الثلاثاء 17 يناير 2017 م - ١٨ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / ثقافة وفنون / في وداع مرحلة : وليس في وداع عمر الشريف فقط !

في وداع مرحلة : وليس في وداع عمر الشريف فقط !

فتح موت الممثل المصري العالمي عمر الشريف ذاكرتي على تلك المرحلة التي مازالت عالقة في الذاكرة، وهي الوعاء الذي يحفظ تاريخنا وعمرنا الذي مضى وهو الاطول والأغزر في معطياته. يتساقط الاشخاص ويبقون عالقين فيها، صورهم لاتمحى، كلماتهم، صوتهم .. أذكر اني تعرفت على هذا الممثل المبدع من خلال فيلمه ” في بيتنا رجل ” في مطلع الستينات من القرن الماضي. كان الفيلم كما احببت كل الافلام، فيه بطولات فردية، وفيه متابعات لتلك البطولات .. ولأنه فيلم مرحلة وليس خارجها، فقد أثر بي، تماما مثل فيلم ” ادهم الشرقاوي ” للمثل عبد الله عيث ..
فيلم في بيتنا رجل بطولة فرد، ولعبة الفرد في المجتمع ليست سهلة، خصوصا في لحظة تعبير عن انتماء وطني. فلقد قادني هذا الفيلم لاكتشف لاعبا ماهرا في اعصابنا اسمه عمر الشريف، ظل يصاحبنا في كل افلامه، فرأيناه في ” ايامنا الحلوة ” مع عبد الحليم حافظ ، ورأيناه لاحقا في دكتور جيفاكو ثم في لورانس العرب، وفي غيره من الافلام.
لا يحتاج هذا الممثل مني الى تعريف، فهو رقم كبير من ممثلين عمالقة مروا في زمن الفن الجميل. كلما شاهدنا اليوم فيلما بالابيض والاسود تهنا في ذاك البعيد، فهو من لحم فتوتنا، من نسيم شبابنا، من لعبة الحياة التي لخبطت فينا المفاهيم واحيانا نظمتها .. كل امريء هو ابن مرحلته، فكيف من عاش مثلنا ذلك الالق الذي مثله جمال عبد الناصر، يوم كانت السينما في خدمة المجتمع، والمسرح رؤى سياسية تواكب حركة المجتمع، والشعر معناه، والفن التشكيلي تعبيره، والكتاب مهما كان بالسعر القليل كي يتمكن الفقراء من القراءة ، والقراءة حاجة انسانية معممة. كل شيء في ذاك الزمان قدم للانسان حاجته ، بعدما فكر فيه كانسان بكل مقاييس الانسنة.
عندما جلست اتأمل صور عمر الشريف منذ طلته الاولى على السينما، الى آخر لحظات عمره، كان شريط مرحلته يتداعى في لحظات، عظمة الذاكرة ان تكون متعبة كما قال لي مرة الشاعر الكبير الجواهري كي تظل تنتج، والانسان بلا ذاكرة مجرد جنين مرمي في عالم الضجيج، وهو العالم الذي شئنا ام ابينا سيظل على حاله، وكما يقول المثل الصيني: ولادة وشباب وشيخوخة وموت .. جميعنا ماضون في هذه الطريق التي لن تسمح لاحد بالشذوذ عنها.
اعترف اني شاهدت فيلم ” في بيتنا رجل ” اكثر من عشر مرات، ومن الغريب ان المشاهد التي اربكتني كانت كذلك في كل مرة .. وحينما رأيته في” دكتور زيفاكو ” وجدت مشروعا آخر من الافلام لاينتمي الى عالم تقدم العمر اي الالتباس في الخبرة. في كل سنة يتراكم كم قليل او كثير من الخبرات في عمر الانسان، ولهذا فقد فيلم ” في بيتنا رجل ” لحظته عندما شاهدته بعد اربعين سنة مثلا .. لكن الشريف لم يمت في مخيلتي، مازال يحرك تاريخه ويحرك مرحلته، مرحلتي، مازال مقيما حيث اقام في اول خطواته بفيلمه ” صراع في الوادي” الذي صدقت احداثه لأني كنت طفلا بريئا ، والبراءة حمولة الطفولة الى ان تبدأ التجريب في حياتها.
