السبت 22 يوليو 2017 م - ٢٧ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / العين الثالثة .. مرحلة العصف الذهني .. أين نتائجها ؟

العين الثالثة .. مرحلة العصف الذهني .. أين نتائجها ؟

د. عبدالله عبدالرزاق باحجاج

في مقالنا الأخير طرحنا التساؤل التالي ،، أين عقول مرحلتنا الوطنية الراهنة؟ والمحتوى الزمني للتساؤل حددنا نقطة بدايته، عام 2011، وسيظل مستمرا حتى تتغير طريقة تفكيرها أو تنتج لنا التطورات المقبلة عقول أخرى إما لأسباب التغيير أم التجديد أو التطوير، وهذا يعني أن هناك ضرورة لتلك الاحتمالات بصرف النظر عن التسميات رغم دلالاتها، وفي مقالنا الاخير لم ننكر وجودها (العقول) ولم نشكك في دورها، وإنما حاكمنا فكرها الاحادي الذي يبحث عن حل لكل الازمات الماضية والحالية وربما المستقبلية من خلال المساس بالبعد الاجتماعي دون انفتاح الحل على ابعاد أخرى تحتم فعلا اعادة النظر فيها منذ فترة زمنية، فكيف الآن بعد أصبحت الأسعار النفطية هاجسا مؤرقا ومستداما ؟
من تلكم الرؤية نحاكم هذا الفكر الذي يبدو انه توارث من الحقب الوزارية السابقة، واصبح يحكم مرحلتنا الوطنية الحالية بنفس الفكر السابق، فالقضية إذن لا تكمن في الاشخاص وإنما في الافكار والاليات، فمثلا، علام يتفاخر احدى العقول التي يعتمد عليها في تأطير وتدبير الملفين التنموي والاقتصادي بانه احدى الشخصيات، الخمسة، الكبيرة التي لا تستغني عنها البلاد الان؟ هكذا يقدم نفسه في لقاءاته النخبوية، وهذه عقلية كذلك متوارثة، يطغى عليها الغرور المستحكم بعد أن وجدت نفسها تحت ظروف مستجدة في عدة مواقع قيادية عليا، ونستشهد بها هنا للاستدلال بها لكي نؤكد على وجود اشكالية حقيقية في الفكر الذي يؤطر ويسير مرحلتنا الوطنية، وقد رأينا الاشكالية نفسها في فكر النخب السابقة، فماذا كان مصيرها؟ وتتجدد معنا مع بعض النخب الحالية، نقول (بعض) ورغم هذا التبعيض الا أنه هو المؤثر في رسم خارطتنا الاقتصادية والاجتماعية، إذن، هو الكل مادام تأثيره بهذا العمق والشمولية، وبالتالي، لا نتوقع ان يخرج هذا الفكر عن رؤى الفكر السابق، لأنهما من نفس المدرسة، ولأن أصحابهما من اللاعبين الأساسيين في اقتصادنا ،والمتمصلحين منه، فكيف نتأمل الحلول المبتكرة أو على الأقل غير النمطية والتقليدية من هذه العقول؟ رغم أن المسألة لا تحتاج فعلا إلى عقول استثنائية أو خارقة، وإنما منفتحة على الحل وفق مرئيات الواقع وما ينبغي أن يكون عليه، وهذا الانفتاح نجده في تحقيق طويل من صفحتين أجرته الصحفية جميلة الجهورية نشر مؤخر في جريدة الوطن، تحت عنوان تساؤل رئيسي هو ،، هل نحتاج إلى “توديع” بعض اللجان وفرق العمل؟ على اعتبار أنها – قد أصبحت مستنزفة ماليا ، وتحولت الى كيانات للنفع الخاص، لا نعمم عدم الفائدة منها، ولكننا نرى عددها كبير، ومبالغ فيه – يراجع مقالنا الأخير، وسوف ندلل لاحقا بمعطيات حاسمة – ورغم ذلك، فجلسات العصف الذهني لعقول المرحلة الوطنية لم تقترب منها من بعيد ولا من قريب، وتركتها تستنزف أموال طائلة من خزينة الدولة، فإين عقلانية الترشيد؟ وفي حالات كثيرة ينبغي أن يطرح التساؤل كالاتي ،، أين عقلانية الترشيد السياسي؟ ,, خاصة عندما ننظر للمسألة من منظورين، الأول، عدم الرضا الاجتماعي للأداء العام، والثاني الفاتورة المالية الضخمة التي تدفع سنويا من خزينة الدولة، ورغم هذا لم تهتدي إليها جلسات العصف الذهني لعقول المرحلة الراهنة، والسبب ؟ نجده كما أوضحناه سابقا ، ولما طرح علينا في التحقيق التساؤل عن اللجان وفرق العمل، لم نحصر المشكلة في اللجان والفرق فقط، وإنما وسعنا الرؤية لتشمل كذلك الوزارات والهيئات، فكم عندنا من وزارات؟ ثلاثون أم اقل بقليل، وهل تحتاج بلادنا لهذا الكم الكبير من الوزارات؟ من هنا طالبنا بضرورة إعادة هيكلة مؤسسات الدولة تحت حجية التقييم السياسي من جهة وترشيد الإنفاق بصورة مستدامة من جهة ثانية، وهذا لم يهتدي إليه عقول المرحلة الوطنية، وكل جلسات عصفهم الذهني المجتمع، وهذا لم يعد قبولا، ولن يكون مقبولا في ظل استمرار مجموعة اختلالات تستنزف أموالا كبيرة جدا يستفيد منها في المقام الأول من هم في مواقع السلطة، الدليل؟ ما كشف لنا في التحقيق الخبير المالي والرقابي عبدالناصر الصائغ عن حقائق رقمية أخرى تدين هذه العقول ، وتسحب منها العبقرية التي تقنع نفسها بها، وذلك عندما أوضح أن هناك (300 ) مؤسسة حكومية تقريبا، وفي كل واحد منها حوالي عشرة لجان، وعند ضربها الصائغ وجدها تصل الى (300 ) ما بين فريق عمل ولجنة ، فكيف لا نتوقع الترهل والتراخي للجهاز الإداري للدولة ؟ وكيف تتجاوز عقول المرحلة الوطنية هذا الوضع المثير جدا ؟ وهو كذلك يثقل مالية الدولة، فلو حسبناها وفق ما كشفه الصائغ من رؤية مالية واحدة فقط – وكفى بها استدلالا وحيدا – فسوف تدلل كذلك على أن الترشيد ليس في خنق الحياة المعيشية للمواطن، وانما في تقليص بعض الامتيازات المالية الممنوحة لكبار المسئولين في البلاد، هل تعرفون كم يتقاضى المسئول الكبير عندما يحضر الاجتماعات؟ يتقاضى (400) ريال عماني عن كل اجتماع ، وله في الشهر أربع اجتماعات، إذن، هو يتقاضى (1600) ريال ريال شهريا غير راتبه، غير المزايا الأخرى، هذا للمسئول الواحد فقط، وفي لجنة واحدة، فكيف لو كان المسئول الواحد في عدة لجان ؟ إذن، ما حجم هذه الفاتورة فقط التي تصرف من خزينة الدولة ؟ وكم سوف توظف من ابنائنا ؟ هذه نافذة صغيرة نطرحها لكي نؤكد على وجود اشكالية بنيوية ومصلحية لفكر عقول العصف الذهني عندما يقفزون فوق هذا الواقع، ولا يفكرون الا في تحمل المجتمع تبعات أية أزمة مالية مستجدة ، وهذه الرؤية تسمح لنا كذلك بتمريرها على الشركات الحكومية، والمبالغ المالية السنوية الكبيرة التي تمنح لكبار مسئوليها كعلاوة اجتماعات، وهناك امتيازات مالية شهرية تمنح حتى لأسرهم خاصة في شركات النفط .. فكيف نخنق الحياة المعيشية للمواطن، وحل مشاكلنا يكمن في إعادة ترتيب الأوضاع من جديد وفق رؤية بعيدة المدى .. الخ فأين نتائج جلسات العصف الذهني للنخب الجديدة التي استلمت المسئولية منذ عام 2011؟ وكيف تقر هذا الوضع؟ هناك تتمة ثالثة.

إلى الأعلى