الإثنين 25 سبتمبر 2017 م - ٤ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / عن عاصمة الشتات الفلسطيني

عن عاصمة الشتات الفلسطيني

علي بدوان

لم يَكُن مخيم اليرموك موئلًا وموقعًا سكنيًّا لعددٍ كبير من لاجئي فلسطين في سوريا، ولم يَكُن أيضًا منطقة جغرافية تَطَورت عبر السنوات المديدة، لتأخذ طابعًا مدينيًّا، حيث صنع الفلسطينيون في مخيم اليرموك، مدينة جديدة باتت كأنها مدينة عريقة في قِدَمِها وتاريخها، بل كان مخيم اليرموك وما زال عنوانًا فلسطينيًّا بامتياز، وحاضنة مُتسعة، وطنية، وقومية، وأممية، لكل حالمٍ بالعدالة والمحبة والسلام تحت نور الشمس.
مخيم اليرموك شَكَّلَ وما زال يُشكّل بدلالاته التاريخية والواقعية والرمزية بالنسبة لمواطنيه من الفلسطينيين (فلسطين المُصغرة)، حيث ارتبط حق العودة وديمومته في دواخلهم بواقع الوجود المادي للمخيم، وبوجود أهله وسكانه، من أبناء حيفا ويافا وعكا وصفد واللد والرملة وعموم فلسطين. فرمزية مخيم اليرموك، باتت موجودة بشكلٍ مُستديم في سردية العمل الكفاحي للمسيرة الوطنية الفلسطينية المعاصرة، وللوطنية الفلسطينية، وقد تحوّل هذا المخيم إلى مدينة عامرة بمن فيها، وصورة حية عن فلسطين، فكل من عاش بين أزقته وشوارعه، وكل من سكنه وساكن أهله ولو يومًا واحدًا، عشقه، وما انفك عشقه عنه حتى الآن.
مخيم اليرموك للاجئين الفلسطينيين امتلك وما زال يَمتَلِكُ مُتسعًا حيًّا، نابضًا، متألقًا، وافرًا وغنيًّا، في الذاكرة الفلسطينية، وفي موسوعة الكفاح الوطني الفلسطيني المُعاصر، وفي مسيرة المقاومة الفلسطينية. كما امتلَكَ وما زال يَمتَلِك خصوصية وفرادة ميّزته على الدوام، فهو مخيم المعسكر الأول للفدائيين الفلسطينيين ولحركة فتح والجبهة الشعبية وغيرها من فصائل العمل الوطني الفلسطيني. كما هو مخيم البندقية الأولى، والشهيد الأول، والبلاغ العسكري الأول، ومقبرة الشهداء الأولى التي دفن تحت ترابها القوافل الأولى من شهداء الثورة الفلسطينية المعاصرة، وعدد كبير من قادتها ومفجريها.
مخيم اليرموك، ليس مكانًا جغرافيًّا بحتًا، أو موئلًا لمجموعات أو كتل بشرية من اللاجئين الفلسطينيين في سوريا، إنه جزءً أساسي من التاريخ والفعل، الذي يلخص دراما النكبة الفلسطينية وتحولاتها، كما يُلخِّصُ سطوة وقوة وحضور الفلسطيني، كما يلخص إنسانية ونبل هذا الشعب الذي رمت به أقدار النكبة خارج وطنه التاريخي فلسطين.
إنه المخيم الذي كان قبل محنته أواخر العام 2012 ينبض بالحياة ليل نهار، لا تعرف صباحه من مسائه، بأسواقه العامرة المدينية، وبنواديه الثقافية ومراكز المؤسسات الوطنية الفلسطينية المنتشرة على امتداده، ليَضُمَ بين ثناياه العدد الأكبر من مثقفي فلسطين وكتابها، وأُدبائها، وفلاسفتها، ومنظريها، ومناضليها، وكوادرها، وفعالياتها، وحتى أطبائها، ومهندسيها، ومدرسيها، ومشاكسيها. فهو أكبر تجمع فلسطيني خارج فلسطين على الإطلاق.
مخيم اليرموك، في بيئته الوطنية، أنجب قوافل من الأجيال المُتتالية من أبناء فلسطين، الذي غرسوا في دواخلهم حالة مغايرة، منذ الأسنان اللبنية، لشعبٍ جبار ما زال يَمتَلِكُ ناصية الحلم، في سيرورة لم ولن تنطفئ، حلم العودة للوطن الفلسطيني، بالرغم من النكبات التي انهالت على الشعب الفلسطيني داخل وطنه وفي دياسبورا المنافي والشتات.
