الإثنين 24 يوليو 2017 م - ٢٩ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / صناعة السلام تبدأ من مسقط: رصيد يرتفع

صناعة السلام تبدأ من مسقط: رصيد يرتفع

أ.د. محمد الدعمي

” إذا كانت الجهود أعلاه قد تكللت بالنجاح ونحن على أبواب عيد الفطر المبارك، فإن الاحتفاء بنتائجها البنائة واستذكارها إنما ينطوي على الاعتراف بجميل السلطنة في تجنيب المنطقة ويلات وثبور تلك الحرب التي بقيت جاثمة بتهديدها في أية لحظة، الحسم حتى وضع الطرفان إمضاءاتهما على أوراق الاتفاق الغربي/الإيراني التاريخي من أجل تجنب مخاطر التصعيد والحرب.”
ـــــــــــــــــــــــــ
عندما كسر جلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ حواجز الصمت والحذر المتبادل التي كادت تقود الشرق الأوسط، بل والعالم بأسره الى حرب ضروس لا تبقي ولا تذر، بزيارته التاريخية الميمونة الى طهران؛ وبعد أن تمكنت السلطنة بقيادته الحكيمة أن تجمع بين من لم يكن في الحسبان جمعهم من فرقاء على مائدة مباحثات مستديرة، أي قادة الدبلوماسية الأميركية/الأوروبية، من ناحية، ووزير خارجية الجمهورية الإسلامية، من الناحية الأخرى، لم يكن منا من يسمح لنفسه أن يحلق في أجواء الآمال الكبار حد أن يأتي اليوم الذي يوقع به إتفاق شامل بين الطرفين المتأهبين للصدام العسكري. كان هدف مسقط هو اللحاق بركب البشرية قبل أن يسقط في غياهب فجوة لا يمكن سبر اغوارها من التدمير والتخريب.
لذا توجب على المرء، مراقبا محايدا، أن يشير بعرفان الى أهمية جهود سلطنة عمان الحثيثة على طريق إصلاح ذات البين بين قوتين تمتلكان ماكنتين عسكريتين مدمرتين. وإذا كانت الجهود أعلاه قد تكللت بالنجاح ونحن على أبواب عيد الفطر المبارك، فان الاحتفاء بنتائجها البنائة واستذكارها إنما ينطوي على الاعتراف بجميل السلطنة في تجنيب المنطقة ويلات وثبور تلك الحرب التي بقيت جاثمة بتهديدها في أية لحظة، الحسم حتى وضع الطرفان إمضاءاتهما على أوراق الإتفاق الغربي/الإيراني التاريخي من أجل تجنب مخاطر التصعيد والحرب.
إن الذي يبقى من هذا الملف الساخن الآن هو مراجعة احتمالات وتداعيات عدم الإتفاق وعدم التوقيع عليه (والعياذ بالله). لقد أشر الرئيس الأميركي، باراك أوباما، مخاطر ذلك الإخفاق على نحو واضح المعالم عندما لاحظ قبل يومين أن فشل التوصل الى الإتفاق كان سيقود المنطقة والعالم الى حرب. مثل هذه الحرب، حتى وان كانت محدودة، لا يمكن إلا أن تطلق أيدي إيران في متابعة تطوير برنامجها النووي بالطريقة التي تريد دون أن يتمكن أحد من مراقبتها أو عرقلتها قط، خاصة مع إمكانيات تعاونها مع رماة الحجارة على القطار الأميركي من الدول المنافسة للولايات المتحدة. بل أن فشل الإتفاق كان سيطلق أيدي الروس والصينيين على سبيل معاونة إيران لبلوغ أهدافها المتوخاة من البرنامج النووي حتى وإن كانت عسكرية، خاصة بعد أن أخذ التوتر السائد اليوم بين موسكو وبكين، من ناحية، وبين واشنطن، من الناحية الثانية، مدياته الخطيرة. وللمرء أن يفترض وجود ثمة إرادة روسية/صينية قوية لتلقين أميركا درسا من النوع الذي يرسخ في الذاكرة عن طريق إختراق أدواتها في العقاب والثواب، تلك الأدوات الإقتصادية التي حققت واشنطن عبرها الإنتصار تلو الأخرى دون إطلاق طلقة واحدة. ولأن روسيا والصين لا تمتلكان ذات السطوة الإقتصادية والمصرفية الأميركية، فقد كان بالإمكان المراهنة على برنامج إيران النووي، أداةً للبرهنة على إمكانية سدل الستار على حقبة العقوبات الإقتصادية التي غالبا ما كانت تنال من الشعوب أكثر من نيلها من القيادات التي أريدت معاقبتها.
إذا، الخياران المتاحان في حال فشل الجمع بين الطرفين وإخفاق الاتفاق، كانا: (1) الحرب، (2) إطلاق أيدي الإيرانيين على طريق بلا نهاية للبرنامج النووي، علما بأن مثل هذه الحرية التي كان بالإمكان أن تستقيها طهران من الفشل أعلاه يعد بالأسوأ مما لا تحمد عقباه، وأقصد لإطلاق سباق تسلح نووي بين دول الشرق الأوسط، زد على ذلك ما يترتب على هذا السباق من بروز تححالفات وتكتلات إقليمية قد لا تخشى من مقايضة السلام بالإرتطام. فتحية لدور الدبلوماسية العمانية، صانعة السلام ومانعة الحرب.

إلى الأعلى