الإثنين 24 يوليو 2017 م - ٢٩ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / ثمن “بكارة إسرائيل؟!” – ٢

ثمن “بكارة إسرائيل؟!” – ٢

علي عقلة عرسان

تصوروا أن يقول الصهاينة، الذين يحتلون أرض فلسطين والجولان، ويمارسون كل ما يدخل في باب الجريمة بأنواعها، ضد شعب يضطهدونه ويشردونه ويغتصبون وطنه منذ سبعة عقود ونيِّفٍ من الزمن.. تصوروا أن يطالبوا بذلك كله، وبأن يبقوا فوق القانون، والمساءلة، والناس.. ومع ذلك يعتبرون أنهم مضطهدون، وأن العالم يعاديهم؟! إن هذا الذي يطالبون به، وهو من حقوق الآخرين، يشكل لديهم بعض الثمن “لبكارة إسرائيل.؟!”

في مقال سابق، تحت هذا العنوان، أشرنا إلى هيجان صهيوني، بسبب اتفاق فيينا، وأكدنا أن الإرهابي نتنياهو، يحرك الأذرع الصهيونية، ويثير زوابع في الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا، ضد الاتفاق، ويصفه بأنه تخلي عن “إسرائيل؟” وبداية علاقات أميركية ـ إيرانية ضد كيانه وضد دول في المنطقة.. وهو وغيره من الصهاينة يدركون جيدًا أنه لمصلحة “إسرائيل بالدرجة الأولى، وأنها الأكثر حماية، والأكثر تمتعًا بسلاح نووي وقرات نووية كبيرة يتغاضى عنها العالم، بسبب التأييد الغربي لها والانحياز لمشاريعها العدوانية ـ التوسعية ـ الاستيطانية.. لكنه يفعل ذلك ليرفع الثمن الذي يريده، عن طريق ابتزاز الولايات المتحدة والدول الأوروبية، بسبب الاتفاق، ليحصل على الكثير مما سماه الصحفي الإسرائيلي ناحوم برنياع “ثمن بكارة إسرائيل”؟!
لقد بدأت آلة الإعلام ومجموعات الضغط عملها بقوة، وارتفعت الأصوات، وبدأ بكاء الصهاينة وشكواهم، ورفع صور من يسمونهم “ضحاياهم، في كل مكان يوجدون فيه، بذريعة أنهم “على وشك الإبادة؟!”من جديد، ولأن الغرب باعهم لإيران “النووية”؟! أو التي ستصبح نووية، ولو بعد عشر سنوات أو ربع قرن من الزمان.. واشتد ضغطهم على مجلسي الكونجرس الأميركي، لكي لا يقر الاتفاق الذي أصبح دوليًّا بمصادقة مجلس الأمن الدولي عليه، وليضع حدًّا “للمسلم السني أو المسلم الشيعي؟!”أوباما، الذي يتآمر عليهم، ويعمل على تمرير اتفاق لصالح الإرهاب، والتطرف الإسلامي، وضد إسرائيل، في تتجدد لوتيرة الكلام عن “العداء للسامية”، وغير ذلك من أكاذيب الصهيونية، التي تتخذ للابتزاز السياسي والمالي. وأخذ كتاب صهاينة يدعون بوقاحة غير مسبوقة، بأن الإعلام العالمي المملوك من جهات معادية لليهود، يقف ضد دولة إسرائيل ويشوه صورتها، في حين أن العالم كله يعرف أن الصهيونية تملك، أو تسيطر على، ٩٠٪ من الإعلام في العالم، ولليهود إمبراطوريات إعلامية كبيرة، لا يسلم من شرها أحد، إحداها إمبراطورية كيث روبرت مردوخ Keith Rupert Murdoch
