السبت 29 يوليو 2017 م - ٥ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / “إنَّهم عرب”..!

“إنَّهم عرب”..!

جواد البشيتي

“إنَّهم عرب”.. هذه الجُمْلة نسمعها دائمًا منهم، وكأن لا وجود للعرب إلَّا في الخطاب السياسي والإعلامي للأعداء، أو الخصوم، القوميين للعرب، فإسرائيل تسمي الفلسطينيين من مواطنيها “عرب إسرائيل”؛ لأنَّ “الشعب الفلسطيني” لا وجود، ولا حقوق قومية، له في “أرض إسرائيل”، فهو جاء إليها غازيًا من “أرض العرب”، وينبغي له أن يعود إلى “موطنه الأصلي”، إلَّا إذا شمله “الشعب اليهودي” بشيء من “رحمته الإنسانية”، مبقيًا، من ثمَّ، على جزء منه في جزء من “أرض إسرائيل”، ليؤسِّس فيه دولةً له لا يستحقها!
إسرائيل هي العدو اللدود للعرب إذا ما حاولوا الاتِّحاد القومي؛ ومع ذلك تريد لهم أن يتَّحدوا جميعًا في الاعتراف بها على أنَّها “دولة الشعب اليهودي” فحسب، والتي يحق لها أن تعيش في أمن وسلام، وأن تتمتَّع بعلاقة طبيعية مع كل الدول العربية. إنَّها، أي إسرائيل، تُقِرُّ بالوجود القومي للعرب ما أفادها هذا الإقرار في إقرار الدول العربية جميعًا بحقِّها في الوجود الذي يقوم على نفي الوجود القومي للشعب الفلسطيني، وعلى نفي حقِّه القومي والتاريخي في فلسطين.
مِنْ هذا العدو القومي الأوَّل نسمع تلك “الجُمْلة” التي يستطيب سماعها شعورنا القومي؛ ونسمعها، أيضًا، من جماعات قومية وعرقية تنمو فيها الميول والنزعات الانفصالية، فـ”العرب” موجودون ليس في العراق فحسب، وإنَّما في السودان، وفي الجزائر.. فكلَّما ظهر لنا خصم سمعنا بجملة “إنَّهم عرب”!
وبهذه “المأساة” تقترن “المهزلة”، فجملة “نحن عرب” لا نسمعها في الدول العربية التي لا يعيش فيها “خصوم قوميين”، أي في غالبية الدول العربية، أو حيث يتركَّز وجود “الأمَّة العربية”، ففي معقل الوجود القومي العربي، الذي تتقاسمه أكثرية الدول العربية، نسمع فحسب جُمَلًا من قبيل “أنا مصري”، “أنا سعودي”، “أنا أردني”.
حتى في “أحكامنا الأخلاقية” اعتدنا تمجيد “الجزء” وتحقير “الكل”؛ ولقد تمكَّنت منَّا، شعورًا وعقلًا وثقافةً ولسانًا..، كل عصبية حقيرة تافهة، فشرعنا نَنْسِب إليها كل مأثرة وفضيلة، ونَنْسِب إلى “العروبة”، في الوقت نفسه، كل مثلبة في مجتمعاتنا ما أصعب أن تُشْعِل فتيل صراع يتسامى عن كل عصبية كريهة، وما أسهل أن تُخْرِج هذا الصراع، إذا ما بدأ، عن سكَّته بقوى العصبية الحيوانية والعمياء، فيتحوَّل هذا الصراع، الذي تكمن فيها مصلحة عامة، ويضرُّ بذوي المصالح الفئوية الضيقة، إلى ما يشبه “حرب الكل ضد الكل”.
إنَّها أمَّةٌ كلَّما اغتنت فقرت، وكلَّما تسلَّحت ضعفت، وكلَّما حاربت هُزِمَت، وكلَّما تديَّنت كفرت، وكلَّما تمنطقت تزندقت، وكلَّما تحاورت تعاركت، وكلَّما تحرَّرت تحلَّلت.
اسألْ أي عراقي أو لبناني.. عن رأيه في العصبية الطائفية والمذهبية، وعن موقفه منها، تسمع كلامًا يجعلك تعتقد أنَّ أُمَّتنا في خير وعافية، وأن لا خوف عليها من أن تقع في فخِّ اقتتال طائفي أو مذهبي..
على أنَّ هذا ليس سوى أحد طرفي تناقضنا الداخلي، ففي طرفه الآخر نرى أنَّ كل من يسمعكَ كلامًا من هذا القبيل يمكنه أن يتحوَّل سريعًا إلى وقود في “حرب الكل ضد الكل”؛ ولديه من قوَّة الدافع إلى التضحية بالنفس، وبذل الغالي والنفيس، في الحرب ضد المختلف عنه، قبليًّا وطائفيًّا ومذهبيًّا، ما يفوق أضعافًا مضاعفة قوَّة دافعه إلى خوض الصراع الذي له مصلحة حقيقية، وليس مصلحة وهمية، في خوضه والفوز فيه.
ويكفي أن تشوِّه وتمسخ صراعًا ما بقوى العصبية القبلية والطائفية والمذهبية حتى تَخْرُج من أجداثها سِراعًا قيادات من النمط الذي بفضله يستمر حُكْم الأموات للأحياء!
المتعصِّبون لطوائفهم ومذاهبهم هُمْ الآن في تكاثر متزايد متسارع؛ وعلى كثرة ما يُفرِّقهم، يتشاركون جميعًا سمة جوهرية هي أنَّهم أُناس لا يتعلَّموا شيئًا من تجاربهم، ومن تجارب غيرهم، وأنَّهم، في الوقت نفسه، لا ينسون شيئًا؛ فذاكرتهم مليئة مفعمة دائمًا بكل ما يؤجِّج الشرور بينهم وبين خصومهم. هُم قَوْمٌ يَسْتَغْلِق على عقولهم فَهْم التاريخ، فينالون العقاب الذي يستحقُّون، ألا وهو خروجهم من الجغرافيا.

إلى الأعلى