السبت 19 أغسطس 2017 م - ٢٦ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / باختصار .. التعذيب النفسي للعربي

باختصار .. التعذيب النفسي للعربي

زهير ماجد

يدرس الغرب أحوالنا النفسية بمتعة من يستنطق تاريخ اجيالنا، فإذ ببعض كتبه تبحث في طفولتهم وفي شبابهم وفي التأثيرات التي اخضعوا لها في تلك السنين الاولى من عمرهم. فيما لا يلزم الكتاب العرب أنفسهم في البحث عن نفسيات عربية تسنى لها ان تحكم زمنا.
ترى ماذا لو تم تأليف مجموعة من الاطباء النفسانيين العالميين لدراسة الظواهر النفسية عند الشعوب العربية في وقتها الراهن فماذا سترى غير العجب العجاب .. يكفي ان تفهم نفسيات اطفال شردوا من بيوتهم الى حياة لا تألفها الحيوانات، أو عاشوا تحت رحمة الحرب بكل اشكالها ورأوا فظائعها من الذبح الى الرمي من عل إلى الصلب وغيره، او سألوا طفلا اعطي سكينا وقام هو بالذبح .. أعتقد ان هؤلاء الاطباء سيصابون بأكبر خيبة امل انسانية في حياتهم، بل اعتقد انهم حتى لو لم يزوروا الاطفال العرب، يمكنهم الحكم من بعيد على ان اجيالا عربية مسها الجنون او تخريب اعصابها او فقدت الثقة بالحياة او ولدت لديها كل نوازع الاجرام ..
لا شك ان عالما عربيا جديدا في نفسياته يولد اليوم من رحم المشاهدات والعذابات والمعايشات، فكيف سيمضي بقية عمره وقد نخرته سوسة التخريب النفسي منذ نعومة اظفاره .. سبق السيف العذل في قضية الاجيال العربية، فألف رحمة عليها وهي تودع دنياها الى مكان آخر عنوانه التعذيب النفسي طوال العمر.
مسيرة أمة يعني صحة عقول شعبها، اما الحرب فلها إرثها الخاص الذي هو قتل المواهب والعيش وسط الازمات الذاتية التي يظن فيها المرء انه غير مصاب ولا يعرف سبب كآبته مثلا فإذا به مثقل بالالم التاريخي الذي ناله منذ طفولته. نحن اذن في ادق مرحلة عربية، ليس مهما تدمير البيوت والشوارع، بل تدمير النفوس، خلق انسان غير سوي، شكله الخارجي طبيعي اما واقعه النفسي فمصيبة كبرى.
الذين عايشوا الحروب الكبرى ماتت فيهم ضحكة من القلب، تحولت وجوهم إلى ما يشبه بلاطة السيراميك بحيث لا نعرف الابتسامة من العبوس أو القبول من الرفض .. هو انسان آخر تولده الحروب والنزاعات .. تصوروا طفلا عاش في منزل الاب والام وهو على نزاع مستمر. قد يكون بالنسبة للعرب ان الذهاب الى الطبيب النفساني يعني الكثير وهو امر مرفوض، خصوصا وان هذا النوع من الطب جديد على عالمنا، لكنه في الغرب اساسي ورئيسي، وأكثر ازدحام على الاطباء هم على هؤلاء النفسانيين.
اذن، نحن بحاجة لمراجعة اطباء من هذا الاختصاص حتى لو ظننا ان وضعنا النفسي طبيعي في اجواء كارثية ومستدامة .. اما اطفال سوريا والعراق وليبيا واليمن ومن حضروا حروبا متواصلة فقد حكم عليهم بالخراب الداخلي الهائل، وسيكون عليهم ان يبدأوا منذ الآن رحلة العلاج من امراض شتى، فالأمراض النفسية هي اصعب الامراض وهي تحتاج لعلاج طويل ومضن، وقد لا يشفى صاحبها بشكل نهائي، ثم هي اكثر تأثيرا على الصحة العامة من اي مرض آخر لأن قضية الاعصاب هي قصة الجسم كله.
اعان الله اجيالنا العربية المقبلة على الحياة، فقد لا نفاجأ ان زادت نسب الانتحار في المستقبل او مفاعيل الاجرام المنظم، فنحن اليوم ننشئ قنابل موقوتة في البيوت اسمها اجيال العرب.

إلى الأعلى