الأربعاء 29 مارس 2017 م - ٣٠ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / مواجهات عراقية

مواجهات عراقية

أ.د. محمد الدعمي

”.. إذا كانت هذه الضربة المفرطة بالقوة قد أدت الى تحقق الهدف الأساس من وراء الحرب، اي إسقاط نظام البعث، فإنها أخفقت في عدد من الأهداف الأخرى، خاصة وأن القوات الأميركية لم تجد أية اسلحة دمار شامل في العراق، بعد أن أدارته على نحو مباشر لأشهر بشكل يكرس التشرذم وتشقق الصف الوطني على المستوى الشعبي،”
ــــــــــــــــــــــــــــــ
مرتكناً الى الموضوع الذي ناقشته يوم الثلاثاء الماضي في صحيفة (الوطن) الغراء، والموسوم بـ “الشرق الأوسط المتخيل: بين أعمدة البقاء وتيارات التعرية”، أحاول جاهداً اللحظة أن اضع اللمسات الأخيرة على كتابي الجديد الذي سيصدر، باللغة الإنجليزية، تحت عنوان “مواجهات عراقية: كرد وسنة وشيعة في صراع ذاتي التدمير” Iraqi Encounters: Kurds, Sunnis and Shi’is in a Self-destructive Conflict، أن أجيب عن سؤال إمكانية بقاء العراق، كدولة متماسكة ومتوحدة في المستقبل: Is Iraq Viable.
لا بد للاستفهام أعلاه وأن طرأ على تأملات أعداد كبيرة من العراقيين، ناهيك عن العرب والمسلمين الذين تهمهم آفاق مستقبل هذا البلد المهم.
إن أهم افتراضاتي في هذا البحث (الكتاب) يتلخص في أن ما نشهده اليوم من تضعضع وعدم تجانس وتآكل في العراق، إنما تكمن جذوره في الاحتلال الأميركي (2003)، إذ تسبب هذا الاحتلال المفاجئ بحصول كسر كبير على الجسد السياسي للعراق. هذا كان سبيل واشنطن لمنع العراق من الرد باسلحة الدمار الشامل، بحسب إعتقاد الرئيس السابق جورج بوش الابن، لاحظ كتابه المعنون (نقاط القرار) Decision Points، إذ كانت الضربة العسكرية المفرطة بالقوة وما تلاها من احتلال وراء تهشم الجسد السياسي للعراق.
وإذا كانت هذه الضربة المفرطة بالقوة قد أدت الى تحقق الهدف الأساس من وراء الحرب، اي إسقاط نظام البعث، فإنها أخفقت في عدد من الأهداف الأخرى، خاصة وأن القوات الأميركية لم تجد أية اسلحة دمار شامل في العراق، بعد أن أدارته على نحو مباشر لأشهر بشكل يكرس التشرذم وتشقق الصف الوطني على المستوى الشعبي، خاصة من خلال طبيعة وبنية ما يسمى بـ”مجلس الحكم” الطائفية/الإثنية، إذ أطلق السفير “بول بريمر” قطار اللامركزية والتقسيم من خلال طريقته في انتقاء وتعيين أعضاء مجلس الحكم الذين كان جلهم من “معارضات” الخارج ومن حملة أكثر من جنسية. بل إن الأدهى قد تبلور في تطويرهم شعوراً وسواسياً نخرباً مفاده أن وحدة العراق وتماسكه إنما هما قرن بالنظام الشمولي السابق. وبكلمات أخرى، هم عدوا العراق الموحد مرادفاً للرئيس السابق، صدام حسين، الأمر الذي قاد الى نتائج كارثية بقدر تعلق الأمر ببقاء ووحدة العراق.
لقد غاب عن إدراك بريمر وأعضاء مجلس الحكم الذين أغبيتلهم من بين قيادات الخارج بأن ترادف وحدة العراق مع الأنظمة الشمولية التي تتالت على حكمه إنما ستخلف أجواءً تشجع تشرذم وانقسام البلد، أجواءً لها بداية، ولكن ليس لها نهاية، بدليل ما حدث سنة 2006 بخاصة، حيث تزايدت مخاطر تفجر الحرب الأهلية على نحو لا يقبل الشك. ومرد ذلك هو أن قرن أعضاء مجلس الحكم الولاء للعراق بالنظام الشمولي السابق كان ظاهرة هي بدرجة من الخطورة وقلة الحكمة واللاوطنية أنها قادت الى استبدال الولاء الأصل للوطن بولاءات ثانوية تعتمد النوع الإثني أو الدين أو الطائفة أو المنطقة او المدينة أو القبيلة بدائلاً، الأمر الذي أدى الى تفشي الفساد الإداري، ناهيك عن إنتشار الميليشيات المسلحة وعصابات الاغتيالات المتحركة التي هددت كاتب هذه الأسطر وعائلته بالقصاص الشرعي، أي بقطع الرأس سوية مع عشرات الأسماء لأفراد محترفين واساتذة وأطباء وفنانين وصحفيين. هكذا تمت عملية إفراغ العراق من كوادره المتخصصة التي استهلكت الكثير من أموال العراق وثرواته حتى ظهرت بالمستوى الرفيع الذي عرف عنها، خاصة هنا في دول الخليج العربي الشقيقة.
لقد فات أعضاء مجلس الحكم والسفير الذي عينهم ان مشكلة الكتل السكانية الأساس في العراق إنما تكمن على حقيقة أنها (أي الكتل السكانية) امتدادات عراقية من كتل سكانية أكبر تقبع خارج العراق، بدليل ان الكرد العراقيين لا يشكلون سوى نسبة صغيرة من مجموع سكان ما يسمونه بــ”كردستان الكبرى”. وتنطبق ذات الحال على سواهم من الكتل السكانية، بطبيعة الحال.
وإذا كانت قيادات المعارضات السابقة تفكر بهذه الطريقة الفئوية والطائفية الضيقة، فإنها سرعان ما تدحرجت الى غياهب الفساد، فأطلقت تيار الفساد الإداري والمالي وعمليات الإستيلاء على ثروات البلد ونهبها بالجملة، خاصة عندما لم تتمكن أن تقدم مبدأ ولاء للوطن العراقي الأصل. وقد قادت الولاءات الثانوية والمجهرية التي استبدلها الطارئون بالولاء للوطن الى مد التكسرات والتشققات والصدوع عبر جسد العراق حتى صار اليوم اشبه بالبناء الآيل للسقوط للأسف، بل إن الأخطر على العالم العربي والعالم بأسره، هو أن هذه الصدوع أخذت تعبر الحدود الإقليمية للعراق حالياً كي تمتد نحو دول الجوار العربي والإقليمي، مع إشارة خاصة الى سيطرة ما يسمى بـ”الدولة الإسلامية” على ثلث مساحة العراق، لسوء طالع من ينبغي أن يعيد للعراق وحدته وتماسكه.

إلى الأعلى