الإثنين 25 سبتمبر 2017 م - ٤ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / هل من مبرر لقلق “العربي” من إيران ؟!

هل من مبرر لقلق “العربي” من إيران ؟!

” رغم بيانات الترحيب البروتوكولية الصادرة من عواصمنا, وجد القلق المكتوم طريقا الى العلن عبر “أذرع” تلك العواصم, وإذا أخفى الجسد شيئا, بان في قسمات وجهه وفي مواقف أذرعه, فحديث الضمانات والمخاوف طل برأسه عقب يوم من بيانات الترحيب الخجولة, وهو الأمر المتوقع نتيجة للتسارع الذي شهدته الجولة الأخيرة من المفاوضات والتي كانت على شفا التمديد أو إعلان الفشل.”
ـــــــــــــــــــــــــ

من على مقاعد المتفرجين, يشاهد “العربي” مباراة غاية في الروعة والحرفية والإمتاع, تتجاوز في سخونة وإثارة مجرياتها أكثر المباريات تنافسية وأهمية, طرفاها إيران من جانب وأميركا من طرف آخر, ساحتها.. جغرافية مفتوحة غير محددة النطاقات, بؤرة أحداثها كانت مفاوضات مارثونية, خاض رحاها فريقا تفاوض على أعلى درجات المهارة والموهبة واللياقة, كللت بإتفاق خرج جميع أطرافه سعداء, فائزون, إلا ان “العربي” مازال مشدوها, مصدوما, عاقدا حاجيبه فاتحا فمه على مصرعيه.
رغم بيانات الترحيب البروتوكولية الصادرة من عواصمنا, وجد القلق المكتوم طريقا الى العلن عبر “أذرع” تلك العواصم, وإذا أخفى الجسد شيئا, بان في قسمات وجهه وفي مواقف أذرعه, فحديث الضمانات والمخاوف طل برأسه عقب يوم من بيانات الترحيب الخجولة, وهو الامر المتوقع نتيجة للتسارع الذي شهدته الجولة الاخيرة من المفاوضات والتي كانت على شفا التمديد أو اعلان الفشل.
رغم أن الحديث عن جني الحصاد مازال وقته مبكرا, إلا أن إيران تبدو وقد أعملت آلات حصادها في ثمار “عقود الصمود” والتعامل الجاد مع قضاياها ومجالاتها الحيوية, فحديث مثل تحرير ما يقرب من 150 مليار دولار ودائع إيرانية مجمدة لدى البنوك العالمية بفعل رفع “جزء” من العقوبات, كفيل بإنعاش أي اقتصاد مهما بلغت درجة مأزوميته, كما أن الوفود الأوروبية التي بدأت تتقاطر على طهران لحجز مقعدها في الصفوف الأولى للإستثمار والتنمية, أكبر دليل على جدية الاتفاق ورغبة أطرافه في طي صفحات التنابز والتراشق على أرضية العمل المشترك ولغة المصالح والاحترام المتبادل لخطوط الآخر الحمراء, مثلما قال علي خامنئي مرشد الثورة في خطبة الجمعة الاخيرة من رمضان, والتي تصنف كخطبة “اللحظة الفارقة” بين عهدين في العلاقات الاميركية ـ الإيرانية, عهد شاهدنا تقلباته وأعاصيره وصداماته, وآخر يتلمس خطواته الاولى, شراكة وتعاون واحترام.
يعلم الجميع أن الاتفاق بين إيران وحلفائها الجدد, خصومها القدامى, ليس اتفاقا أحادي الأبعاد, أو بالاصح ليس اتفاقا يركز على الشق النووي فقط, رغم أن لافتة المفاوضات المعلنة كانت “النووي”, إلا أن هذا الأمر يعلم الجميع انه كان مدخلا غربيا لإعمال آلة الحوار مع طهران, مع التأكيد الإيراني والتأكد الأميركي من سلمية البرنامج ونطاقاته البعيدة عن العسكرة, كانت “طاولات” المفاوضات في جنيف ومسقط واسطنبول عامرة بأبعاد أخرى أكثر حيوية وأولوية لجميع الاطراف, فمجالات الاقتصاد والسياسة والامن بالطبع كانت حاضرة على تلك الطاولة, بل كانت لها الأولوية, وهو الامر الذي يحيلنا الى الدلالات والمقاصد, فأميركا وإيران اللتان طالما تبادلتا “الشيطنة” والانحراف, وجدتا في نهاية الطريق ألا بد من الجلوس سويا, والتفاهم كقوتان فاعلتان في المنطقة والعالم, وهنا يطرح ذلك التصور تساؤلات حول المدى الذي تعاظمت فيه قوة إيران الفعلية والناعمة في نطاقات الجغرافيا والتأثير, هذا الامر يثير الانتباه والقلق في آن, لا يخفى على أحد التمدد الإيراني في أفريقيا وآسيا, مدفوعة برغبات فك الحصار والعزلة, والبحث عن منافذ للإلتفاف على آثار العقوبات ولتثبيت موضع أقدام ونوافذ استراتيجية لدولة تشعر بقيمة دورها وأهميته لنطاقاتها الإقليمية والدولية والروحية والفكرية, حتى أن أميركا اللاتينية سارت ملعبا هاما وحيويا للإيرانيين, وهو الامتداد الذي وجد فيه الإيراني ترحيبا من الصديق اللاتيني الضائق من أغلال الهيمنة الاميركية وآثارها المزعجة, لم تفلح معها المحاولات الاميركية المستميتة للوقوف حائلا بين إيران وطموحاتها العابرة للقارات ولجميع الحدود, حتى وإن هبطت على عشب الحديقة الخلفية للولايات المتحدة.
