفاؤل للعام المقبل. ولعل البلد الذي يوازي اليمن بؤسا وألما في العيد هو سوريا.
صحيح أنه على مدى أربع سنوات الآن تحتفي وسائل الاعلام بالعيد مذكرة متابعيها بمآسي اللاجئين السوريين في البلاد المختلفة وكيف يقضون العيد في المخيمات. لكن هذا العام، وان استمرت قصص المخيمات واللاجئين، يشهد ايضا مأساة الملايين من السوريين داخل بلدهم. منهم النازحون من بيوتهم وقراهم ومدنهم إلى أماكن أخرى هربا من وحشية داعش أو قتال الجماعات المتشددة الأخرى فيما بينها أو من قتال كل تلك الجماعات مع الجيش السوري واستهداف القوات السورية للمناطق التي يسيطر عليها مسلحو المعارضة وفيها مدنيين لا حول لهم ولا قوة. ومن لم يستطع النزوح، ويعيش في أماكن الصراع أو أماكن سيطرة داعش وغيرها، سيقضي العيد على طريقة هؤلاء من الدواعش وأشباههم. تقضي ملايين الأسر السورية العيد بلا فرح ولا احتفال والأغلب بلا تفاؤل، ومرة أخرى من يمكنه أن يقول لملايين السوريين إن “النظام مسؤول عن مأساتكم”؟! كان النظام قمعيا وديكتاتوريا لسنوات طويلة، لكن الناس كانوا في بيوتهم ـ على فقرها وتواضعها ـ يقضون العيد ويتطلعون لتحسن الأحوال في العيد المقبل. ورجاء، لا يقارنن أحد بين فرحة أسرة بالعيد والديموقراطية والحرية والتخلص من الطغيان .. وبالمقابل لا يلقين مؤيدو النظام باللوم على المعارضة المسلحة وجماعات الإرهاب التي قتلت فرحة العيد لدى ملايين السوريين. بالنسبة للمواطن السوري المغلوب على أمره، من أذى الطرفين.
قد يتصور البعض أن الناس في العراق ربما يحتفل بعضهم بالعيد ويعيش بعضهم آلام العيد، لكن الواقع أن العراق وأهله ربما لا يختلف حالهم إلا قليلا عن الحال في اليمن وسوريا. ولا تحسبن أن هناك “مناطق آمنة” في العراق بينما التفجيرات يسمع أصواتها فيها. وليست التفجيرات وسيطرة داعش على قطاع واسع من غرب البلاد السبب الوحيد لآلام العيد في العراق، بل إن العراق منذ الغزو والاحتلال قبل أكثر من عشر سنوات يعاني باضطراد. ومن تبقى من أهله فيه لا ينعمون بأي من خيرات بلدهم الذي كان من أفضل بلدان المنطقة في وقت ما قبل أن تعيده الحروب إلى ما قبل العصر الحجري.
هناك آلاف الأسر في بقية بلدان المنطقة، خاصة تلك التي تشهد حروبا وصراعات ونشاطا لجماعات التكفير والإرهاب مثل ليبيا وتونس ومصر وغيرها، لن يحمل لهم العيد إلا الآلام. ليس فقط تلك العائلات التي فقدت عزيزا في تفجير أو قصف أو خطف وقتل، ولكن تلك الأسر التي اختفى فرد من أبنائها ليكتشفوا أنه انضم لداعش أو النصرة أو غيرها من جماعات الإرهاب. ولا ننسى آلاف الأسر التي راح بعض أفرادها ضحايا رحلات الموت في البحر، هربا من واقع مرير نحو بلدان يتوهمون العيش فيها بشكل أفضل. وما آلام العيد هنا نتيجة فقر أو حاجة، ولا حزن طبيعي على مقادير الأمور التي يعاني منها الناس عادة خلال العام، بل هي آلام بفعل فاعل وكان يمكن تلافيها أيضا بفعل فاعل. ولا يسألن أحد من الفاعل، فالكل ملوم. وكل عام وانتم بخير.

إلى الأعلى