الجمعة 15 ديسمبر 2017 م - ٢٦ ربيع الأول ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / أشرعة / الشاعر أحمد دحبور لـ”أشرعة”: كثيرا ما أستنجد بأمي لتدلني على معالم الطريق .. والشعر عدو الطمأنينة

الشاعر أحمد دحبور لـ”أشرعة”: كثيرا ما أستنجد بأمي لتدلني على معالم الطريق .. والشعر عدو الطمأنينة

شعر المقاومة لم يكن قراراً جمعياً أو موضوعياً، بل استجابة لإيقاع الحياة والتوغل في أسئلتها

دمشق ـ وحيد تاجا:
لم يخف الشاعر المبدع احمد دحبور انه كثيراً ما استنجد بأمه لتدله على معالم الطريق، وهذا ما يفسر قوة حضور ثيمة الأم في شعره، ومع ملاحظة وجودية هي أن هذه المرأة المتوفاة هي ملاكه الحارس. وعن رؤيته لموضوع الحداثة في الشعر العربي، أكد في حواره مع “اشرعة ” أن الحداثة قد انتصرت، ولكن الالتباس يكمن في حيرة بعض المخضرمين بين الحداثة بما تعنيه من تغيير جذري وبين بعض أشكال التجديد المحدودة. وحول مزجه الأجناس الأدبية في قصيدته قال إن مزج الأجناس الأدبية أمر يؤخذ بحذر شديد، لأن الأجناس الأدبية تفيد من بعضها مع الاحتفاظ بهوية الشعر.
ويعتبر الشاعر أحمد دحبور أحد القامات الكبيرة في الشعر الفلسطيني وفي الساحة الثقافية العربية بشكل عام، فهو شاعر وناقد وباحث وموسوعي. ولد في حيفا عام 1946 ، وبعد نكبة عام 1948م اضطر أهله للهجرة إلى لبنان ومنها إلى سوريا، نشأ ودرس في مخيم للاجئين الفلسطينيين قرب مدينة “حمص”. انضم إلى إحدى حركات النضال الوطني الفلسطيني وكرّس شعره لقضية الوطن المغتصب. عمل مديراً لتحرير مجلة “لوتس” حتى عام 1988م ومديراً عاماً لدائرة الثقافة بمنظمة التحرير الفلسطينية وعضو في اتحاد الكتّاب والصحفيين الفلسطينيين. يعيش الآن في الضفة الغربية. وتعتبر أهم أعماله “الضواري وعيون الأطفال” و”حكاية الولد الفلسطيني” ، و”طائر الوحدات” و”بغير هذا جئت” ، و”اختلاط الليل والنهار” ، و”واحد وعشرون بحراً” ، و”شهادة بالأصابع الخمس” ، وديوان أحمد دحبور “الكسور العشرية” ، و”هكذا بيروت”.

* بداية ، هل يمكن العودة إلى البدايات .. كيف كانت.. وما هي المؤثرات التي لعبت دوراً في توجهك إلى الشعر تحديداً؟
** هي بدايات تقليدية بسيطة، فقد كنت أقرأ لأهلي بعض القصص الشعبية ـ الزير سالم بصورة خاصة ـ حتى أصبح الزير شخصية ملازمة لطفولتي، ورأيتني أقلد الكلام المنتشر في هذه القصة وهو موزع على شطرين، كنا نسمي هذا النوع من الكلام، في المدرسة، النشيد والاستظهار، وكانت المفاجأة أن المدرسين قد شجعوني على ذلك، أما ملاكي الحارس المنزلي في هذا الشأن، فقد تجسد في جدتي العمياء التي أصبحنا، أنا وهي، نحفظ أحداث القصة عن ظهر قلب، ونسعد باستعادتها، وكان لي منافس يومها ـ هو صديق الطفولة المرحوم حمزة عباس ـ مما دفع زملاءنا التلاميذ إلى التعامل معنا بوصفنا شاعرين!. وأخذتني التجربة وتطورت حتى بدأت أغامر بتقليد “الاستظهار” الموجود في قصة الزير، ونشبت منافسة حامية في هذا الجانب بيني وبين حمزة، إلى أن صدمنا الأستاذ علي ـ اسمه علي صبحية ـ فأبلغنا أن الشعر حتى يكون شعراً يلزمه نوع من الوزن .. وهكذا أمكن أن نهتدي إلى الوزن في فترة مبكرة من العمر حتى رأينا أن الشعر اختيار، وقد يكون صعباً ولكنها صعوبة ممتعة، وهكذا مشينا في هذا الطريق.