لم يذهب المفاوض الإيراني وحيدا أو معزولا الى جلسات التفاوض, انما ذهب مدفوعا بدعم شعبي وقيادي وبرغبة أمة, وإرادة صادقة, من أجل الوصول الى ذلك الاتفاق, فكان “التفويض” الذي منحه البرلمان الإيراني لوفد التفاوض دفعة مهمة وحيوية لجواد ظريف ورفاقه, وكذلك كانت رغبة الشارع الإيراني في الانعتاق مع أغلال العقوبات التي انهكته وأثرت على معاشه رغم النجاح الذي حققته “إرادة الإيراني” في تلافي تلك الآثار, إلا أن رغبة الأمة الإيرانية مجتمعة في الانطلاق الى آفاق أوسع ومواجهة التحديات الاكثر أهمية, عمل على تسريع تلك الخطوات التي قطعها المفاوضون بقيادة “البسام الواثق” جواد ظريف.
ذهبت إيران الى المفاوضات موحدة, محددة الأهداف, رغم الأحاديث عما يسميه البعض “انقسام” في البيت الإيراني, إلا أن المتابع لسير التفاوض لم ير أثرا لذلك, استطاعت إيران وعبر تحديد مفهوم واضح ومُرض لحدود “الامن القومي”, أرتضته الامة الإيرانية بجميع اطيافها, هذا التماسك ساهم في أن تتجاوز إيران تأثيرات التنوع والانقسام المجتمعي الذي يضرب الأمم الهشة ضعيفة المناعة, ولهذا لم يكن غريبا أن يصل حسن روحاني الى سدة الرئاسة وهو المصنف “إصلاحي”, على غير هوى المكون الرئيسي لنواة النظام السياسي, فالجميع يعلم الحدود المؤطرة للخلاف في الداخل الإيراني, فلم يستثنى أحد أو يستبعد فصيل, فالجميع له الحق في الحكم والتأثير.
بالطبع لم يكن هذا الاتفاق هو المحطة الأخيرة في طريق العلاقات الاميركية ـ الإيرانية انما بالتأكيد هو بداية طريق جديد بين الطرفين, وفقا للمؤشرات الصادرة من طهران وواشنطن نستطيع ان نقول أن هناك حقبة جديدة, تكون فيها إيران لاعب أساسي معترف به ومسموح له بنطاقات أرحب وأوسع, وهنا الحديث عن أميركا, التي اخفق حلفائها الأصليين وتهاوت أذرعها المنهكة أمام تحديات المنطقة وأزماتها المتصاعدة واحتياجاتها الطبيعية الروتينية, ومن هنا كان التغيير في العقلية والتوجه الاميركيين والاصرار على الاتفاق والعمل على انجاحه مهما بلغ الثمن, فالوقت ليس في صالح الجميع, والحرائق تنتشر وتنتقل من نطاق لآخر, واللاعبون الاخرون مثقلون بإرث سنوات عجاف على جميع المستويات, فلا تنمية ولا تعايش ولا سلم أهلي ولا حتى تقدير موفق لأبعاد الأمن القومي, ومن هنا كانت عملية ارساء العطاء على اللاعب الفاعل والجاهز والجاد, إيران.
عطفا على السؤوال الرئيسي, هل من مبرر لقلق “العربي” من إيران ؟! بالطبع القلق هنا مطلوب, ولكن لا يوجد مبرر واضح لقلق أحد من تعاظم قوة آخر, الاجدر بتوجيه مشاعر القلق تجاهه هو حالة التراجع الواضحة في الدور الذي تمارسه قوانا الفاعلة تجاه قضايانا الرئيسية, حتى أن هذا الدور خَفُت لدرجة مفزعة, تطرح الكثير من علامات الاستفهام حول مستقبل هذه الامة ومآلاتها.
يجني العربي “حنظل” اهماله لذاته وعدم تقديره لأبعاد أمنه الشخصي, يجلس مترهلا على مقاعد المتفرجين, يجني حصاد سنوات من التعامل الهزلي مع قضايا الجد, فالتنمية ومعاش الناس اليومي من صحة وغذاء وأمن, أمور يفتقدها صاحبنا إياه, تَفرغ لقطع أوصاله وتجفيف منابع ومغذيات قواه الفاعلة, لحساب الغير مرة, ومدفوعا بنهم التسلط مرة اخرى, يدخل معاركه دونما سند شعبي أو داعم أو رافعة مجتمعية حقيقية, أدواره توزعت ما بين أن يكون اداة لحساب قوى أكبر وأكثر نفوذا عليه, أو تفرغ لإدارة “المقالب”, تارة بـ”إسقاط” اقرانه بطائرات الوهم, وأخرى بزلزلة الأرض من تحت أقدام شركائه أوحتى منافسه.
يبدو أن صاحبنا سيظل كثيرا على حاله ما لم ينتبه, سيسبقه التاريخ مثلما سبقته الجغرافيا, على وقع ظهور تلك التغيرات الدرامية في المنطقة, مجبر صاحبنا على البحث في أسباب هذا “الأفول”, وتحفيز ذاته ولم شملها وانتزاعها من براثن التشظي والانقسام, صاحبنا بحاجة أولا لعِقد اجتماعي جديد يتصالح من خلاله مع ذاته, يجمع من خلاله شتات نفسه, ثم تكوين عقل استراتيجي مستقل, يعمل في انتاج أفكار تنتشله من أزماته وعثراته, بعدها يبدأ في البحث في خياراته المتاحة لمواجهة هذه المعضلة, إلا يفعل, تكن فتنة عليه, وسيظل مجرد “مشاهد” لألاعيب الكبار, في ظلال التيه والنسان, أو على أقصى الطموحات, سنيد, خارج الملعب, خلف المرمى, يجمع الكرات الطائشات !

محمد مصطفى
mmh164@gmail.com

إلى الأعلى