الأحد 26 مارس 2017 م - ٢٧ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / أوروبا الميركلية… نذر اليسار وبوادر الفاشية!

أوروبا الميركلية… نذر اليسار وبوادر الفاشية!

غلو ميركل العقابي، أو انقلابها لإسقاط اليسار السيريزي، بإعادة فرض وصفة العلاج الفاشل مع مضاعفتها للمعضلة اليونانية، مرغمةً المريض على مواصلة تعاطيه لذات الدواء التقشفي القاتل والمذل، لا ينم عن قلة حيلة أوروبية لحل مشكلة ديون أثينا، أو أي مديونيات أخرى تثقل كواهل مساكين القارة الآخرين، وإنما كان لتأديب هؤلاء ومنعهم من مجرَّد التفكير باحتذاء المثال السيبراسي.

إن جاز لنا اختصار الغرب، كجهة كونية فاعلة في القرار الدولي، بالولايات المتحدة الأميركية، كمهيمنة ومحتكرة لمواقفه وقراراته المتعلقة، أو استتباعه لها، أو رضاه بدور المكمِّل لسياساتها، فإنه يجوز لنا أيضًا اختصار الاتحاد الأوروبي، لا سيما بعد الدراما اليونانية الأخيرة، بألمانيا الاتحادية، لجهة السطوة الميركلية الراهنة فيه، والتي لا يُنقص من عتوِّها، المستند إلى قوة اقتصادية فاعلة وموسومة بالجشع والشراهة والنزوع إلى التوسُّع، بعض من نشوزات بريطانية، أو مشاكسات فرنسية، أغلبها أقرب إلى المكابرات.
سنتعرَّض لاحقًا إلى ما أُغفل، أو تغوفل عنه، أو غطتَّ عليه ضوضاء ما أثاره الدرس اليوناني المر ومآلاته العلقمية، لكننا سنتوقف أولًا أمام ما لا يُختلف على خلاصته، وهي أنظاهرة سيريزا اليونانية، بغض النظر عن نهاياتها، قد أثارت رعب متخمي القارة ومتنفِّذيها، وفي المقدِّمة الدائن الألماني الأكبر لفقيراتها، من وصول لم يك حقًّا بالمباغت لما يعدونه أقصى اليسار إلى السلطة، الأمر الذي بعث لدى بروكسل هواجس لا ينقصها ما يبررها من احتمالات تكرارها لدى بقية هاته الفقيرات المأزومات واللائي يعشن تحت طائلة ما يفرض عليهن من ضروب التقشف المرهقة… إسبانيا التي لها سيريزاها، أو بديموسها، أو ما قد تأتي به انتخاباتها نهاية عامها هذا، والبرتغال، وإيطاليا ومناخات اليسارية المقيمة، وأيرلندا وشين بيتها القومي النزوع المنتظر لفرصته في الانتخابات المقتربة.
غلو ميركل العقابي، أو انقلابها لإسقاط اليسار السيريزي، بإعادة فرض وصفة العلاج الفاشل مع مضاعفتها للمعضلة اليونانية، مرغمةً المريض على مواصلة تعاطيه لذات الدواء التقشفي القاتل والمذل، لا ينم عن قلة حيلة أوروبية لحل مشكلة ديون أثينا، أو أي مديونيات أخرى تثقل كواهل مساكين القارة الآخرين، وإنما كان لتأديب هؤلاء ومنعهم من مجرَّد التفكير باحتذاء المثال السيبراسي، بمعنى إجبارهم على الاختيار بين استمراء بؤس الحال في بيت طاعة اليورو، أو الخروج منه إلى كوارث الإفلاس. الأمر الذي استثار حالة شعبية لا تخلو من تنامٍ للعداء للصرامة الألمانية الفجة، والتي من شأنها أن أعادت إلى الأذهان رواسب ماضٍ ألماني مرعب يكمن في الوجدان الأوروبي، ودفع لارتفاع أصوات تنبِّه إلى ما تستشعره من ململة لدى مستضعفي القارة قد يكون لها ما بعدها على مصير الاتحاد الأوروبي. من هؤلاء البولندي دونالد توسك، رئيس المجلس الأوروبي المحذِّر من بوادر”نفاد صبر على نطاق واسع”، وإذ هو يراه “ليس بالمسألة الفردية”، وإنما “تجربة لمشاعر اجتماعية”، فعليه، هو عنده “مقدمة ثورة”!