* لفت نظري أنك ومنذ أصدرت مجموعتك الثانية “حكاية الولد الفلسطيني” سنة 1971 وحتى الآن ما زلت بعرف البعض ذلك “الولد الفلسطيني” .. حتى أنك شخصيا في مجموعة “هكذا” وصفت نفسك بـ”ولد وأَشْيَب” لماذا…؟
** كنت قد أصدرت مجموعتي الأولى “الضواري وعيون الأطفال” وأنا في الثامنة عشرة من عمري، أما فكرة “الولد” فقد نشأت من انتباهي إلى أنني تجاوزت مرحلة الطفولة، ولكنني كنت أصغر من أن أكون رجلاً، فاهتديت إلى صيغة الولد بما تعنيه من مغامرة بريئة ورشاقة في الحركة والاستجابة، وكنت ـ ربما بتأثير والدتي ـ أشعر أن الولد لا يزال حاضراً في روحي حتى بعد أن غزاني الشيب المبكر الموروث، والطريف أن بعض أصدقاء الطفولة ظلوا ينادونني بـ”الولد الفلسطيني” حتى أصبح اللقب جزءاً من اسمي وبعض شخصيتي الشعرية.

* عدت إلى الوطن، وزرت حيفا، بعد رحلة طويلة في الشتات .. هل يمكن الحديث عن حالة اللقاء .. وعن انعكاسات العودة على قصيدتك .. وهل يمكن أن يشعر الشاعر بغربة في وطنه .. وكيف تكون علاقته مع هذا الوطن عندها؟
** الشعور بالغربة في الوطن ليس مقصوراً على الشعراء، وإن كان الشاعر مرشحاً للإحساس بالغربة أكثر من سواه، ربما لأننا محكومون بصورة مؤلمة للوطن تخلقها المعاناة والاغتراب، ولا سيما في حالة الشتات الفلسطيني، والاغتراب نتيجة نوع من التقاطع بين صورة الوطن كما ترسمها الأحلام، وبين صورته الواقعية، وربما كان الشاعر الفلسطيني توفيق صايغ هو أول من قرأت له شيئاً من هذا البوح الموجع بأن وطنه وطنان يصطرعان، ومن الطبيعي أن يكون الوطن المنشود هو الملازم للروح.

* تعتبر الأم والمخيم من أهم “ثيمات” شعر أحمد دحبور .. هل لأن “خيط المخيم يربط الدنيا الجميلة بي” كما تقول في كتابك “هكذا”، أو عندما تشبه حياتك بالمخيم بقولك إن “هذا الكتاب من الغلاف إلى الغلاف مخيم” .. كما يرى النقاد ان الأم في قصيدتك ضاهت في حضورها فنياً إن لم نقل وجدانياً حضور أم الشاعر الراحل محمود درويش ؟.
** المخيم بالنسبة إليّ ليس مجرد مرحلة من العمر، ولكن المخيم ترك أثره في جيلي كله حتى غدا يرافقني إلى اليوم وقد اشتعل الرأس شيباً، إن للطفولة كيماءها وسحرها، يزيدها الفقر والاغتراب أثراً وتأثيراً، حتى أنني ـ في أحلام اليقظة ـ كثيراً ما أستنجد بأمي لتدلني على معالم الطريق، وهذا ما يفسر قوة حضور ثيمة الأم في شعري، ومع ملاحظة وجودية هي أن هذه المرأة المتوفاة هي ملاكي الحارس، حتى لا أقول بنوع من المفارقة: فمن مثلي، محروس من الأحياء بالميت، صحيح أن في كل منا أماً تظل مرشدة ورقيبة حتى آخر العمر، ولكن يمكن القول أيضاً إن الصحيح في تجربتي المتواضعة هو أن الأم كانت أكثر من ذلك، فهي لا تزال تحاورني ـ بعد غيابها ـ وكأنها في طيات روحي بصورة لا أتخيل نفسي إلا في مجال تأثيرها وحنانها.

