الجمعة 28 يوليو 2017 م - ٤ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / منى السعودي .. نحتُ الحياةِ من صمت الحجر

منى السعودي .. نحتُ الحياةِ من صمت الحجر

عمّان – العُمانية:
فُتنت النحاتة الأردنية منى السعودي بالحجر منذ صباها، فارتبطت معه بعلاقة عفوية تتجلى فيها قيم الانتماء للأرض والإنسان معاً، وواصلت اشتغالها عليه حتى كادت تُنْطِقه لكثرة المدلولات التي بات ينطوي عليها بعد أن أضحى لوحة فنية.عاشت السعودي طفولتها بين المنحوتات المبعثرة في ساحة المدرج الروماني وسط مدينة عمّان، وكان بيتها جزءاً من موقع “سبيل الحوريات” الأثري بأعمدته المنقوشة وأقواسه. فلفت نظرها جمال تلك الحجارة وديمومتها رغم عوامل الزمن، وقد دفعها هذا لأن تحلم بأن تصبح نحاتة تُطوّع الحجر بإزميلها. يأسرها جمالُ الحجر فتقبض عليه بقوة لتبثّ فيه نبض الحياة عبر تكوينات وأشكال تعيد صياغة مفردات الكون وأما منحوتاتها التي تتوزع في حديقة منزلها وسط الأشجار والنباتات كأنما أوجدتها الطبيعة دونما تدخُّل من أحد، إلا شاهدٌ حيٌّ على إبداعات فنانة صادقت الحجر فَصَدَقَها. بعد أن أنهت دراستها الثانوية، سافرت السعودي إلى بيروت في عام 1963، وتعرفت هناك على النحات ميشيل بصبوص، وأقامت أول معرض لرسومها في مقهى الصحافة، الذي كان يشكّل منتدى ثقافياً في مبنى صحيفة “النهار”، وتعرفت هناك أيضاً على أعمال عدد من الفنانين والكتاب والشعراء ومنهم: أدونيس، وبول غيراغوسيان، وحليم جرداق، ونزيه خاطر، فتكوّنت لديها ثقافة واسعة في الشعر والرسم والموسيقى. واصلت السعودي دراستها في المدرسة العليا للفنون الجميلة بباريس التي سافرت إليها في عام 1964، وكان منهج التعليم في هذه المدرسة يرتكز بشكل رئيس على دراسة جسم الإنسان، عبر نحت ورسم الموديلات الحية والتماثيل القديمة، وعندها بدأت السعودي تكتشف العلاقة بين جسد الإنسان وجسد الأرض، فتعلمت أن الإنسان هو مركز الكون، وأنّ في جسده تكمنُ أسرار الحركة والتكوين ومبادئ الامتلاء والفراغ.
أنجزت السعودي أولى منحوتاتها في عام 1965، وعبر ضربات الإزميل جعلت جسدَ المنحوتة خشناً بما يشبه منحوتات الحضارة العربية. وبعد عودتها إلى بيروت في عام 1969، عملت مع أطفال المخيمات الفلسطينية، ثم واكبت مآسي الحروب رسماً ونحتاً، فجسّدت فكرة “أمومة الأرض”، وهو الموضوع الذي بدأت تركز عليه منذ أواسط الستينات، في تكاوين حانية أو متماسكة الأضلع ومتشابكة الأصابع. وفي مطلع الثمانينات ولجت السعودي تجربة المنحوتات كبيرة الحجم، وأنجزت أول منحوتة بارتفاع يقارب ثلاثة أمتار وأسمتها “تنويعات على حرف النون”، وذلك بوحيٍ من مقالة للكاتب والفنان كمال بلاطة عن كلمة “إنسان”، واختارت حرف النون لأنّ له خطوطاً دائرية تتمحور حول نقطة، وتكونت المنحوتة من ثلاث قطع تشكل
بمجملها الماضي، والحاضر، والمستقبل، في بناء عمودي. كما أنجزت في الفترة نفسها منحوتة من الجرانيت الأزرق، أطلقت عليها اسم “النهر”، كانت عبارة عن دائرة قطْرها متر ونصف المتر، وقد انطلقت في تكوين هذه المنحوتة من الشكل الدائري، ثم حفرت فيه ما يشير إلى النهر، وأضافت إليه الأجنحة. وكان النهر في المنحوتة يرمز إلى نهر الأردن، والجناحان إلى ضفّتَيه؛ الأردن وفلسطين. ثم توالت منحوتاتها الكبيرة بعد ذلك، ومنها: “دائرة الأيام السبعة”، و”هندسة الروح”. واصلت السعودي العمل على مجموعة منحوتات تتخذ أشكالاً تتكرر فيها العناصر نفسها بإمكانيات تشكيل متنوعة، وجميعها مستوحاة من الماء الذي يأخذ في منحوتاتها أشكالاً متنوعة، حيث يتّحد بالإنسان والتاريخ، ويأخذ أحياناً خطَّ جسد كما في المنحوتات المصرية. وإلى جانب تجربتها في النحت، كتبت السعودي الشعر، وفي عدد من تجاربها دمجت بين نصوصها ومنحوتاتها. وقد أصدرت مجموعتين شعريتين هما: “رؤيا أولى” “1970″، و”محيط الحلم” “1993″.. كما رسمت قصائد لأدونيس من ديوانه “مفرد بصيغة الجمع”، ومجموعته “رقيم البترا”، وأنجزت رسومات لقصائد عدد من الشعراء، منهم: راشد حسين، ومعين بسيسو، ومحمود درويش الذي جسّدت في أعمالها عدداً من قصائده من بينها “الأرض”، و”تلك صورتها وهذا انتحار العاشق” و”نشيد إلى الأخضر”، وذلك انطلاقاً من أن العمل الفني النحتي هو تجسيد للشعر وامتداد له. ويأتي معرض “شعر في الحجر” الذي احتضنه جاليري “لوري شبيبي” بدبي واستمر حتى 16 يوليو 2015، في هذا السياق، إذ اشتمل على عدد من المنحوتات التي تقدم جمالية الإنسان والأمومة والطبيعة، وعلى لوحات تمزج بين النص الشعري واللون. وتكشف منحوتاتها في هذا المعرض عن تعاملها مع الحجر بأسلوب تجريدي، وبناء علاقة من التضاد بين الصلابة والقسوة والقوة من جهة، والشاعرية والليونة والانسيابية من جهة أخرى، كما تُظهر أعمالها الأخرى وثاقة العلاقة بين النحت والشعر، “فالشعر جملة صغيرة تقدم إيحاءات كبيرة، والنحت هو تجسيد للشعر”.
يُذكر أن أعمال السعودي توجد ضمن مقتنيات عدد كبير من المتاحف والمؤسسات والمراكز الفنية حول العالم، ومنها: المتحف الوطني للنساء في الفنون بواشنطن، والمتحف الوطني الأردني للفنون الجميلة، ومتحف الشارقة للفنون، ودارة الفنون – مؤسسة خالد شومان بالأردن، ومتحف سرسق في بيروت، ودار الآثار الإسلامية في الكويت، ومتحف الفن الحديث في الكويت، ومتحف أصيلة في المغرب، ومعهد العالم العربي بباريس.

إلى الأعلى