سمعت عمر في احد لقاءاته يتحدث عن الشهرة متسائلا عن معناها وانه لايشعر بها .. عرفت لاحقا انه لم يحمل هاتفا نقالا ولم يكن مغرما به .. كان رجلا متناغما مع آفاق افكاره، فقد أسلم عن قناعة ( اسمه الحقيقي ميشال شلهوب وهو من زحلة بلبنان) وكان يطالب تحالفا بين السنة والشيعة لمحاربة اسرائيل بدلا من التقاتل فيما بينهم ..
اخذني موت عمر الى لحظة الحقيقة المرة ن مهما طال عمر الانسان فحق الموت عليه، لكن الزمن يمضي، حاملا كل الناس، واما الثمن الذي يدفعه كل منا موته المحقق، لكأنما نحن على حد ماكتبه هيدجر من اننا نولد كي نموت فقط.
وأعود الى الذاكرة، الى مرحلة هذا الممثل الذي طغى جاذبية على السينما ، ثم صار نجما في الواقع .. النجومية تجعل النجم مشعا في اي مكان يذهب اليه .. عمر بعد دكتور زيفاكو عاش ذلك الألق ، صار ملاحقا في الشارع وفي الاماكن وفي بيته، ولهذا رفض عندما صار عصر الهاتف النقال ان يرفضه كي لايلاحق كما احب.
عاش عمر العصر الذهبي السياسي، ولأنه ذهبي، فقد كان ايضا فنيا وكان الى جانبه كبار وعمالقة من ممثلين رشدي اباظة، وشكري سرحان، ومحمود مرسي، وكثيرون .. وكذلك هن الممثلات اللواتي اشتركن في سينما ناطقة بخدمة مجتمعها . ليس الفن يصنع من اجل الفن كما كان بعض عصر عمر من الكتاب والشعراء والنقاد امثال عبد القادر القط وصالح جودت ، فيما تمايز الناقد محمد مندور، في الوقت الذي ركب الموجة مثلا غالي شكري .. في كل عصر حمولة متناقضة، فعلى الرغم من ان الشاعر كامل الشناوي كان مزاجي الهوى، الا انه كتب قصيدة ” على باب مصر ” وقال في مقطع منها ” فمن عصر مينا الى عصر عمر ومن عصر عمر لعصر جمال ” .. اما شاعر الثورة صلاح جاهين، فسقط عند اول هزيمة في العام 1967 ، فبعد ان كتب اجمل الشعر الثوري المغنى، هاهو بعد الهزيمة يتساقط ليكتب ” خلي بالك من زوزو ” و” الدنيا ربيع والجو بديع ” وغيره.
ليس من اسف على الناس، فلكل واحد منهم قصته مع معتقداته ومع اعصابه، ومع ايماناته، فليس مشكلة ان يصاب جاهين بردة فعل، مثله كثيرون تساقطوا ..في الازمات الكبرى تظهر طينة المرء ومواقفه الحقيقية ، لايعيش الانسان على الصدمات، كل صدمة تغيره في اتجاه او تاخذه الى عالم مختلف كمثل الكثير من السياسييين اللبنانيين وغير اللبنانيين.
كانت فاتن حمامة فاتنته التي لعب معها اول فيلم ” صراع في الوادي ” ثم تزوجها ، لكنه شهرته التي بدأت ، فتحت له باب العلاقات النسائية وكانت فاتن تقرأ الكثير من الرسائل الغرامية التي ترسل اليه ، بل هي كم استقبلت معجبات اقتحمن المنزل لمصافحته . وحينما تباعدا ، ظل كلما ذكرت فاتن يقول بانها حبه الحقيقي ، ومن بعدها لم يتزوج مرة اخرى ، رغم الاقبال النسائي عليه .
رحلت فاتن قبل شهور قليلة وكان عمر يعيش حالة فقدان الذاكرة اضافة الى عصبية بارزة دفعته مرارا الى ضرب البعض ، وهو الذي كان يخاف على صحته ، وكان يخاف الألم ، وربما كان يتشارك مع كثيرين يطلبون الموت بلا ألم ولا مرض معقد.
