الأحد 26 مارس 2017 م - ٢٧ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / هناك في حوران وعلى ضفاف اليرموك

هناك في حوران وعلى ضفاف اليرموك

علي عقلة عرسان

قال النِّفَّري:” كلما اتسعت الرؤية ضاقت العبارة”، ولا ندري ما الكلام الذي يليق بوقت تتمطى فيه العبارات وتتقَبَّض فيه الرؤى.. فيصبح الرغاء عميمًا والفكر صريمًا، وينتشر الغباء غثاء يغشِّي أعين الأنام ويعمي قلوبًا قبل فتصحِر عقول؟! على أن الكلام المعبر الصادر عت عقل مدبر ضرورة، لكنه اليوم وفي الكثير من “أجهزة” القول جريش رحى لرحى، يصمُّك ضجيجه ويعميك منه الغبار فيضلك ويضل بك عن المسار المنجي من العَثار.. فلا كلام الساسة مبلغ وشفيف ونقي، ولا تابعه، أي كلام الإعلام، يرقى بالحال وينقذ من الضلال .. ونحن عباد الله الجوعى للحق والصدق، للرأي الصائب والوعي الثاقب .. نترجح بين جرح وجرح، وخوف وخوف .. وتفترسنا المصائب وتتوالى علينا النوائب، ويلِغ في دمنا كل ذي “زعامة” مخبول وكل ذي سلاح جهول .. وكل منهما يرفع عقيرته مكبرًا بنشوة انتصار ومتوعدًا غيره بمزيد من النار .. فنحترق بنارهما قبل أن يحترقا وقد يهرب أحدهما أو كلاهما إذا ما انكشف له ضعفه بينما يلقي انكشافنا وضعفنا في الموقد المشتع فنعدو حطب النار والنار التي تأكل الحطب؟!
لا أريد أن يشكل كلام البؤس هذا غطاء لليأس، فكل شيء أصبح حريقًا يفصح عن ذاته وحشواته في غسق الليل ورأد الضحى، ومعظم ما في الصدور مكشوف تفيض به العيون ولا يحتاج إلى شرح أو ترجمان، ويكفي في سبر كنهه فهم الإنسان .. فحين تتقرأ في وجوه الناس تضاريس المحنة وتقرأ درسها لا تحتاج إلى كثير من الفطنة لتدرك أنهم بلغوا من البؤس الغاية وانحدر كثير منهم إلى الدرك الأسفل من حضيض الأمل وحد النهاية .. إنما يزجي هذا الكلام دعوة إلى التبصر وإعمال العقل بما تنذر به الأيام القليلة القادمة من كوارث يمكن للعقلاء منعها أو الحد من وقعها إذا هم تحولوا أو تحول بعضهم من التبرع للمنكوبين بأبنائهم وأملاكهم وأوطانهم وأنفسهم إلى الحيلولة دون وقوع ما يستدعي التبرع بمال أو جهد بعد وقوع الكارثة..
في السهل العريق، سهل حوران، هناك على مشارف اليرموك حيث التاريخ مسجى لم يدفن ولن يدفن منذ ابن الوليد وإلى ما شاء الله .. هناك في السهل الخصيب الحبيب، بين حدود العرب الجدد، المستجدة على العرب والتاريخ والقيم الأصيلة، المفروضة والموروثة بحميمية وأريحية منذ سايكس ـ بيكو ووارثيها وحماتها الأشاوس؟!”، هناك وفي أماكن عربية شبيهة بها من بقاع الوطن الكبير، حيث “تشمخ” ممالك وجمهوريات وينطح الثريا ملوكٌ ورؤساء وحكام وقادة وحكومات محكومات بقيود من كل نوع، هناك حيث يوجد من يمطحون ويعودون إلى الثرى في نهاية المطاف بحكم حاكم الحكام الذي يقضي ولا يتعض بقضائه معظم الأنام .. هناك يؤسس لمعركة قادمة، قد تكون أقرب توقيتًا مما نتوقع، وقد تسبق جولة جنيف القادمة أو تؤسس لها وتظلها بظل .. معركة يذبح فيها السوريون السوريين والعربُ العربَ، ويُراد لها أن تكون الثانية في الحرب المجنونة التي تدور رحاها دون توقف منذ ثلاث سنوات، وبعد الغزوة القاحلة التي تمت على دمشق من الغوطة الشرفية