* حفلت مجموعة (هكذا)، كما معظم قصائدك، بأنواع مختلفة من التناص، أكثرها حضوراً التناص مع الخطاب الديني، الإسلامي أو المسيحي، فضلا عن التناص مع الأسطورة والمثيولوجيا الإغريقية .. ويلاحظ اتخاذك مذهبًا خاصا في التناصّ، لا يستقيم مع ما يذهب إليه بعض نقاد الأدب ممن ظنوا التناصّ شيئا لا يختلف عن التضمين، أو الاقتباس، أو التلاصّ .. ماذا تقول؟
** أرى أن هذا السؤال يتبرع تلقائياً بإيجاد الجواب، لأنه ليس من العدل أن نقصر التناصّ على التضمين، بل إن التعبير نفسه ـ التناصّ ـ يمثل درجة من التفاعل بين النص الذي تحفظه الذاكرة، والنص الآخر الذي يتشكل أثناء عملية الخلق الفني، ولكن دعني أتحفظ على كلمة التلاصّ التي هي أقرب إلى الهجاء، كانت العرب تقول: وقع الحافر على الحافر، وذلك في معرض التشابه بين النص القديم والنص الجديد، ولو كان الأمر مجرد تلاصّ، لكان الحكم عليه أخلاقياً لا فنياً، ولأصبح كل جديد بمثابة سرقة من القديم، بينما الأمر يختلف، فلماذا لا ننتبه إلى سحر التفاعل الذي ينشأ منه نص جديد بالإفادة من نصوص سابقة؟ وحتى هذه الإفادة كثيراً ما تكون مشوبة بتأثير مجمل ما تحتفظ به الذاكرة، ولنعترف أن العملية ـ على بساطتها الظاهرية ـ معقدة، وقد شكا الشاعر العربي، منذ العصر الجاهلي، من تشابه الصور والألفاظ حتى قال زهير:
ما أرانا نقول إلا معاراً
أو معاداً من قولنا مكرورا
مع أن العين الحاذقة تستطيع أن تميز الجديد حتى وهو يولد من صلب القديم… أليس كذلك؟

* في ذات الإطار لفتني أسلوبك في استدعاء نماذج أدبيّة تاريخية للسخرية، والتهكم من حالة حاضرة، راهنة.. كما في حالة المعري مثلا.. لماذا..؟
** إن تفكيك كلمة “تناصّ” هنا قد يعطي بعض الجواب، فكما أن الحياة أخذ وعطاء، تبدو العملية الفنية متناغمة مع هذا القانون، إذ أن القراءات تتكامل ـ أو كما تقول العرب: يأخذ بعضها برقاب بعضها الآخرـ وعلى هذا فإن التعامل مع النص المحفوظ يضيف إلى العمل الإبداعي مزايا وخصوصيات قد لا تكون واضحة تماماً في ذهن الشاعر أثناء كتابتها، حتى ليعاد إنتاجها بصورة مغايرة، ويحضر في هذا السياق قول الشاعر:
حسب لحن ينتهي من وتري
أنه في صدر غيري يبدأ
ولكن بعد ملاحظة أن البداية الجديدة مرشحة لإضافة شيء جديد على اللحن الأول، وإلا لكان الشعر مجرد نقل من الجديد عن القديم، أما أننا نفيد من النماذج التاريخية فهذا طبيعي، وليست مهمة المدرسة التي اسمها الحياة إلا أن تمدنا بالقديم القابل لأن يظهر في صيغة جديدة سواء أكان الأمر بصورة ساخرة أم كان في التحفز لالتقاط فكرة جديدة، ولعل الحكمة المأخوذة من الحديث: ليس مني إلا عالم أو متعلم، هي التي تتكفل بضبط هذا القانون الذي تمليه الحياة والتجارب المتجددة.