الفن ضرورة اذن، خصوصا عندما يكون ملتزما ويحمل قيمه الاجتماعية .. كان ارنست فيشر افضل من عبر في كتابه ” ضرورة الفن ” عن علاقة الفن بالمجتمع ، ومثله كان الكاتب بريخت الذي شرح مفاهيمه في ” الاورغانون الصغير ” حيث اعتبر ان الفن من اجل التعليم وان المسرح تحديدا يضاف عليه مسألة الترفيه .. ان مقياس الفن هو في قدرته على استبطان الواقع ، في خلق معادلة فنية لهذا الواقع .. وكلما استطاع الفن ان يكون في حدمة مجتمعه ، يكون اصيلا.
من المؤسف ان لاتكون اكثر سمات فننا العربي اليوم خارج هذا النص .. الفن العربي اليوم ، يكاد ان يكون بمعظمه من اجل الفن فقط ، وليس من اجل المجتمع ولا هو مبني على هذا الاساس . لكنه احيانا لايلام ، فالواقع العربي المأزوم لن ينتج الا شبيهه، مع ان الفن احيانا يقدم مشاريع حلول للواقع وقد يساهم في تغييره.
ونعود الى عمر الشريف الذي احتل موته صدارة اعلام العالم تقريبا، اني حزين ليس لفقد احد عمالقة الفن وانا لم اكن قد اقمت معه علاقات شخصية، بل لما يتركه غياب كهذا على الفن ذاته، سواء كان السابع او الاول او العاشر .. من فراغ كبير .. فنحن نفقد مرحلة بكل أسف، بل نفقد عنوانا لايعوض اسمه اهل الفن الجميل، ليحتل مكانه تلك التجارب الجديدة او المتوسطة الموهبة او تلك التي لاتملك كاريزما الفن وخصوصا في السينما التي هي واجهة العمل الفني.
نحن لا ندفن قامة فنية فقط، بل ندفن جيلا كاملا اسعدنا طويلا ثم رحل بكامله بحيث لم يبق منه سوى بعض من فتكت بهم الشيخوخة وهم بتعداد اصابع اليد . من المؤسف ان جيل عمر الشريف بكامله غادرنا منذ سنين ، سقط مثل ورق الخريف واحدا اثر واحد . لكنه ترك وراءه ارشيفا من الافلام التي نتمسك بها كي نمسك بالاثر القيم لذاك الزمن ..
اهتم بالرموز لكن حسابات الزمن عندي تبقى المشكلة .. اذ لاشيء في فنون الاجيال التي ورثت جيل الشريف تمكنت من الارتباط به او امتعني ، او اشعرني بقيمته الفنية .. ربما تطور فنيا ، لكنه لم يقترب كثيرا من القيم الانسانية ، من افكار تخدم الانسان العربي .. صحيح ان السينما لاتغير ولا تصنع ثورة ، لكنها قيمة اجتماعية لأنها يجب ان تصب في خدمة مجتمعها .
ستظل صورة عمر الشريف وهو يطلق الرصاص في ” في بيتنا رجل ” وما تداعى بعده من احداث ماثلة في ذاكرتي .. وفي ” ايامنا الحلوة ” هي هكذا ايام كانت.
رغم معرفتنا بانقراض جيل ، الا ان المسألة تعود للذات التي تقبل الجديد او ترفضه .. ولذلك سأظل واقفا عند قديمي ، واشكر الكاميرا التي وثقته لنا ، ولست بحاجة الى استعادته ذاكرة بل رؤية كلما اردت الأمر .
كان جيلا أعطى دراساته لجيل جديد ، حمّله الراية ، اراد له ان ينصر الفن ، لكنه لم يستطع ، اراد فنا للفن ، ومتى كان الفن مجرد تقنيات ..! .
مثلما زرت يوما اضرحة سياسيين وفنانين مصريين ووضعت وردا عليها ، سأزور ضريح عمر لأبكي عمرا مضى، كانت الوانه بالابيض والاسود، والحياة الحقيقية اما ابيض او اسود، لاقيمة لما يشتق عنها من ألوان.

زهير ماجد

إلى الأعلى