الإثنين 27 مارس 2017 م - ٢٨ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / تقليد عيد فريد: جبانة طاقة تستمر

تقليد عيد فريد: جبانة طاقة تستمر

الثقافة الشعبية

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ” وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لا تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا ، وَلا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا ، أَوَلا أَدُلُّكُمْ عَلَى شَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ ؟ أَفْشُوا السَّلامَ بَيْنَكُمْ”

في تقليد عيد مستمر منذ أوائل القرن الثامن عشر سارت مثابة من أهالي الحارة القديمة في طاقة مسيرة العيد المسماة “الجبانة” من مسجد الشيخ العفيف إلى منزل الراحل الشريف (عال الهمة) علي بن محسن آل حفيظ الذي سن جد له هذه السنة الحسنة. وكان الراحل (توفي 1969) من شعراء ظفار المعدودين والكاتب بالعدل في طاقة في عهد السلطان سعيد بن تيمور حتى وفاته عام 1969. كما اشتهر بالجود والشجاعة وكان وحيد زمانه في الخط العربي والحساب.

وتقليد جبانة العيد هذا هو الوحيد من نوعه في السلطنة ودول الخليج العربية ولم يوثق تلفزيونيا حتى الآن.
وينشد السائرون قصيدة وعظية بليغة للشيخ الإمام عبدالله بن علوي الحداد رحمه الله (توفي عام 1720 ميلادي) الفقيه الشافعي المعروف وأشهر طبقات الشافعية وأرباب السلوك في القرن الثاني عشر الهجري . وينشد الصف الأول بيوت القصيدة الأول فالذي يليه ويردد الذين في الصفوف الآخر قول “شيء لله” عقب الشطر الأول و”يا الله” عقب الثاني. ثم الترديد: مدح النبي المختار يشفي القلوب… وينجلي عنا جمع الكروب. ومن أبيات القصيدة:

ما انتم الأغراب بل نحن أغراب
في هذه الدنيا محل الاكــــــدار
دار الفناء دار الغرور و الزور
ما تخدع إلا كل عبد مغــــرور
من لا بصيرة له و لا معه نور
لو كان يبصر لاعتبر بمن صار.

وتقدم الصفوف هذا العام كباقي الأعوام الأخيرة الشريف حسين بن محسن أل حفيظ والشيخ سالم بن علي بن علي المشيخي (حفدة الشيخ العفيف) والشيخ علي بن مسلم احمد المعشني والشيخ فيصل بن سالم فرج كوفان والشيخ عبدالله بن جمعان الراعي والشاعر سعد بن رجب المغني والشريف الدكتور علوي بن سالم بن علي أل حفيظ مدير عام المديرية العامة للثروة السمكية بمحافظة ظفار (حفيد عالي الهمة الشريف علي بن محسن آل حفيظ).

ويختم النشيد بهذين البيتين:
فالله يرحم جمعنا بفضلـه
ولا يعاملنا بقسط عدلـــــه
ببركة الهادي ختام رسله
احمد إمام المتقين الابرار

وتسير المسيرة في الصعيد القديم حيث تتوقف الصفوف أمام الدار يكملون إنشاد ما بقي من الأبيات. ثم يدخلون بعد ذلك لتناول “فوالة” العيد التي تضم أطعمة تقليدية منها الخبر الظفاري الرقيق الجاف (خبز القالب) واللحم المقلي بشحمة (المعجين) والحلوى العمانية.

ويشير البيتان الأخيران بوضوح إلى قدم عادة الجبانة وأنها ربما تأسست في حياة الشيخ الحداد نفسه (القرن الثامن عشر الميلادي) الذي يعد أشهر علماء جنوب الجزيرة العربية حيث ترك خلفه ديوان شعر معروفا ومؤلفات مؤثرة من بينها كتاب الحكم.

وتتبع المسيرة بمسافة زفة العيد (زامل) مصحوبة بالطبول والأبواق وهم يرجزون قصيدة قصيرة. وينظم قصيدة الزفة الشاعر سعد بن رجب المغني الذي حاز شهرته والده في نظم الشعر بالدارجة الظفارية في المحافظة.

ويتصافح الأهالي عقب الخروج من صلاة العيد وقبل صف صفوف الجبانة في فناء مسجد الشيخ العفيف الذي يعد من أقدم المساجد العامرة في محافظة ظفار والسلطنة حيث أسسه على التقوى في القرن العاشر الهجري الشيخ العفيف بن سعد بن عيسى (توفي عام 1600 ميلادي) وما زال المسجد معمورا بالأعمال منذ ذلك الحين. وآل الشيخ قبيلة من قبائل ظفار عرفت بالفضل في العلم والدين. كما أسس الشيخ العفيف نفسه في مسجده أول رباط علم في طاقه الجديدة وقد لقبه أقرانه من الفقهاء وأرباب السلوك بالشيخ العفيف صاحب طاقه حيث كان من أشهر طبقات الشافعية في زمانه.

وذكر المؤرخون (تاريخ ثغر عدن) أن خطبة خطبت في أحد مساجد طاقة الأولى بلغت من فصاحتها أن الألسن تناقلتها حتى دمشق في الشام.

وعرج أهالي الجبانة على مكتب والي طاقه سعادة الشيخ محمد بن سيف البوسعيدي لتهنئته بالعيد وتناول الفوالة كما جرت العادة منذ عهد السلطان سعيد بن تيمور ـ رحمه الله ـ. وتعد مدينة طاقة مركز ولاية طاقه التي تشمل نيابات مدينة الحق وجبجات وتحتل المرتبة الثانية من حيث عدد السكان في محافظة ظفار بعد ولاية صلاله. وتشتهر المدينة بأنها موطن السيدة الجليلة ميزون بنت أحمد بن علي تمان المعشني ـ رحمها الله ـ والدة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد ـ حفظه الله ورعاه ـ حيث شيعت إلى مثواها الأخير في طاقه عام 1992 في جنازة رسمية وشعبية مهيبة. ويمثل الولاية حاليا في مجلس الشورى سعادة سالم بن محمد المعشني. كما تكرم صاحب الجلالة السلطان بتعيين اثنين من مواطنيها في مجلس الدولة فترة 2011-2015 هما المكرم مسلم بن علي بن محمد المعشني والمكرمة خديجة بنت مبارك بن فرج كوفان.

وكجميع التقاليد الشعبية يشيع تقليد جبانة العيد الألفة والمحبة ويعزز روح الجماعة. كما أكدت أبحاث في علم النفس والانثروبولوجيا أن مثل هذه التقاليد تنمي الشعور بالانتماء وتحد من مشاعر العزلة وتفيد الصحة النفسية وجميعها من المقاصد الشرعية ليوم الأضحى وعيد الفطر.
والجبانة بالعربية هي الصحراء و المقصود مصلى العيد.

تقرير: محمد بن عبدالله العليان
إعلامي عماني وعضو الرابطة الدولية للكتاب العلميين ISWA

إلى الأعلى