وفي فرنسا بدأ حديث صهيوني، غريب عجيب مريب، عن “اللاسامية” وأوضاع اليهود، بسبب المسلمين، وموجه للإثارة ضد الإسلام الذي انتشر في فرنسا.. وقد بدأت إثارة الموضوع بشكل مدروس في الولايات المتحدة الأميركية، من خلال تقرير نشرته مجلة “فانتي فير”، ليلتقطه الصحفي الإسرائيلي “غي باخور”، ويثير قضية اللاسامية في فرنسا، ويعيد العزف على وتر “قضية دريفوس”.. واليهود يثيرون هذه القضية في فرنسا، كلما لاحت فرصة للابتزاز.. وفي هذا الصدد قال غي باخور: “نشرت هذا الشهر المجلة الأميركية الاعتبارية “فانتي فير” تقريرًا ضخمًا يمزق نياط القلب، عن وضع اللاسامية في فرنسا. هذا لا يحصل في زمن الكارثة، ولا في محاكمة درايفوس، بل الآن. أن تكون في الشارع الفرنسي كيهودي، هو أن تعرض نفسك لخطر العنف الجسدي، بل وحتى لخطر الحياة. إنه التمترس كجماعة، وإخفاء الهوية الشخصية. ويتضح من التقرير بأن الطائفة التي تضم نحو نصف مليون يهودي، هذه طائفة تحزم حقائبها. “كيف حصل أن أصبحنا غرباء”؟ يسأل اليهود هناك بألم؟ هم، الذين ولدوا في فرنسا، يعتبرون الآن غرباء، بينما المهاجرون المسلمون يشعرون فيها بأنهم أبناء البيت.. الحكومة الفرنسية لا يمكنها أن تتنكر للمسؤولية عن حقيقة أن أفضل مواطنيها يعتزمون ترك الدولة.”./يديعوت ـ مقال ـ 23/7/2015 ـ يهود فرنسا مثلما في عهد درايفوس. إنه يثير معاداة السامية، وقضية “دريفوس” اليهودي الفرنسي، التي أدرجت، في حينه، تحت هذا العنوان.. وهي قضية أكل عليها الدهر وشرب، لكنها من قضايا أخرى تثار في أوربا للابتزاز. و”دريفوس هو فرنسي الجنسية، يهودي الديانة، اتهم بالخيانة.. وهزت هذه القضية المجتمع الفرنسي خلال اثني عشر عامًا من 1894 وحتى 1906 وقسمته إلى فريقين: المؤيدين لدريفوس مقتنعين ببراءته (الدريفوسيون les dreyfusards) والمعارضين له معتقدين أنه مذنب (les antidreyfus).
وقد أُتهم بأنه أرسل ملفات فرنسية سرية إلى ألمانيا”. وكان العداء الفرنسي الألماني على أشده، بعد أن ضمت ألمانيا الأزاس واللورين إليها عام 1871.
وقد ابتزت إسرائيل فرنسا مئات المرات، تحت هذا العنوان وسواه.
وفي موضوع رفع ثمن، وهو ما سماه ناحوم برنياع، “ثمن بكارة إسرائيل”، لم يكتفِ الصهاينة بما ردده أوباما مرات ومرات، بعد إعلان اتفاق فيينا، من تعهدات بحماية أمن إسرائيل، واستعدادات لمساعدتها، وما قدم حول الاتفاق من توضيح، وشرح، وتفسير، وضمانات.. واستعداد لإعادة العقوبات، وللتدخل العسكري ضد إيران، إذا لم تلتزم التنفيذ الدقيق، وقبول المراقبة الصارمة.. إلخ.. ولا بما حمله إليهم وزير الدفاع الأميركي، آشتون كارتر من تطمينات ومساعدات واستعدادات. و… بل ذهبوا في الاتجاهات المتطرفة كلها، ومن ذلك: رفع وتيرة الاستيطان في القدس والضفة الغربية، ورفع درجة الشكوى، وإعادة معزوفة الاضطهاد، والهجوم على دول، وعلى الإسلام من بين الأديان بذريعة كذبة “معاداة السامية”.. وإثارة زوابع عاطفية، وتوجيه اتهامات عشوائية، باللاسامية وغيرها، في الغرب “أميركا وأوروبا” على الخصوص.. وفي خط موازٍ، مدروس بدقة وخبرة، بدأ التصريح بالمطالب، أي “بثمن البكارة؟!”، في اتجاهين محكومين بتنسيق متفق عليه: اتجاه يرى أنه لا تعويض، فما تم “أي الاتفاق” لا يمكن أن يقابله أي تعويض؟! وهو اتجاه يركب موجته الإرهابي العنصري نتنياهو، الذي يقول بأنه “لا ثمن لذلك الخطأ التاريخي المذهل؟!”، ويقول صنَّجته الكثر “إنه لا ثمن لبكارة إسرائيل؟! ولك من يعرف أن يَعجب ويعجب ويعجب، من البغي التاريخي ذات البكارة؟!”