الثلاثاء 28 مارس 2017 م - ٢٩ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / ماذا يريد المصريون؟!

ماذا يريد المصريون؟!

محمد عبد الصادق

” .. منذ انزاح نظام الإخوان عن سدة الحكم, وانتخاب السيسي رئيسا للجمهورية ومصر تحاول الاستقرار والهدوء وإعادة عجلة الاقتصاد ـ دون جدوى ـ فالإخوان وأنصارهم اختاروا الصراع والعنف طريقاً لاسترجاع السلطة التي يرون أنهم أصحابها الشرعيون, وأن كرسي السلطة أهم من مصر ومن أجله تهون الدماء وتضيع البلاد,”
ـــــــــــــــــــــــ

المراقب للوضع في مصر خلال الأربع سنوات الماضية, منذ اندلاع ثورة 25يناير والإطاحة بالرئيس الأسبق حسني مبارك, تعتريه الحيرة ويكاد يصاب بالدوار , من كم التناقضات والألغاز التي تحيط بمصر والمصريين, ومهما حاول من جهد لن يستطيع الإجابة على السؤال الصعب, ماذا يريد المصريون؟!, ففي الوقت الذي ثاروا فيه على مبارك بسبب التوريث , والفساد , نجد رغم مرور أربع سنوات على الثورة ؛ تفشياً مخيفاً للواسطة والمحسوبية وتوريث الوظائف , وانتشر الفساد الذي كان للـ”الركب” حتى اقترب من الرأس و أصبح التناحر والانقسام ـ طقساً مصرياً يمارسه الجميع .
وفي الوقت الذي ثار المصريون ضد ممارسات الأمن وطالبوا بتطهير الداخلية ومحاسبة رجال الشرطة المتجاوزين والمنتهكين لحقوق الإنسان, نجد أن كثيراً من المصريين فهموا الحرية على أنها الفوضى ومخالفة النظام وانتهاك القوانين وعدم احترام المدير أو المسؤول عن العمل, وكانت النتيجة اتساع الإضرابات العمالية وزيادة البطالة وإغلاق المصانع وإفلاس الشركات, وانتشار البلطجة وزيادة السرقات وانعدام الأمن وفوضى المرور وانفلات الشارع المصري؛ خصوصاً من الأجيال الحديثة التي تحولت لقنابل موقوتة, ترفض القيود أو الانضباط؛ وحولت المدارس والجامعات لساحات للعنف وإطلاق (الشماريخ) وترديد الشتائم والبذاءات والاعتداء على الأساتذة والمعلمين.
وفي الوقت الذي نادت فيه ثورة 25 يناير بالحرية والكرامة الإنسانية, نجد المصريين عندما أتيحت لهم حرية الاختيار والتعددية؛ اختاروا الجماعات المتشددة, وشاهدنا مجلس نواب الثورة مليئاً بالمتطرفين, وانشغل المجلس طوال فترة انعقاده التي استمرت عاماً واحداً بصراعات وخناقات لا طائل من ورائها, وأغفل أعضاؤه مناقشة القوانين وسن التشريعات التي تحفز النمو الاقتصادي وتخلق فرص العمل وتحارب الفساد وتقطع الطريق على الفلول والمفسدين , وفشلوا في الاتفاق على حكومة تحقق العدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية للمصريين.
وعندما تولى الحكم أول رئيس مصري بعد انتخابات حرة تعددية نزيهة( محمد مرسي) رأيناه ينحاز لأهله وعشيرته ويحاول تغيير شكل الدولة والهوية المصرية التي لها خصوصيتها التي تكونت عبر آلاف السنين, لينشغل طوال فترة حكمه التي استمرت عاماً واحداً, في صراعات ومعارك مع “طوب الأرض” القضاء والإعلام والشرطة والجيش والدولة العميقة, بدلاً من أن يكون رئيساً لكل المصريين ويعطي الأولوية للتخفيف عن البسطاء والمهمشين وهم أغلبية الشعب المصري. حتى خرج على حكمه 30 مليون مصري في 30 يونيو 2013م , وتدخل الجيش وانحاز للإرادة الشعبية وأطاح بمرسي وحكمه , كما سبق وتدخل في 25يناير ضد نظام مبارك.