ما يحذِّر منه توسك هو وارد حقًّا، لكنما ما هو الأخطر منه ما قلنا آنفًا إننا سنتعرَّض له لاحقًا، وهو في اعتقادنا ما يعتمل في الحديقة الخلفية لاتحاد ميركل الأوروبي، ونعني بها أوروبا الشرقية، حيث طغت مشاكل أطرافه الجنوبية المفلسة فحجبت قلقًا منضبطًا في حظائره الاستثمارية الشرقية المستباحة، لكنما الأقل قدرةً حتى على إبداء التذمُّر، ولأسباب هي، إلى جانب حاجتها لمساعدات الاتحاد، وابتعادها قليلًا حتى الآن من حافة الإفلاس، تحوَّلها إلى شبه مستوطنات لشركات متنفِّذيه النهمة، وتحوُّل غرب الاتحاد المتخم إلى ملاذات للأيدي العاملة الرخيصة لسيول من شبيبتها العاطلة عن العمل… هذا القلق، إذ يعزز من حضور قوى اليمين القومي المتطرف، يأخذ تعابيره أيضًا في تنامي الفاشية السافرة والمستترة التي تجد في العداء للمهاجرين متنفسا لها… ولنأخذ المجر مثالًا:
فوز حزب “يوبِّك”، اليميني المعادي للغجر والمهاجرين ومعهم الاتحاد الأوروبي، في الانتخابات التشريعية العام الماضي، بما نسبته 20,54% من الأصوات. وظهور عصابات فاشية معادية للأجانب تطلق على نفسها “بيتار” في استدعاء تاريخي للمقاومة المجرية للاحتلال النمساوي… في الأسابيع الأخيرة كانت هناك حادثة هزَّت الشارع المجري، حين أقدمت مجموعة من بينها حارس سجن على الاعتداء على شاب مجري تشوبه سمرة، لأن والده من أصل كوبي، وشقيقه وصديقته المجرية الخالصة بالضرب المبرح الذي تسبب في نقل الأخيرة للمستشفى وإجراء عملية جراحية لها، لاعتقاد المعتدين أنه لاجئ… هذا قد يحدث في أي مكان في أوروبا هذه الأيام، لكنما الأخطر هو أن التحريض ضد المهاجرين قد بات سياسة شبه رسمية، استدعت قلقًا واحتجاجات ومظاهرات من قبل فئات مثقفة شاجبةً ومحذِّرةً من نتائجها… من بينها لافتات تنصبها البلديات تقول: “إذا جئت للمجر فأنت مجبر على احترام القانون والثقافة المجرية”، وإقرار بناء سور بارتفاع أربعة أمتار على طول الحدود مع صربيا لمنع تدفقهم، وكله يهون مع استطلاع رسمي لآراء الشعب عبر رسائل وجهها رئيس الوزراء لكل مواطن بريديًّا، تحت مسمى “استشارة”، تشتمل على 12 سؤالًا متعلقًا توحي بربط ما بين الهجرة والإرهاب… أول سؤال فيها يقول: هل تظن أن المجر يمكن أن تتعرض للإرهاب؟!
قد يكون للمجر البلد الصغير محدود الإمكانيات مبررًا لرفضه استقبال المزيد من هذا السيل المتدفق من المهاجرين عليه، والذي أكثر من نصفه هذا العام من كوسوفو، أي أوروبي ولأسباب محض اقتصادية، ويقصد المجر عبورًا لا مستقرًّا إلى حيث الشمال الغني، لكنما قوانين الاتحاد تجبر بلد الوصول على استيعاب واصليه بغض النظر عن قدرته على استيعابهم… النمسا، مثلًا، استدعت السفير المجري احتجاجًا على عدم قبول بلاده اللاجئين المعادين إليها لقدومهم منها، وتسبب بحث مقترح توزيع المهاجرين على دول الاتحاد بأزمة دبلوماسية بين بروكسل وبودابست، حينما وصفه فيكتور أوربان رئيس الوزراء المجري بأنه “بلغة بسيطة سخيف ومجنون”… بوادر التهتك في الثوب الأوروبي ليس مرده الثقوب اليسارية وحدها وإنما الاهتراءات الفاشية أيضًا، واللذين يغذيهما التغول النيوليبرالي، واقتصار رتقه على فرض وصفة من قبل حائكه الألماني!

عبداللطيف مهنا كاتب فلسطيني

إلى الأعلى