.. وهذا اتجاه يرفض ويتعالى ويتغطرس، وهو يريد الثمن الأكبر، وفق السقف الأعلى، بكل المعاني والأبعاد والمواصفات.. هذا إضافة إلى ما في الاتفاق ذاته من مكاسب كبرى لإسرائيل.. ويصر على أن يقدم طمعه وجشعه واستعلاءً فاقعًا.. والاتجاه الآخر يذكر بعض ما في الاتفاق من نقاط قد تكون إيجابية، لكنه يبقى بنظرهم “كصيبة، أو كارثة” لا بد من أن تتلقى إسرائيل ثمنًا لها.. وقد بدأ أولئك يكتبون ويحددون بعض معالم الثمن، أي المطالب التي لا بد أن تحصل عليها إسرائيل، وأن يطالب بها قادتها، بمنهج سياسي واقعي.. إنهم يكتبون في إسرائيل الآن مطالبين بالثمن، بصورة معلنة ومتدرجة في الغلو.. ومن ذلك ما قاله دانييل فريدمان، وزير العدل السابق، في حكومة أولمرت، حيث قال:
“يتحدثون الآن عن تعويض لا يزال الأميركيون مستعدين لأن يعطوه لنا. ماذا سنطلب بالضبط: طائرات متملّصة، قنابل خارقة للخنادق، وسائل هجومية على إيران؟ تعزيز في مجال الأمن، هو بالتأكيد مرغوب فيه، ونأمل أن يعرف الجيش الإسرائيلي كيف يحدد سلم الأولويات المرغوب فيه. ولكن يجب أن نعرف بأن ما نحتاجه، ليس أقل مما في المجال الأمني، هو حبل نجاة في المجال السياسي. لقد أصبحت إسرائيل كيس ضربات العالم. جزء من ذلك بذنبنا، ولكن ما فعلوه لنا على المستوى الدولي، يخرج عن كل ما يمكن أن يعتبر محقًّا. عمليًّا تصبح المحكمة الدولية في لاهاي، إلى جانب مجلس الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، حامية للإرهاب ـ حيث تقيد هذه الهيئات أيدينا في كل محاولة معقولة لمكافحته…(…؟!؟) لقد كان وضعنا سيكون أفضل، بشكل أبرز، لو كنا تمكنا، مثلًا، في إطار التعويض، وفي واقع الأمر، في إطار العدل الأولي، من أن ننتزع من الرئيس أوباما تصريحًا حازمًا ولا لبس فيه، في أنه على المستوى الدولي يجري إنفاذ للقانون انتقائي وغير عادل تجاه إسرائيل، حين تطرح عليها مطالب لا تطرح على أي دولة وعلى أي جيش في العالم. إعلان حاد ولا لبس فيه كهذا، تأتي بعده خطوات أخرى، كان لا بد سيغير الحماسة الواضحة اليوم في محاولات فرض النظام الدولي الجنائي علينا.
هام أيضا أن نحصل على تعهد أميركي علني، برد مناسب على إيران في كل حالة تمارس فيها الإرهاب ضد إسرائيل، سواء مباشرة أم من خلال أحد فروعها في المنطقة. ويمكن أن نضيف إلى كل هذا اتفاقات حول التسوية في منطقتنا تتضمن اعترافًا بمكانة إسرائيل في الجولان الحيوي لأمننا، والحفاظ على مصالح إسرائيل في اطار التسوية مع الفلسطينيين.”/ يديعوت ـ مقال ـ 23/7/2015 ـ حتى ميكرونيزيا هجرتنا مطلوب: حبل نجاة سياسي.
تصوروا أن يقول الصهاينة، الذين يحتلون أرض فلسطين والجولان، ويمارسون كل ما يدخل في باب الجريمة بأنواعها، ضد شعب يضطهدونه ويشردونه ويغتصبون وطنه منذ سبعة عقود ونيِّفٍ من الزمن.. تصوروا أن يطالبوا بذلك كله، وبأن يبقوا فوق القانون، والمساءلة، والناس.. ومع ذلك يعتبرون أنهم مضطهدون، وأن العالم يعاديهم؟! إن هذا الذي يطالبون به، وهو من حقوق الآخرين، يشكل لديهم بعض الثمن “لبكارة إسرائيل؟!” فأية وقاحة، وأية عنصرية، وأية عقول، وأية ممارسات.. يراها العالم ويسمعها، ويسكت عليها، ويتواطأ مع من يقوم بها؟!