ومنذ انزاح نظام الإخوان عن سدة الحكم, وانتخاب السيسي رئيسا للجمهورية ومصر تحاول الاستقرار والهدوء وإعادة عجلة الاقتصاد ـ دون جدوى ـ فالإخوان وأنصارهم اختاروا الصراع والعنف طريقاً لاسترجاع السلطة التي يرون أنهم أصحابها الشرعيون, وأن كرسي السلطة أهم من مصر ومن أجله تهون الدماء وتضيع البلاد, وتبذل الأرواح والأموال
ويتوقف الحال ويعم الخراب والدمار, من منطلق هدم المعبد عليّ وعلى أعدائي وليذهب الوطن إلى الجحيم.
ومن فرط حيرتي في فهم الأزمة التي نعيشها رجعت إلى كتاب المفكر الراحل جمال حمدان “شخصية مصر” والذي تنبأ فيه بكثير مما تعيشه مصر الآن من أزمات سياسية واجتماعية والتي حمل مبارك والسياسات الاقتصادية الفاشلة التي انتهجها منذ وصوله للحكم في نهاية عام 1981م, المسؤولية عن كل ما اعترى الشخصية المصرية من سلبيات؛ فنجده يصرخ ويحذر من تحلل الأمة وتحولها إلى شيء غير ذي قيمة، لا هو دولة، ولا هو أمة، إنه نداء ينبه أن (الأمة في خطر).
ويقول الدكتور جمال حمدان الذي توفى في ظروف غامضة عام 1993م في أوج عصر مبارك: إنه قد بات من المسلم به إجماعاً أن مصر تجتاز في الفترة الأخيرة (زمن حسني مبارك) أزمة اقتصادية طاحنة خانقة كعنق الزجاجة، تكاد أعراضها تتمثل وتتغلغل في كل نواحي وجوانب الحياة الوطنية واليومية، ولا يكاد يبدو لها في الأفق القريب نهاية أو حل، والواقع أن مصر برمتها قد أصبحت “مشكلة من مشاكل” أي مشكلة عظمى واحدة تتألف من حزمة كثيفة ضخمة من المشاكل النوعية والمنوعة، بل لقد وصل الأمر في تقدير البعض إلى حد أنها باتت تحل مشكلة بمشكلة أخرى، مثلما تفعل في مشكلة السكان بمشكلة الإسكان.
بل لقد أصبحت مصر تختص – حتى في تعبيراتنا – وشعاراتنا الشائعة نحن أنفسنا – بحفنة لا بأس بها من “الانفجارات”: الانفجار السكاني، الانفجار الاستهلاكي، الانفجار الاستيرادي، انفجار الأسعار، انفجار التضخم، انفجار المجاري .. الخ، أصبحت مصر يعني “بلد الانفجارات” ، وهكذا في المحصلة غدت مصر أو بدت، للغرابة والدهشة، بل للحسرة والحيرة “دولة مشكلة بين دول العالم “، وعلى الأقل فإن الشائع أنها إحدى الحالات القليلة من دول العالم الثالث التي تزداد تخلفاً وتأزماً بدل التقدم والتطور.
ويضيف قد يتساءل البعض عما إذا كانت “المسألة المصرية” قد عادت أو توشك أن تعود من جديد ولكن في شكل جديد، شكل اقتصادي بدل السياسي، فلقد كانت مشكلة مصر في الماضي – أثناء القرن التاسع عشر – هي مشكلة مياه أساساً، وكانت المياه جوهر مشكلتها السياسية، أما الآن فيبدو أن مشكلة مصر هي الغذاء أكثر من الماء، حتى باتت مشكلتها السياسية هي الاقتصاد، والاقتصاد هو الشكل الجديد للمسألة المصرية.
أياً ما كان الأمر ـ والقول لجمال حمدان – فلا يمكن ولا ينبغي لأحد أن يهون من هذه الأزمة أو يستهين بها، فما لم تعالج في أمد معقول فإن نتائجها على نظام المجتمع المصري وعلى الشخصية المصرية ذاتها يمكن أن تكون مدمرة أو مشوهة على أقل تقدير، ذلك أن الهيكل العظمي للاقتصاد المصري خرب حتى النخاع، وهي ليست مجرد أزمة على السطح، ولا أمل لشعبنا الصامد إلا في حل جذري يتمثل في إلغاء سياسة الانفتاح (السداح مداح) والعودة إلى سياسة الإنتاج والتنمية المخططة المستقلة.

إلى الأعلى