الإثنين 18 ديسمبر 2017 م - ٢٩ ربيع الأول ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / الخوف من إيران

الخوف من إيران

” ليست إيران دولة ضعيفة يبالغ العالم في قدراتها، وليست أيضا بتلك القوة التي تثير مخاوف أنها تملك ترسانة عسكرية تمكنها من السيطرة على المنطقة وأن رفع العقوبات سيوفر لها ثروات تعزز قوتها. فقد حافظت إيران على تطوير قدرات ذاتية في السنوات الماضية، لا شك أن رفع الحصار عنها سيعززها لكنها ليست بالقدر الذي يتم التهويل فيه للتخويف منه. ”
ـــــــــــــــــــــــ
أما وقد هدأت إلى حد ما موجة المقالات والتحليلات والتعليقات التي صاحبت “الاتفاق التاريخي” بين إيران والقوى الدولية بشأن برنامجها النووي، آن للمرء أن يعرج على هذا الموضوع بروية بعيدا عن المغالاة والانفعالات. صحيح أنه ربما لم تشهد المنطقة منذ غزو واحتلال العراق مطلع القرن أهم من هذا الاتفاق، لما له من تبعات اقليمية ودولية لا تقتصر فقط على منطقة الخليج. وصحيح أن الاتفاق، رغم أهميته الكبيرة، لا يزال خطوة أولى على طريق “تطبيع” علاقات بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية وبقية العالم ـ خاصة دول الجوار الخليجي، وفي المقام الأخير بين طهران وواشنطن. وهي علاقات ظلت متوترة وتتعمق فيها العداوات وانعدام الثقة على مدى أكثر من أربعة عقود.
بعد كل ما كتب وقيل عن الاتفاق، ليست هناك حاجة لتكرار تفاصيله التي تلخيصها ببساطة في أن إيران والقوى الكبرى توصلوا إلى تسوية تتضمن حلا وسطا لما بينهما من مشاكل تفاقمت في السنوات الأخيرة. وهكذا قدم كل طرف تنازلات وحقق انجازات، فإيران تعهدت بتخفيض نشاط التخصيب لطمأنه العالم أنها لن تنتج سلاحا نوويا والقوى الكبرى وافقت على رفع العقوبات ومن ثم عودة إيران للعالم اقتصاديا وسياسيا واتفق الطرفان على آلية تدقيق وتفتيش لضمان “سلمية” النشاط النووي الإيراني. وتلك النقطة الأخيرة يغلفها بعض الغموض، رغم أن نص الاتفاق منشور بالكامل، فكل طرف يعلن فيها نصرا وكل طرف يعلن فيها تنازلا .. وربما كانت تلك النقطة تحديدا مثالا جيدا على “الحل الوسط” الذي سهل هذا الاتفاق الموصوف بالتاريخي. ولم يكن ممكنا التوصل الى ذلك “التفاهم” دون اجراءات بناء ثقة لعبت سلطنة عمان ـ ربما أكثر من أي طرف دولي أو اقليمي آخر ـ الدور الرئيسي في ارساء لبناتها الأولى عبر جمع الطرفين الإيراني والأميركي معا في مسقط قبل بدء المفاوضات الموسعة.
يبقى أن الاتفاق سيظل عرضة لتأويلات وتحليلات لفترة إلى أن يقره الكونجرس الأميركي ويصدر قرار مجلس الأمن الذي يؤكده. وخلال هذه الفترة وبعدها ستظل هناك أصوات “خارج السياق الرئيسي” تتحدث عن ما تم الاتفاق عليه بين إيران والغرب ولم يتضمنه الاتفاق، وهذا التفكير بطريقة “البعد اللاورائي” لا يمكن استبعاده خاصة مع عقود من التخويف من إيران. ليس معنى هذا أن الخوف من إيران ليس مبررا، فخلال كل تلك السنوات من العقوبات والضغط الدولي لم