* مازال النقاد يقفون مطولا أمام قصيدتك “جنسية الدمع” والتي كانت أقرب للشعر “الإلياذي” إن صح التعبير، أو حركة الدّمع الأسطورية التي كانت مفتاح العبور لوقائع ومتخيلات كانت تهيم كالغمام الرّماديّ في الذاكرة.. ماذا تقول الآن عن تلك القصيدة..؟
** يمكنني القول إنني استخدمت لغة مجازية بسيطة تكاد تقول إن جنسية الدمع ـ حسب معاناتي المباشرة ـ هي فلسطينية، بمعنى أن انفعالاتي ـ والحزن بعض منها ـ إنما تتأتى من التجربة الفلسطينية البكر: النكبة، فالتأمل، فالتحفز، فمحاولة الانطلاق، وهذه المراحل يشوبها حزن مشروع أو شجن تاريخي متقاطع مع هموم معاصرة يبدو سؤال الوطن ظاهراً فيها.

* تغريبة الروح.. “رهين الجثّتين”، “جنسية الدمع”، “لا أفرّط بالجنون”، أسماء قصائدك لافتة جدا ولابد للقارئ أن يتوقف عندها مليا قبل التوقف مطولا أمام كلماتها ومعانيها، كيف تختار اسم القصيدة، وما أهميته بالنسبة إليك؟
** شكراً… شكراً، فقد رأيت في السؤال أريحية وروحاً محبة، أما كيف أسمي القصيدة، فالأمر لا يتعدى كون العنوان جزءاً عضوياً من القصيدة، وكثيراً ما تكون كلمات العنوان منتشرة في جسم القصيدة، فاللغة غير بريئة وإنما هي خلاصة أفكار وصور ومشاعر غامضة أحياناً، ولعل سحر الشعر، أي شعر، يكمن في الغموض، على أن يكون واضحاً، إن الغموض لا يعني الإبهام، فأنا أزعم بأني أعرف ما أريد، وليس رهاني على الكتابة إلا سعياً دائماً إلى توصيل ما أريد، ولكن لما كانت لغة الشعر مجازية وليست إخبارية بالمعنى المباشر للكلمة، فمن الطبيعي أن الصورة الشعرية لا تعطي القارئ نفسها بسهولة، ومن هنا قبل إن المعاني تتعدد أحياناً بقدر تعدد القراء.

* تلجأ لاستخدام أساليب عديدة في القصيدة، والسؤال ما الذي يحدد شكل القصيدة عندك؟
** بعيداً عن الفذلكة والاستنباط الذهني، أرى أن القصيدة هي التي تملي شكلها على الشاعر، صحيح أن هناك نواظم مشتركة في كل تجربة شعرية، ولكنك ترى داخل هذا المشترك عددا من الأواصر والملامح المتشابهة، بدليل أننا قد نعرف الشاعر قائل هذه القصيدة، أو تلك، من خطابه الشعري العام، وفي تجربتي المتواضعة أرى نزعة غنائية، وقدراً من الترابط العضوي بين عناصر القصيدة الواحدة، فضلاً عن أني مشبع بالتراث الذي قد تطل مفرداته من بين ثنايا قصيدتي الحديثة، ثم إن هناك ظاهرة، سبق أن أطلق عليها لوركا اسم الروح المبدع، وهي تلك الملامح المشتركة بين قصائد شاعر معين حتى لتتشكل هذه الملامح بمجملها، طيف الشاعر أو شخصيته الفنية.

