الثلاثاء 24 يناير 2017 م - ٢٥ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / رأي الوطن .. محطة جديدة من محطات التاريخ

رأي الوطن .. محطة جديدة من محطات التاريخ

التراث هو ضمير الأمة الحي الذي يعيش لآلاف السنين بعد رحيل الجيل الذي ترك هذا التراث، وهو الوعاء التاريخي الذي يسرد الدور الذي لعبته الأجيال المتعاقبة طوال حقب التاريخ في تطوير وسائلها وآلياتها والتعبير عن أفكارها وتوثيق معتركها مع الحياة وكل عصر وتطوراته وأحداثه، وما بنته العقول وصاغته طبيعة الحياة وظروفها وأيدي الناس وتوارثته الأجيال وأضافت إليه. فالتراث هو كل ما ينتقل من عادات وتقاليد وعلوم وآداب ونحوها من جيل إلى جيل ويشمل الفنون ـ والتي يمكن أن يندرج تحتها الصناعات الحرفية ـ وكذلك الأبنية والمأثورات الشعبية من شعر وغناء وموسيقى وقصص وحكايات أمثال شعبية وأيضًا العادات المتبعة في الزواج والاحتفالات بالأعياد والرقص الشعبي وأيضًا الرياضات التقليدية، والرحلات عبر التاريخ، وما أفرزه الاحتكاك مع الأمم والشعوب الأخرى في كل عصر ومصر.
ولما كان لكل شعب وأمة تراثها، فإن لنا تراثنا وثقافتنا في هذا العالم وبخاصة في العالمين العربي والإسلامي، وتراثنا نحن العمانيين حافل بكل ما نفخر به من إنجازات وابتكارات، حتى تلك الأشياء العتيقة التي نمر عليها مر الكرام إنما هي جزء من شهادة التاريخ عن جيل من أجيال العمانيين الذين عاشوا قبلنا على هذه الأرض الطيبة. ولذلك من منا لا تحدوه الرغبة الجارفة في الاطلاع على نمط حياة أسلافنا ومنجزاتهم والطرائق التي التمسوها ليعيشوا أعزة كرامًا ويتركوا لأخلافهم شهادة الجودة التي تكون بمثابة إضاءة طريق إلى إنجاز جديد؟
هذه الرغبة حرصت النهضة المباركة على تحقيقها وتأصيلها في فكر ووجدان كل مواطن يعيش على الأرض الطيبة منذ بزوغ فجر النهضة في الثالث والعشرين من يوليو عام 1970م بالقيادة الحكيمة والمستنيرة لحضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ حيث خطت النهضة المباركة جهود جلالته ـ أبقاه الله ـ على جدران الزمن وسجل التاريخ، مبرزة إياه رجلًا يعتز بتراث أجداده وآبائه أيما اعتزاز، ويؤمن بهويته وبهوية وطنه أيما إيمان، كل مرحلة من مراحل تاريخ النهضة المباركة، وكل لبنة من لبنات البناء تشهد رسمًا وختمًا على مسيرة حفظ التراث الإنساني المادي وغير المادي التي قادها جلالته ـ أيده الله ـ وحرص عليها أشد الحرص، من إقامة وزارة خاصة تعنى بالتراث والثقافة، إلى تخصيص عام للتراث إلى استمرار في إقامة المتاحف، وإحياء الطرق البحرية التي سلكتها السفن العمانية عبر التاريخ، وتسجيل الأفلاج والقلاع والحصون والمحميات في قائمة التراث لليونسكو، وتخصيص جائزة لصون التراث والبيئة إلى إنشاء كلية الأجيال الخاصة بالحرف والصناعات التقليدية وغيرها الكثير.
لقد كنا بالأمس (الثلاثاء الرابع عشر من يوليو) مع محطة جديدة من محطات التاريخ، ومع عطاء جديد من عطاءات النهضة المباركة، حيث سالت الدموع من مآقيها وهي تنظر إلى تلك اليد الحانية والأبوية ممسكة بقالب البناء في إصرار وعزم على أن الحياة مستمرة، وفي رسالة شديدة الوضوح إلى الأجيال الحاضرة بأن العطاء يجب أن يستمر والبناء يجب أن يتواصل، وأن الصعاب تقهر بعزائم الرجال والمعوقات تذلل بالإيمان والصبر. لقد أوصلت يد مؤسس النهضة العمانية الحديثة حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ لدى تفضله بوضع حجر الأساس لمشروع “متحف عُمان عبر الزمان” بولاية منح بمحافظة الداخلية، رسالة وطنية بامتياز إلى أبناء هذا الوطن، وهي أنه مهما تقدم العصر بمخترعاته وابتكاراته وصناعاته، فإنه يجب أن لا ينسينا تراثنا وإسهاماتنا وأدوارنا عبر التاريخ والعصور والأزمان فهي هويتنا وثقافتنا، بل يجب أن نطوع ابتكارات العصر ومخترعاته فيما يخدم حضارتنا وتراثنا وثقافتنا وتقديمها بصورة تتعاطى مع معطيات العصر ومخترعاته، للأجيال المتعاقبة وللعالم أجمع، فنحن لم نكن يومًا أمة منغلقة على نفسها، فشواهد التاريخ تفند مثل هذه المزاعم.
إن هذا المتحف يأتي امتدادًا لمسيرة الاهتمام القائم بالتراث، وسينقل هذه المسيرة إلى مراحل متقدمة، لما سيلعبه من دور في إبراز الحقب التاريخية العريقة التي شهدتها السلطنة، وصولًا إلى عصر النهضة المباركة وما شهدته مسيرة النهضة من إنجازات مستمرة، إضافة إلى ما وهبها الله من طبيعة وتنوع جغرافي زاخر، من خلال الصوت والصورة، وبأسلوب تفاعلي جاذب، وباستخدام أحدث التقنيات في هذا المجال، حيث سيُراعى عند تنفيذ قصة السرد المتحفي أن يتم توظيف فلسفة العرض الزماني والموضوعي، وذلك وفق أحدث المعايير والمواصفات المتبعة في علوم المتاحف بما يسهم في خلق تجربة تثقيفية وممتعة لمختلف فئات الزوار، إلى جانب الأهداف السامية التي يراد تحقيقها من إقامة هذا المتحف وما يحتويه من قاعات ومرافق. كما أن إقامته في ولاية منح بمحافظة الداخلية يأتي تكريمًا لهذه الولاية وما ترقد عليه من تراث وفنون وعراقة.
لك كامل الامتنان يا جلالة السلطان قائد مسيرتنا المظفرة، ونسأل الله أن يحفظك لهذا الوطن الطيب ذخرًا وسندًا، وأن يمتعك بالصحة والعافية أعوامًا عديدة وأزمنة مديدة، وأن يديمك نبراس ازدهار وسؤدد لعُمان وشعبها.

إلى الأعلى