تتوقف إيران عن بناء قوتها والسعي وراء مصالح إقليمية ليست بالضرورة بالاتفاق أو الرضا من جانب الجيران تحديدا. ولا شك أن صراعات ساخنة مثل العراق واليمن وسوريا تمثل نموذجا حيا على مبررات هذا التخوف. لكن من الشطط أيضا تصور او ترويج أن أميركا استبدلت حلفاءها التقليديين بإيران، وأن القوى الكبرى وإيران أعادوا رسم خريطة المنطقة ما بعد “سايكس ـ بيكو” على حساب دولها والقوى التقليدية فيها. لكن، مرة أخرى هذا لا يعني أن إيران والقوى الكبرى اقتصرت تفاهماتها على موضوع النووي والعقوبات ولا شك أن كافة قضايا المنطقة هي موضوع تفاهم من سوريا إلى اليمن مرورا بكافة القضايا الأخرى.
وهنا يمكن القول إن موضوع التفتيش والتدقيق فيما يتعلق بالتسلح الإيراني هو موضوع سيظل مفتوحا لسنوات، طالما أن إيران لم تتفق مع جيرانها في المنطقة على حل الصراعات التي تدخل إيران طرفا فيها. ورغم أن تلك الآلية تختلف عما حدث مع العراق إبان فترة الحصار الدولي والتفتيش الذي قاد إلى الغزو والاحتلال، إلا أن هناك أوجه شبه إلى حد ما ستتضح في الفترة المقبلة ـ سواء ما تبقى من فترة حكم الرئيس الديموقراطي الأميركي باراك أوباما أو بعد الانتخابات وتولي إدارة جديدة في واشنطن، أيا كانت ديموقراطية أو جمهورية. لكن الملمح أساسي هنا هو ما قد يبدو من “تهويل” في قوة إيران العسكرية، بل وأيضا المبالغة في أن الاتفاق سيجعل من إيران قوة اقتصادية عظمى تستغل ثروتها في تأجيج صراعات المنطقة بتمويل جماعات مرتبطة بها. هذا التضخيم يذكرنا بالتهويل في قدرات العراق العسكرية، وليس فقط سعيه لتطوير “أسلحة دمار شامل” ثبت بعد ذلك أن لا أساس لها في الواقع.
ليست إيران دولة ضعيفة يبالغ العالم في قدراتها، وليست أيضا بتلك القوة التي تثير مخاوف أنها تملك ترسانة عسكرية تمكنها من السيطرة على المنطقة وأن رفع العقوبات سيوفر لها ثروات تعزز قوتها. فقد حافظت إيران على تطوير قدرات ذاتية في السنوات الماضية، لا شك أن رفع الحصار عنها سيعززها لكنها ليست بالقدر الذي يتم التهويل فيه للتخويف منه. ثم إن الشعب الإيراني عانى بدرجة أو بأخرى من فترة الحصار ويتطلع الآن للاستفادة من الانفراجة القادمة مع العالم. ربما لن يترك ذلك الكثير من القدرات الإيرانية لاستغلالها في “إثارة القلاقل في المحيط”. والأكيد أن اعتماد القيادة الإيرانية على تسويق الاتفاق داخليا من خلال أنه سيجلب الخير للإيرانيين تجعل أولويتها أن يكون التأثير الإيجابي أولا على الإيرانيين قبل الخارج.
نعم، هناك مبررات للخوف من إيران بعد الاتفاق لكن ليس هناك مبررا للتهويل في القدرات العسكرية الاقتصادية التي ستنجم عنه. وربما كانت هذه فرصة أخرى لتدرك إيران وجيرانها أن إزالة تلك المخاوف يشبه إلى حد ما بناء الثقة مع العالم الذي سبق الاتفاق. وهنا يمكن لسلطنة عمان أن تلعب دورا أساسيا في إزالة تلك المخاوف وفتح نوافذ حوار بين كافة الجيران.

د.أحمد مصطفى
كاتب وصحفي مصري

إلى الأعلى