فردتها عنها بصعوبة .. ويقوم على أمر تلك الغزوة ويعد لها خبراء عسكريون أميركيون وبريطانيون وفرنسيون وعرب، يقابلهم في الساحة عرب وخبراء إيرانيون وربما أخر .. فيجربون المجرب في الحروب، ويأتون بحربهم القذرة تلك على ما تبقى من حوران الأهل والدار والذكريات والمزار .. من حوران .. مدنها وبلداتها وقراها، حقولها ومزارعها، زيتونها وعنبها وقمحها وفاكهتها وخضارها، وعلى من تبقى من أهلها قبل كل شيء .. وتقام هناك على الحدود المصطنعة بين ضفتي حوران التي أصبحت كل ضفة منها في بلد ذي قيادة وسيادة وسند .. تقام هناك معسكرات وقرى ومخيمات للنازحين والنازحات، الهاربين من الموت والهاربات، على غرار مخيم العار المسمى مخيم الزعتري، معرة العرب ذي الصفات والمواصافات المعروفة، حيث سيعاني الهاربون والهاربات من لظى الجحيم ويتجرعون كؤوس الذل وكؤوس الموت في جحيم مقيم، وموت متجدد في كل وقت، أهون منه الموت مرة واحدة في الأرض والوقت مع كرامة للجثة والموت ذاته؟! .. فمن جنوب سوريا السياسية، من بداية ضفة حوران الشمالية، السورية حسب سايكس ـ بيكو .. من هناك يُراد غزو دمشق والوصول إليها بسرعة البرق، كما يُراد الصد عنها بالجهد والروح والعدة والعد، لرد أذى تم رده من قبل في غزوة سبقت .. وفي خضم المقتَتَل المئة بعد الألف مقتتل منذ اندلاع الأزمة/الحرب حتى الآن ستدور معركة يراهَن على نتائجها والخاسر فيها الإنسان أيًّا كان، من حوران أو من بلد من بلاد المسلمين والعربان؟!!
فمن تُراه يمنع الدمار والموت عمن تبقى من الأحياء هناك، ومن تُراه يطفئ نارًا ذات أوار تتبعها ألف نار ونار بين إخوة وأهلٍ وجوار؟! من تراه يسعى لإطفاء نار يشعلها ويغري بإشعالها أعداء الأمة، حيث يستمتع بمجرياتها عدو تاريخي لها يحتل الجولان ويققف على مشارف اليرموك، ويقيم هناك وعلى امتداد الجولان المحتل ما يسميه جدارًا “طيبًا” يقوم خلفه جدار نار، ويؤسس لإقامة جيش يحمي حدوده على غرار ما أقامه في جنوب لبنان من جدار طيب وجيش عميل يحمي حدوده بقيادة أنطوان لحد من قبل وورثته الذين حاربوا لبنانيين لمصلحة إسرائيل، وقبضوا أجورهم ورواتبهم الشهرية من لبنان الذي حاربوا إلى جانب محتليه؟!؟! ليست الأيام هناك في أرض حوران حبلى بالشؤم فقط، وليست المنطقة كلها مهددة بحرب الإخوة ضد الإخوة، يخوضونها بعزم تلبية لطلب العدو وتنفيذًا لمخططاته ومؤامراته فقط .. بل هي حرب مرشحة لتحقيق ما هو أبعد من الدمار، بسبب أولئك الذين يعملون على ما يرسخ العداوة بينهم من أبناء الشعب الواحد والأمة الواحدة، وما يؤبد ضعفهم وانتكاساتهم، وما يقوي دولة الصهاينة العنصريين عليهم إلى مدى غير منظور، ويجعلها مهيمنة متغطرسة، تتوسع وتهوِّد وتقتل وتشرد وتملي شروطها على العرب عامة والفلسطينيين خاصة، وتفعل ما تريد بين المحيط والخليج اللذين طالما تغنى عرب الأمس القريب فيما بينهما بالعروبة والسيادة واعتزوا بالكرامة وبما كان لهم بينهما من ديار عامرة وحضارة زاهرة .. بينما ينفذون اليوم “بأهلية فريدة” ما يرسخ تجزئة وخرائط جديدة، وعداوات طارفة وتليدة، يريدها أعداء العرب والمسلمين، وتأتي عليهم وعلى ما كان لهم .. ويقوم بذلك كله