اليهودي دائم الشكوى، ودائم الغضب، ودائم الكراهية.. إنه يطلب الإنصاف والأمن والراحة والاستقرار والازدهار، على حساب الآخرين والحق والعدل والعقل والمنطق والضمير.. على حساب شعوب ودول وحياة بشر وأمنهم.. ويرى اليهودي أن ذلك الذي يطالب به، حتى لو تحقق له، فإنه سيبقيه في مظلومية دائمة، وفي حالة قلق وشكوى، وأنه لن يتحقق له ما يريد، مما يراه حقًّا له، وإنصافًا يُحرَم منه، وعدلًا في التعامل معه، لا يحققه له العالم الذي يضطهده.. إنه يرى أن ذلك لا يتحقق ما لم يملك القوة المطلقة، ويجرد غيره من كل قوة، وينفرد بالسلطة والسطوة وحق الإبادة؟! بل يذهب في آرائه ورؤاه المريضة إلى درجة أنه: لا يأمن، ولا يكتفي بما معه، ولا يأخذ ما له من حقوق بشرية وإلهية مفروضة، و.. و.. إلخ، إلا إذا أخلي له العالم من سكان يعتدّون بأنفسهم، ويتمسكون بإنسانيتهم، ويعتزون بهويتهم، ويحفظون كرامتهم، ويحرصون على حقهم في الحياة.. وبأن يكون لهم مِلك ووطن؟! ذلك لأن اليهودي لا يرى “الغوييم، أبناء الأمم من غير اليهود” أهلًا لشيء من ذلك الذي يكون لابناء آدم.. فالبشر سواه/ سواهم، سلالة صاعدة من دود الأرض وطينها، أما هو فمن السلالة النازلة من السماء، من الجنة التي طُرد منها آدم أبوه وحده، وهو “مبارك من الله، ومختار منه شعبًا له”؟! بينما غير اليهود فمن قردة دارون اليهودي، صاحب نظرية النشوء والارتقاء.. ذلك الذي رأى اليهودي في نظريته رؤيته الخاصة، فكانت عنصريته الفريدة في سقوطها الأخلاقي والروحي والمنطقي. واليهودي يريد أبناء الأمم، أي “الغوييم”: عبيدًا له في يوم سبْته، وخدمًا له منتجين لبقية الأيام، ولا بأس في أن يكونوا على هيئة البشر، لكي يكونوا لائقين بخدمة اليهود؟! وهم وما يملكون حِلٌّ لليهود، دمهم ومالهم وعرضهم وحياتهم حِلٌّ لهم؟!.. ويمكن أن يكونوا جسدًا بلا وجود معنوي، ليس لهم حقوق البشر، ولا حضورهم، ولا تطلعاتهم ولا.. ولا..؟!
أمر اليهود عجيب، ولا خلاص لهم إلا بخلاصهم وخلاص العالم من عقليتهم النتنة، التي تجاوزها الزمن منذ قرون وقرون، وتفوح روائحها الكريهة وتنتشر في الأرض، منذ يوشع بن نون وحتى زمن قادم، وتخليصهم والخلاص معهم، من منهج الإبادة التي تشمل الإنسان والحيون، حينما يتمكنون من الآخرين.
ومن شبه المستحيل، فيما يبدو، أن تقنع صهيونيًّا مثلًا، بحق فلسطيني في البقاء، والعيش، والتملك، والكرامة، وبدولة ذات سيادة في وطنه، وطن الشعب الفلسطيني الأصلي، الذي اغتصبه الصهاينة، واستوطنوه؟! ومن الصعب أن تحصل منه على وعد لا ينقضه في أي موضوع، ومن المستحيل أن يعترف لك بحق في الحياة، إذا كان قادرًا على إبادتك ماديًّا أو معنويًّا، أو كلتا الإبادتين..؟! والأبشع، الأشنع، الأفظع من ذلك كله، أنه يرى سرقته لك، وإبادته لك، والفتك بك.. حقًّا إلهيًّا وتاريخيًّا وأخلاقيًّا له، وما لم يحصل على ذلك، ويُحمى من كل ما قد يصيبه بسبب ذلك، فهو مضطهد.. مضطهد بوجودك أنت الآخر على قيد الحياة؟! فأي خبال، وأي عالم يرفع هذا الخبال إلى درجة العقل والحق، ويتعامل معه باحترام؟!

إلى الأعلى