الإثنين 23 يناير 2017 م - ٢٤ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / عن تهويد منطقة النقب

عن تهويد منطقة النقب

علي بدوان

مشروع “قانون برافر” الذي يدعو إلى سلب أراضي منطقة النقب جنوب فلسطين المحتلة عام 1948 وترحيل ما تبقى من سكانه لمناطق مجاورة، “قانون عنصري” بامتياز، يستهدف الأرض والإنسان في فلسطين المحتلة عام 1948، وقد تم تمريره بالقراءة الأولى زمن حكومة نتنياهو السابقة، والآن يدور البحث للاستمرار في “تمرير القانون وإقراره” وتطبيقه على أرض الواقع، حيث يقود الوزير “الإسرائيلي” اليميني العنصري عن حزب البيت اليهودي (أوري أرئيل) الحملة من أجل تمرير “القانون” القاضي بسلب أراضي منطقة النقب وترحيل السكان العرب الفلسطينيين.
ومنذ النكبة، بدأت عملية التهجير القسري الممنهج للبدو الفلسطينيين والتي ترافقت مع احتلال “إسرائيل” لبلدة بئر السبع والتدمير الكامل والتهجير لكل التجمعات السكانية الأصلية هناك. ومع أوائل الخمسينات من القرن الماضي، كان أكثر من تسعين ألف بدوي فلسطيني من أبناء منطقة النقب وعشائرها، قد أجبروا على الرحيل، وتحوّل معظمهم إلى لاجئين في المناطق المجاورة في قطاع غزة، ومناطق الضفة الغربية خصوصًا منطقة الخليل وضواحي القدس، وشبه جزيرة سيناء والأردن. فقد لجأت غالبية بدو النقب إلى قطاع غزة وبنسبة أقل إلى الأردن وقد عرفوا بـ(السبعاوية)، فيما حطت أعداد منهم في التجمعات البدوية على امتداد الصحاري الشرقية للضفة الغربية حيث ما زالت العشائر البدوية المهجرة من بئر السبع وعراد جنوب فلسطين تعيش في بيوت بدائية من الشعر والصفيح والبلاستيك، كتلك التي عاش فيها ضحايا النكبة جميعهم. كما شكل في أبناء العشائر من بدو فلسطين نسبة لا بأس بها من اللاجئين الفلسطينيين الذين وصلوا إلى سوريا ولبنان والأردن من بدو الجليل والجليل الشرقي وغور طبريا وسهل الحولة في الشمال.
من هنا، إن الخطوة “الإسرائيلية” الأخيرة، خُطوة تَصعيدية جديدة ذات معنى كبير، وذات أبعاد استراتيجية، تخطوها حكومة الائتلاف اليميني الصهيوني في “إسرائيل”، فبعد تحضيرات مُكثفة كانت الكنيست (البرلمان) السابقة قد أقرّت يوم السادس والعشرين من حزيران/يونيو 2013 ما بات يُعرف بقانون (برافر) بقراءته الأولى، وهو المشروع الاستعماري الإجلائي الاستيطاني التهويدي الذي يستهدف تهويد ما تبقى من أراضي منطقة النقب المحتلة منذ عام 1948.
إن مشروع (برافر) سيحصُرُ المواطنين العرب من أهالي ومواطني منطقة النقب الذين يُشكّلون (30%) من سكّان منطقة النقب على (1%) فقط من أراضي هذه المنطقة، ونقلهم بالقوة إلى مُجمعات من الكتل الإسمنتية التي تلغي وتقطع عليهم طريق الرزق والعمل، وتنهي أراضيهم الزراعية وأراضي الرعي المخصصة للماشية وزراع الحبوب، وليتحول المواطن العربي في النقب لمجرد عامل مياومة تحت سلطة وفي مشاريع دولة الاحتلال. فسكان ومواطني منطقة النقب من العرب الفلسطينيين (البدو) يعتمدون في حياتهم المعيشية والاقتصادية ومصادر رزقهم على الزراعة ومنها زراعة الحبوب، وعلى تربية المواشي كالأغنام والبقر والجمال.