في مخيم اليرموك، ولدت الأجيال التالية من أبناء فلسطين ما بعد النكبة، وتفتحت أعينهم على وهج الشمس ونور الحياة. وفي مخيم اليرموك وبين أزقته وحواريه وضجيجه، وتفاعلاته، ويومياته الصاخبة، بدأت عوالم الوعي تَخُطُ وقائعها في دواخل الألوف المؤلفة من أبناء فلسطين، وفي ثقافتهم، وفي تربيتهم، وفي رسم مسار حياتهم، منذ مدارس الأونروا، وصولًا للدراسات الجامعية. فكانت بيئة مخيم اليرموك، وحياة فلسطينيي الشتات، والنهوض الوطني العام في الثورة الفلسطينية المعاصرة، عوامل ذات تأثير كبير في بناء وإنضاج الوعي السياسي والثقافي والحياتي العام الذي باتت تملكه تلك الأجيال بعد كل تلك السنوات التي عركتها بتجاربها.
في سيرة ويوميات المخيم، نَقَشَت وقائع الحياة كتاباتها الراسخة في تكوين أبناء فلسطين من سكانه، النكوين الثقافي والسياسي، وفي ذاكرتهم الجمعية، وإيمانهم الوطني الراسخ، بدءًا من سيرة مفتاح البيت في فلسطين إلى رواية الجد للحفيد عن عكا التي لولا صمودها لما جاورت البحر، عن حيفا التي لا تنام إلا على هديره، ويافا التي ظلت عروسه مهما جف وعطش. فجيلنا/جيل دياسبورا الشتات والنكبة، جيل خيم اليرموك، كاد يمضي عمره القصير/الطويل في الهجرة إلى عودته كالحائم على بلح عسلي، يحوم به الحنين على ديار الوطن في فلسطين القريبة/البعيدة، بقوة الانشداد إلى الحياة، كما ينشّد النبات… والتين والزيتون، في اتجاهين: إلى جذوره في التربة، وإلى نور الشمس والحرية.
في معمعان تلك الثقافة الوطنية، امتلأ طريق أبناء فلسطين المُتعدد والمتجدد، المتنور والمتطور بنتاج تلاقح واقتران الوعي بالفتوة النقية، والرأي بالشجاعة، وفي السباق على طريق غد قادم يتجسد فيه الحلم الفلسطيني المشروع. وفي تلك الثقافة تشكّلت، ودفعت فتيان وشبان المخيم للكتابة على جدرانه، ليؤرخوا بخربشات أقلامهم دراما اللّجوء، فتدمع جدران المخيم عند التحليق عليها. وعلى جدران المخيم نشروا ملصقات، وصور شهدائهم. ورسموا على جدران مدارس الأونروا لوحات العودة إلى حيفا ويافا وعكا وصفد وطبريا واللد والرملة، العودة هناك إلى الوطن السليب، وإلى الهوية التي ما زالت تعيش في وجدان كل لاجئ فلسطيني.
إن تلك الكلمات ليست شاعرية، أو لغة خشبية أو متقادمة، كما يعتقد البعض، إنها كلمات “قوة الحق في مواجهة حق القوة” ما زالت تتأجج كل يوم عند أجيالنا وتلك الأجيال التي توالدت في صفوف اللاجئين الفلسطينيين في سوريا، تلك الأجيال التي تعلمت في مخيم اليرموك، حب الحياة، وعِشقِ أوكسجينها كباقي البشر، وعِشق ضوء الشمس والحرية تحت وهجها، والتضامن مع كل البشر، واجتراح أساليب البقاء واستمرار الحياة بكل مقوماتها.
لقد انطبعت حياة اليرموك، وتراثه، ويومياته، في شخصية وتكوين كل فرد من أبناء فلسطين في اليرموك، فبات مخيم اليرموك بالنسبة لهم، أهم عوالم الكون بعد فلسطين. ففيه المُختصر والمفيد، وفيه الجامع والكلي، ومنه ارتسم ويرتسم الطريق نحو فلسطين.

إلى الأعلى