الأربعاء 29 مارس 2017 م - ٣٠ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / ثقافة وفنون / “غادة الكاميليا” .. صراع الحب مع الفوارق الاجتماعية

“غادة الكاميليا” .. صراع الحب مع الفوارق الاجتماعية

رومانسية أبكت الملايين

عرض ـ حسام محمود:
رواية غادة الكاميليا قصة رومانسية تصور كيف يطهر الحب البشر من اللهو والعبث حتى لو كان فى بيئة غير سوية، وكيف يتحول الإنسان اللاهى إلى مضح وإنساني ذي عاطفة جياشة يمتلك الرقة بشكل يفوق الخيال، كما تصور الرواية الحياة المجتمعية التى تشع بالأخلاق الأنانية المهيمنة على الشرائح العليا في بعض المجتمعات مع التركيز على تضحيات البائسين ونبلهم فى مقابل تكبر النبلاء. والكاتب ألكسندر دوماس الابن هو ابن الكاتب ألكسندر دوما الأب ووريثه في حيويته الأدبية. ولكن كان الأب قد اشتهر بعشرات الأعمال الروائية وكتب الرحلات والمسرحيات، بينما الابن على الرغم من إنتاجه الكثير لم يشتهر إلا بغادة الكاميليا التي فاقت شهرتها شهرة أعمال الأب مجتمعة. مع هذا فإن الابن كتب أكثر من ثلاثين مسرحية وعددا كبيرا من الروايات، واهتم بالسياسة وراح يكتب النصوص الاجتماعية والبيانات السياسية التقدمية، التي تلتقي جميعا مع الحس الذي أبداه في غادة الكاميليا كرواية سمت فوق تقاليد المجتمعات وسمات الأدب التقليدي.

قمة التضحية
يحفل الأدب العالمي بقصص الحب الرائعة، لكن ليس هناك واحدة مست شغف القلوب، وأدمت العيون مثل (غادة الكاميليا) التى أخذ منها القراء جرعات حب وتضحية وطهر رغم ما قد يشوب الحياة من نقائص. وقد أغرت هذه الرواية المنتجين بتحويلها إلى مسرحيات ذاع صيتها، فحين عرضت بعد حقبة نابليون الثالث فى فرنسا قبلها مسرح فودفيل ليخرج من عرضها المشاهدون بالبكاء وهم يكفكفون الدموع. وفي الوطن العربي تزاحم الناس لمشاهدتها في فيلم ليلى، ولم يبق أحد منهم إلا وبكى. وبعد سنة من عرضها، قدمها الموسيقار فيردي في أوبرا لاترافيتا، وغير اسم مارغريت إلى فيوليتا. وأكد نقاد كثيرون أن العمل يجسد فعليا قيمة الأدب ودوره كحامل لرسالة أخلاقية وصاحب دور إصلاحي اجتماعي مهم. وقد كان كاتب الرواية الكسندر عكس والده، فركب الواقعية وآمن برسالة الأدب الأخلاقية، فعالج في كتاباته الانحراف، وطالب بتحريك عجلة الاصلاح، ودعا الى حماية الزواج والعائلة، وفي عدة مسرحيات له رفع صوت المرأة عاليا. وقدمت السينما العربية هذه الرواية فى ستة أفلام، وفي السينما الغربية هناك ثمانية أفلام أميركية عن هذا العمل الأدبى، إضافة إلى سبعة أفلام فرنسية وإيطالية .

رومانسية السمو
تتحدث رواية غادة الكاميليا في الأصل عن حكاية فتاة كانت تدعى مرغريت غوتييه عاشت حياة اللهو والعبث، وتشتهر بحبها لأزهار الكاميليا. وكانت مرغريت على وشك إقامة علاقة عاطفية مع أحد النبلاء، حين تتعرف خطأ عليه وهو الشاب آرمان دوفال ابن عائلة أرستقراطية ثرية، فتهيم به عشقا ويهواها ويبدآن في حكاية غرام حقيقية سامية عن الغرائز، وتريد مرغريت عبرها أن تبتعد عن عالم الليل والفسق الذي تعيشه أملا أن يعطيها الحب طهرا تشتاق إليه. ويتخيل المحبان أن نبل الحب سيدوم إلى الأبد، لكن يتدخل والد آرمان وهو من الأثرياء حيث ينفجر غضبا حين تتوارد إليه حكاية الحب بين ابنه وفتاة هوى، ولا يصدق أن الحب قد دفعها نحو الطهر، فيلتقى بمرغريت ويمطرها بالوعيد، وبكون حبها لابنه سيدمر مستقبله، وسيحول دون زواج شقيقة آرمان بخطيبها، لأن العلاقة غير المنطقية بين الغانية والشاب ابن العائلة النبيلة، ستجعل سمعة هذه العائلة على ألسنة الناس. وقد اقتنعت مرغريت بسهولة بقول الوالد بسبب نزعتها العاطفية والإنسانية وترضى رغم ألمها بالتضحية بنفهسا من أجل سعادة وإنقاذ حبيبها آرمان وسمعته ومستقبله، وتتبع منطق الأب. وعندما تواجه آرمان تقول له إنها لم تكن أبدا تحبه، بل كانت تلهو معه في انتظار عودة الكونت حبيبها الحقيقي إليها. وإن المال هو مقصدها من بيع الحب، ويثير هذا غضب الشاب فيعنفها ويسبها، ويتركها وقد تحطم فؤاده لكنه لا يدري أن فؤادها هي الأخرى قد اكتوى. وبعد فترة يعود آرمان ويلتقي مرغريت في باريس فيواجهها أمام الناس، وهو حاقد عليها، ويقذف فى وجهها مبلغا من المال كان ربحه من القمار، صارخا بأن هذا أجرها عن تلك الأيام الخالية التي أمضاها معها كإنسانة رخيصة. ويعلن عن دخوله علاقة بفتاة هوى بديلة يدفع لها أجرها هى الأخرى، ويفاقم هذه الدراما ذات الصبغة الرومانسية اصابة مرغريت بداء السل الذى يهددها بالموت. وعندما تصبح مرغريت على شفا احتضار الموت تبعث وصيفتها المخلصة برسالة إلى آرمان تشرح له فيه كل ما حدث وتضحية مرغريت من أجله. ويسارع آرمان إلى حبيبته، لكنها تكون قد بلغت أقصى درجات المرض، وتعيش لحظاتها الأخيرة فتموت بين يديه، وتموت وقد عاد حبه من جديد فى مشهد روائى تزرف له الدموع التي تساقطت أمام هذا المشهد الأخير الذي يعتبر الأكثر رومانسية والأكثر تعبيرا عن الحب الصادق والتضحية والسمو الإنساني في تاريخ الأدب والمسرح العالمي.

إلى الأعلى