إن عملية استصدار القرار أو القانون الجائر إياه، “قانون برافر” لم تكن دون مُقدمات، فعملية تهويد النقب والجليل عملية “إسرائيلية” تراكمية لم تنقطع يومًا واحدًا، لكن الجديد فيها أن تلك العملية ستتسع الآن أكثر فأكثر حال تم إقرار القانون بصورة نهائية، ويتوقع لها عندئذ أن تأخذ طابعًا مُشرعنًا داخل دولة الاحتلال للتخفيف أو الحد من انطلاق أي انتقادات دولية باعتبار أن العمليات التهويدية تجري داخل حدود ما يسمى بدولة “إسرائيل” وليس فوق أراضي المناطق المحتلة عام 1967، وعلى أنها تهدف لإعادة تنظيم واقع الناس والديمغرافيا البشرية باتجاه التنظيم الحضاري والعمراني.
ومن هنا كانت سلطات الاحتلال قد أقدمت على عمليات متتالية من مصادرة أراضي منطقة النقب وقضم مساحات متزايدة وبالتدريج من أراضي العرب البدو من أجل ما تسميه عملية تطوير “المجتمع البدوي”، فيما استطاعت حتى الآن حَشر نحو (56%) من بدو النقب في سبعة بلدات وهي بلدات: رهط، حورا، تل السبع، لقية، شقيب، السلام، كسيفة، عرعرة. علمًا أن البلدات المُشار إليها تفتقر إلى البنية التحتيّة الملائمة أصلًا، كما تحصل على خدمات حكومية غير كافية، شأنها شأن باقي القرى والبلدات العربية داخل “إسرائيل” في الجليل والمثلث والساحل.
وبالطبع، فإن استهداف منطقتي الجليل والنقب بعمليات ومشاريع التهويد يهدف لتحقيق أغلبية سكانية يهودية في تلك المنطقتين، وخلخلة وتقطيع الوجود السكاني العربي ومنع التواصل الجغرافي على الأرض بين البلدات والتجمعات العربية الفلسطينية داخل “إسرائيل”، إضافة لتحقيق جملة من الأهداف التالية ذات البعد الاستراتيجي، فمنطقة الجليل التي تتميز بمرتفعاتها العالية شمال فلسطين تطل على سوريا ولبنان، فيما تعتبر منطقة النقب من المناطق الحيوية الواقعة جنوب فلسطين المحتلة، نظرًا لاتساع مساحاتها نسبيًّا، وقربها من مصر عبر مجاورتها لحدود طويلة مع منطقة سيناء، ومجاورتها لشريط جنوب الأردن، وإطلالها على البحر الأحمر من خلال فتحة مدينة أم الرشراش (إيلات) التي تُعتبر جزءًا من منطقة جنوب النقب. فضلًا عن اكتناز المنطقة للعديد من الثروات الباطنية التي لم تُصرح عنها إلى الآن سلطات الاحتلال، فيما يذهب العديد من المصادر لتأكيد وجودها، بما فيها العناصر النادرة في الجدول الدوري الكيميائي كعنصر اليورانيوم وغيره. إضافة لذلك تُعد منطقة النقب من المناطق الرئيسية لتواجد القواعد الجوية لسلاح الجو “الإسرائيلي”، ومراكز التدريب والكليات العسكرية لجيش الاحتلال، إضافة لمفاعل ديمونا النووي وملحقاته.
وبالتالي، إن مشروع أو قانون (برافر) يُعَد استمرارًا لحملة الاقتلاع التاريخي والتطهير العرقي للفلسطينيين العرب من أرض وطنهم وإحداث نكبات متتالية بحقهم عبر هدم مئات البيوت العربية، وسلب ما تبقى لأبناء الشعب الفلسطيني في الداخل المحتل عام 1948 من أرض في منطقة النقب والجليل. فقانون (برافر) يُمهد لمصادرة نحو (850) ألف دونم من مساحات أراضي منطقة النقب جنوب فلسطين، وتهجير ما يزيد عن أربعين ألف فلسطيني من (بدو النقب) يقيمون في عشرات القرى التي لا تعترف بها دولة الاحتلال منذ العام 1948 وتحرمها من أبسط مقومات الحياة. فالمشروع في أحد وجوهه يعني تفكيك تلك القرى العربية المتناثرة في منطقة النقب بذريعة إعادة تنظيم الوجود العربي الفلسطيني في النقب، في هدفٍ يخفي في جوهره السعي لتفكيك الهوية العربية الفلسطينية للنقب استكمالًا لمشروع تهويد الجليل في السبعينيات، ومشروع تهويد القدس وغور الأردن وأجزاء واسعة من الضفة الغربية.

إلى الأعلى