* أيضا، اتخذت “قصيدة الومضة” عندك طابع تأملي يصغي إلى مفردات الحياة اليومية والخاصة منها.. وسؤالي كيف ترى قدرة هذه القصيدة التأثيرية في وجدان المتلقي، وخلقها أثراً تردّدياً كبيراً في داخل المنظومة الحدسية للقارئ؟
** من الطبيعي أنني لا أنفرد بظاهرة “الومضة الشعرية” التي غدت من سمات الشعر الحديث، ولعل أدونيس هو من أنضج هذه الظاهرة منذ مجموعته “أغاني مهيار الدمشقي”، ولكن لأن هذا الأسلوب هو الرجل، كما يقول الفرنسيون، فإن القصيدة سواء أكانت درامية أم ومضة أم سلسلة مشاعر، تكون أشبه بالبصمة بالنسبة إلى الشاعر، وكما أن لكل إنسان بصمته الخاصة، فإن لكل شاعر ومضته وطريقته في إخراجها إلى النور، أما التأثير فيأتي من خلال التراكم والنواظم المشتركة لكل شاعر، هذا لا ينفي أن هناك تشابهاً في بعض التجارب على ألا يكون هذا التشابه نوعاً من نسخ تجارب الآخرين، فأنا مثلاً، ابن جيل معين، وابن تربة معينة، وبشيء من التساهل ابن ثقافة معينة، لكن هذه العناصر مجتمعة لا يجوز أن تجعلني نسخة عن سواي، أما كيف أحصل على هذه الخصوصية التي تميزني عن سواي، فهذا هو سؤال الأسئلة الذي لا يكون الشاعر شاعراً ما لم يجد الإجابة عنه على طريقته.

* أيضا يلحظ مزجك أحيانا بين النثر والشعر في كتابة القصيدة وكأنك تحاول توليد أوزان خاصة في القصيدة الواحدة.. وسؤالي كيف ترى مسألة عدم وجود فواصل واضحة بين الأجناس الأدبية؟
** لو كنت لا أرى تلك الفواصل، لما كنت أستحق حتى إجراء هذا الحوار، فالشعر شعر والهذر هذر، أما من هو الذي يقرر هذا أو ذاك، فهو مجمل العملية الثقافية بتراكماتها وتجاربها وتحولاتها، وبالعودة إلى “توليد الأوزان الخاصة” أخشى أن يكون هذا سبقاً لا أدعيه، إذ أنني مخلص لتجربتي العروضية، وأجتهد في تقديم صوتي الخاص من خلال هذه التجربة أو غيرها، ولكن دعني أعترف بأنني منذ البدايات شغفت بالمغامرة الإيقاعية حتى أنني أصدرت مجموعة بعنوان “واحد وعشرون بحراً”، مع أن البحور المعروفة تاريخياً هي ستة عشر، ولم أتوقف عند تلك المجموعة فأنا أحاول باستمرار حتى لو كنت لا أدري إلى أين سأصل في هذه الطريق، أما مزج الأجناس الأدبية فهو أمر يؤخذ بحذر شديد، لأن الأجناس الأدبية تفيد من بعضها مع الاحتفاظ بهوية الشعر، لهذا قد تراني أفيد من السرد أو الحوار شبه المسرحي أو المقاطع الشعرية المتعاقبة، ولكنني فيما أجرب وأغامر، أظل مشدوداً إلى حبل السرة الشعري، لأنني عندما أخرج عن الشعر ـ لا سمح الله ـ أكون قد ارتكبت جناية أشبه باغتيال المشروع الشعري، دعني أحاول، فالحياة سلسلة محاولات، ولكنني ممتثل في النهاية لقانون الجمال الذي يجعل من الشعر شعراً، وإلا فإنني أهرف بما لا أعرف.

* يرى أحد النقاد أن الإنجاز الأهم للشعر الفلسطيني الحداثي، تمثل في خروجه من السياسي/ الأيدلوجي إلى فضاء الإنساني .. ما قولك؟
** أرجو أن يصعد هذا الكلام من فمك إلى باب السماء، لأن التهمة التقليدية الموجهة إلى الشعر الفلسطيني، هي أنه تغلب عليه السياسة، ولكن لنترك أحاديث المقاهي جانباً ونتأمل جوهر العملية الشعرية التي لا جنس لها ولا جنسية، فالشعر إما أن يكون، أو أنه شيء آخر خارج الموضوع، وهو بهذا ـ أي الشعر ـ حالة مركبة من الصور والأفكار والبناء والانفعالات والحنين إلى الغامض غير المبهم.

