الجمعة 26 مايو 2017 م - ٢٩ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / ثقافة وفنون / سالم الجديدي يعرض “الصورة اللونية في الشعر العماني الحديث”

سالم الجديدي يعرض “الصورة اللونية في الشعر العماني الحديث”

مسقط – العمانية:
اللون في الشعر لا يكتفي بكونه ظاهرة جمالية للمكون الشعري إنما يتعداه إلى انه يحمل قيمة دلالية ذات أبعاد نفسية واجتماعية ودينية وأسطورية أو خيالية في كثير من الأحيان، وهذه الظاهرة كانت المرتكز الأساسي التي بني عليها الباحث سالم بن ناصر الجديدي دراسته البحثية التي موضوعها “الصورة اللونية في الشعر العماني”.
وفي هذه الدراسة التي صدرت عن المنتدى الأدبي التابع لوزارة التراث والثقافة خلال العام الماضي 2014م حاول الباحث إظهار اللون بصورة جلية واضعة في الحسبان، أن المعالجة ستكون للغة الشعر وليس للغة الفن التشكيلي، الذي تربطه باللون علاقة مباشرة، ولما كان اللون في لغة الشعر يتميز بانتقاله من مخاطبة البصر بدلالاته، إلى مخاطبة الذهن بتجلياته، فقد كان طبيعيا أن تستجلي الدراسة الآفاق الرحبة التي يتمتع بها، في السياق الشعري الطافح بالكثير من المواقف المتعددة والمختلفة، حسب طبيعة الزمان والمكان والحدث. وفي المقدمة التي كتبها الكاتب أكد أن المقصود بمصطلح الصورة اللونية، هو ذلك التركيب اللغوي الذي يكون فيه اللون محورا فنيا وعمليا في الإبداع الشعري، بحيث يمد التركيب بدلالات متعددة حسب سياق الكلام. وجاءت الدراسة بمصطلح الصورة مع اللون رابطا بذلك المصطلحين معا، لتؤكد أن دلالتيهما مشتركة في التوظيف، فكلاهما يدل على التعبير عما يجول في نفس الشاعر، من خواطر وأحاسيس.
يقول الكاتب: إن البحث لم يتعمد تتبع الألوان الأساسية التي حددها في الأحمر والأصفر والأخضر والأزرق والأسود والأبيض لذاتها، بل لما تبثه من دلالات ومعان في السياق الشعري. من جانب آخر سعت الدراسة إلى إبراز ظاهرة الصورة اللونية في الشعر العماني الحديث والمعاصر، من خلال مجموعة من الدواوين، تفاوتت طباعتها بين 1975م – 2009م، ساعية وراء النصوص التي ذكرت اللفظة اللونية مباشرة، وما يمثل المظاهر المدروسة، دون التركيز على أصحابها في مراتبهم الشعرية، أو أجيالهم الزمنية، ولا تزعم الدراسة أنها ستحيط بسائر الشعراء، أو المظاهر المدروسة، بل سترصد الخطوط العامة للصورة اللونية في الشعر العماني الحديث والمعاصر. من الشعراء الذين مثلت نصوصهم مادة هذه الدراسة: الشاعر الشيخ عبدالله بن علي الخليلي، الذي مثل الشعر الكلاسيكي، وتم اختياره لأنه خير من يمثل هذا الاتجاه، لنضج تجربته الشعرية واكتمالها، وكذلك لكثرة نصوصه التي أوردت اللون في مضمونها، أما الاتجاه الرومانسي والواقعي، فقد مثله مجموعة من الشعراء، وذلك لعدم وجود تجربة مكتملة المقومات للاتجاه الرومانسي أوالواقعي، وهؤلاء هم: سعيد الصقلاوي، وذياب بن صخر العامري، وسعيدة خاطر، وناصر البلال، وحصة البادية، وحسن المطروشي، وعلي الرواحي، وبدرية الوهيبية، وأحمد الدرمكي، وهلال العامري، ونورة البادية، وخالد المعمري، وصالح الفهدي، وسعيد العيسائي، وسالم البوسعيدي، وتم اختيار الشعراء كما يقول المؤلف على اعتبار أنهم قدموا تجربتهم عبر دواوين مطبوعة ومعتمدة، وعلى أساس الظواهر المدروسة، إذ احتوت دواوينهم المطبوعة على نصوص تخدم كل ظاهرة. اتخذت الدراسة المنهج الوصفي التحليلي، الذي يقوم على اختيار الوصف الذي يخدم الظاهرة اللونية، وقراءتها قراءة متأنية، ثم تحديد الظاهرة وما تتكئ عليه، ووصفها وصفا دقيقا، مع تحليل الظاهرة، وما تتميز به من خصائص، وبيان مدى توظيفها في خدمة العمل الشعري الحديث. تشتمل الدراسة على مدخل وثلاثة فصول، تطرق الباحث في المدخل إلى تعريف الثقافة في سياق البحث، ومجموع المصادر الأساسية التي قد تأثر الشاعر بها، في توظيف اللون في شعره، مركزا على الدلالات التي يبثها اللون، ويتألف الفصل الأول من ثلاثة مباحث، تناول الكاتب من خلالها الجانب التنظيري للبحث، وعالج قضايا الصورة الفنية من خلال مفهوم الصورة الفنية وارتباطها باللغة المجازية التي تولد الطاقة التخيلية، لتتجاوز الإطار الضيق للمعنى إلى المعنى الأوسع، وبيان أهمية الصورة كونها تمثل ذخيرة الشاعر الحديث، ووسيلة المتلقي للكشف عن نفسية الشاعر، بجانب نظرة الاتجاهات الأدبية “الكلاسيكية والرومانسية والواقعية” إلى الصورة الفنية، وما تتميز به في كل اتجاه، وبيان أهمية اللون ومنزلته في الصورة الحديثة. وتكون الفصل الثاني من ثلاثة مباحث، مثلت الجانب التطبيقي في البحث، تتبع من خلالها الباحث توظيف الشعر العماني للون، من خلال الصورة الكلاسيكية والصورة الرومانسية والصورة الواقعية، وبيان دلالات الألوان الباردة والمحايدة، والدافئة، في كل صورة من صور الاتجاهات الثلاثة، وجاءت مختلفة القوة والضعف، ومتباينة الدلالات، سواء على صعيد اللون الواحد أم على صعيد الألوان جميعها. مع ذلك أهم الظواهر اللونية المستنتجة من هذا التوظيف في كل اتجاه شعري. وجاء الفصل الأخير ليتناول الجانب الفني في البحث حيث عالج الباحث فيه بعض الأشكال البيانية التي جاءت عليها الصورة اللونية، وهي التشبيه والاستعارة والمجاز المرسل، ودلالات هذا التوظيف، وإبعاد صياغته، مما جعل اللون أداة فنية لها قدرة على تقديم المعنى المراد، كونها تشكل بؤرة فاعلة في نسيج الصورة الشعرية، وأهمية هذه الدراسة تكمن في كون ظاهرة اللون في الشعر العماني، لم تحظ بدراسات أكاديمية مستفيضة، وقد تكون هذه الدراسة هي الأولى من نوعها في الشعر العماني الحديث والمعاصر، تكشف عما فيه من طاقات فنية، تتمثل بتوظيف الألوان جماليا ونفسيا واجتماعيا.

إلى الأعلى