ويموله من يأتمرون منهم بأوامر الصهاينة والأميركيين وحلفائهم الغربيين، من يصدرون بذلك عن عمه بعماء وتبعية بلهاء، لقاء بقاء أشخاص في سدة الحكم وفوق كراسي وعروش في هذا القطر العربي أو ذاك، تغرق في الظلم والبؤس والتخلف والدم، وينتشي من يقبضون ثمن الداهية والفتنة بما يقبضون وما يوعدون وما يشاهدون من مشاهد المأساة الفاحشة، ويركضون وراء من ييسر عليهم ويفرض ويسهل لهم قبض مليار من هذا العربي الأخ ـ الجار أو مليارات من ذاك المنغمس في الفتنة والموت والعار..؟! بينما تتسع دائرة الفتنة وتنتشر في المنطقة كلها، وتبقى نارها تحرق دارًا بعد دار وتعسّ بين ليلٍ ونهار، وتبقى الشعوب في الخوف والجوع، تدفع كرامتها وإنتاجها ودمها وما تملك ولا يُكتفى بذلك منها بل يراد لها أن تساق سوقًا إلى النار والعار؟! .. ويشارك أولئك الضالعين في الفتنة أو في العدوان، طائعًا أو مكرهًا، من يواجه فعلهم بمثله، وبرد عليه برد فعل فقط، ويتخبط تخبطهم في الكيد والمصيبة والقيد، ويؤسس مثلهم لما بعد موت الحاضرين لموت القادمين من أبناء الأمة .. يفعل ذلك ويشكو ولا يتجاوز المحنة بحكمة وفطنة ومبادرات خلاقة تستأصل الداء وتسد الذرائع وتجمع شمل الناس على وفاق بعدل واحترام ومساواة أمر بها الله وأقامها القانون ورعتها أو ينبغي أن ترعاها الدولة المدنية .. فيعالج الأمور المشكِلة والأزمات المستحكمة والملفات المعلقة معالجة عادلة جذرية بمسؤولية وإنسانية وغيرية تبني ولا تهدم وتجمع ولا تفرق، متحليًا بجرأة وشجاعة وجدارة هذا أوانها، ويزداد حجم كل منها وبهاؤها بالانحناء للحق والعدل وبالتضحية بالذات والتطلعات من أجل الوطن والشعب والإنسان، وذلك بالإقبال على كل ما فيه حياة الناس وأمنهم وكفايتهم، وعلى ما فيه حقن الدم ومصلحة الشعب وسلامة الوطن وكيد الأعداء، والأخذ بكل ما يؤدي إلى رفع السيف عن الرقاب، ووقف زحف الحرب على العمران وعلى الناس كافة، لا سيما الطيب والآمن والعامل والمزارع والمرأة والطفل والعاجز والمصلي في المحراب.
ولا أتوقع، وفق ما أتابع وأرى وأسمع وأستنتج، وفي ظل تصميم من كل الأطراف المعنية بالأزمة السورية على المضي في الاحتراب إلى نهاية المطاف، متطلعين إلى غالب ومغلوب، أو بالأخرى إلى منتصر ومهزوم، لا أتوقع منهم أن يتخلوا عن تلك الخيارات الكئيبة، خيارات الحرب والدم والمصيبة، التي تلغي العقل وتكبر المصيبة، فهم في النفق المظلم والمشهد الذي يضيق والرؤية الأضيق، ينتشون بالعبارات الفضفاضة، ويخرجون من مخاضة دم ليدخلوا في مخاضة .. يلهيهم ما هم فيه عن الناس وما يعانون وما ينشدون، ويحبس بصيرتهم ما يحكمهم ويحكمونه بشأنهم مما يتحكم بالمصير ويصنع مشاهده ويكتب صفحاته بدم الحاضر وحبر الكراهية ومشاعر المقت .. على أن هذا لا يدخلني في اليأس بل في الدعوة إلى التماس كلام يعبر عن الوجدان ويحكمه العقل ويلجم الفعل المتهور والرأي العويص، وإلى القول بضرورة ألا نسبح نشوانين على أمواج عبارات فضفاضة من زبد بلا ضفاف، عطلٍ من معاني الإيمان والحكمة والوطنية والإنسانية، قوامها حشف القول المعبر عن خواء روحي أهون منه فراغ كلام المسؤول من كل مصداقية ومعنى ومسؤولية.

إلى الأعلى