* بالتالي، كيف تنظر إلى شعر المقاومة الآن، وهل تمثل عودة الشاعر الفلسطيني إلى الذات انسلاخا عن مجتمعه وقضيته.. أم أن أسئلة الشعر هي التي تطورت ومفهومات الشعر تعمقت، بحيث أصبح سؤال الشعر سؤالاً شخصياً؟
** في العربية نلحظ علاقة حميمة بين الشعر والشعور، وكلما تطابقت الحالتان: الشعر والشعور، تتعمق عرى العلاقة بين الذاتي والموضوعي، فالشعر ليس نتاج غدة درقية أو روحية تنتج أفكاراً وصوراً، بل هو نتاج تلك المعادلة البسيطة والمعقدة في آن معاً، فعندما انبثقت ظاهرة شعر المقاومة، لم يكن قراراً جمعياً أو موضوعياً، بل هي استجابة لإيقاع الحياة والتوغل في أسئلتها، وبهذا يصعب القول بعودة الشاعر إلى الذات، لسبب بسيط، هو أنه لم يخرج منها أصلاً، ولكن الذي يحدث أن مستوى الحساسية يتفاوت بين شاعر وشاعر، وبين تجربة وتجربة، وإلى ذلك تملي الحياة شروطها علينا بالتجدد ومواكبة إيقاع العصر، فالشعر لم يصبح سؤالاً شخصياً، لأنه لم يكن غير ذلك، على أن الشخصي يتطور بتطور أسئلة الحياة نفسها، فهو توق دائم إلى ما ليس في اليد، وبحث دؤوب عن مفقود لم يضع، حيث تترابط الأزمنة وتتداخل، ويظل القلق الداخلي جاهزاً ملحاً لاجتراح الجديد، والجديد يعني أننا نتعلم ـ إن لم نكن كذلك فيجب أن نتعلم ـ حيث لا أمل في الوصول، لا بمعنى العبثية أو اليأس، بل لأن درجات الشعر على درجة من التعقيد حتى لتشتبك مع كل سؤال جديد بعد كل مرحلة، أذكر أني كتبت في فجر شبابي أن الشعر عدو الطمأنينة، وما زلت عند هذا الرأي، فالشاعر لا يتوقف عند كلمة أخيرة إلا بالموت، وطبيعي أن مغامرة الحياة ليست إلا مماطلة الموت، أو على الأقل مكابرة وجودية في إنكاره، مع أن الموت قد يكون واقفاً على الباب.

* في أحد حواراتك قلت إن الثقافة الفلسطينية حتى الآن ثقافة مونولوج، حوار مع الذات، نحن بحاجة إلى ثقافة الديالوج، حوار مع الآخر، لا أقصد الأخر هو العدو .. لا، بل الآخر أي صوت أخر،.. هل يمكن إيضاح الفكرة؟
** حين قلت هذا فقد كنت ـ ولا أزال ـ أنطلق من بدهية أننا لسنا وحدنا في هذه الدنيا الشاسعة، وما زلت مسحوراً بالحديث النبوي: ليس منا إلا عالم أو متعلم، وأن تضع نفسك باستمرار في خانة من يتعلم، يعني أن فضاءك ليس مغلقاً على معلوماتك الأولى، فقد تحدث الآن، فيما يجري هذا الحديث، حركة في الطبيعة أو في مجال العلوم قد تدفعنا إلى مراجعة معلوماتنا السابقة كلها، وعلى مستوى آخر قد يبتكر العدو فكرة هجومية تزعزع الكثير من مسلماتنا السابقة، ولهذا لا يمكن إيداع الحياة في بنك المحفوظات، فالمحفوظات تتفاعل وتتطور وقد تشهد حالات من التناقض، ونحن كبشر لسنا في مهب الريح إلا من حيث التسليم بقانون الحياة والموت، والأسئلة لا تكف عن الانفجار في وجوهنا، وإلا فهل كان جيلي مثلاً ليصل إلى عالم الفضاء لولا مغامرة العقل البشري وإصراره على الفتوح المعرفية؟ والمعرفة بدورها هل يمكن أن تتوفر من غير الاكتشاف، اكتشاف الذات، واكتشاف الآخر، واكتشاف مزيد من أسرار الوجود، قلت سابقاً إن الشعر عدو الطمأنينة، ولا أزال ألح على هذه الفكرة، ويحضرني في هذا المجال ما قاله إيليا أبو ماضي الذي كان شاعر طفولتي وشبابي الأول:
لا أكتفي وأخاف أني أكتفي
فكأنما في الاكتفاء حمامي
وها أنذا لا أكتفي، حتى لا أجرؤ على وضع نقطة أخيرة في خاتمة السطر، لأن هناك الكثير من الكلام الذي لم نقله ولم نسمعه ولم نقرأه بعد، رحلة شاقة، ولكن ما معنى الحياة من غيرها؟

* يرى بعض النقاد والشعراء والقراء أيضا، أن الشعر الحديث قد وقع في مأزق، ظهرت فيه مؤخرا علامات حنين إلى القديم، فترى شاعرا من رموز الحداثة في العراق، مثل عبد الرزاق عبد الواحد، يكتب القصيدة التقليدية هذه الأيام حسب نظام بيت الشعر الصارم، ترى هل صدقت نبوءة نازك الملائكة التي تقول بإفلاس الشعر الحديث، وبضرورة العودة إلى القصيدة العمودية؟
** مشكلات بالجملة يحلها هذا السؤال المركب، فالقصيدة الحديثة ـ في أحد مستوياتها ـ قابلة لمختلف الصياغات، ولعل السياب ـ رحمه الله ـ ممن أعطوا دروساً في تنويع البناء، داخل القصيدة الواحدة، فقصيدته من رؤيا فوكاي “مثلاً”، تنشئ جدلاً بين التعامل مع أسئلة الحداثة، وتنتهي بمقطع كلاسيكي البناء، وحتى محمود درويش قد تجد لديه بعض المقاطع الغنائية التي تذكرنا بمرحلة نزار قباني، فالشعر الحديث ليس قالباً مصمتاً، بل يحتمل التنويع في التعبير والتصوير، أما نازك فقد صدمت قراءها ـ في كتاب “قضايا الشعر الجديد” ـ بنوع من الردة الفنية جعلت صاحبة القصيدة الرائدة “الكوليرا” تبدو وكأنها تحن إلى نوع من السلفية الجديدة، وهذه ـ في رأيي ـ مسألة شخصية أكثر منها فنية، فالشاعرة التي كانت تنافس على من هو رائد القصيدة الحديثة فاجأتنا بالتراجع المؤلم عن كثير من مواقفها، حتى أنها وهي “توافق” على القصيدة الحديثة تشترط أن تكون هذه القصيدة محدودة بعدد معين من التفعيلات للسطر الشعري الواحد، إن هذه الردة عند نازك، لم تقتصر على حداثة الشعر، بل على نهج الحداثة من حيث المبدأ، ولعه أمر لافت للنظر أن هذه الشاعرة عندما كانت في مقتبل العمر، كانت مقبلة على الشعر الحديث حتى لتزعم أنها مؤسسته الوحيدة، ثم بدأت تتراجع عن مواقفها بشكل مؤلم، كأنا تقول: أنا التي علمتكم كيف يكون الشعر الحديث، وأنا آمركم أن تعودوا إلى عقلكم فتكتبوا كما أريد، بينا كان السياب والذي نافسها على الريادة يواصل معركة الحداثة حتى وهو يحتضر، وهكذا هي الدنيا، فثمة انطلاق وثمة مثابرة وثمة ردة، وأما ما ينفع الناس فهو انتصار الشعر الحديث حتى أصبح كالجائحة التي لا راد لها ولا تراجع عنها، بين احتمال مفتوح للمفاجآت التي تتسع لا لشعر التفعيلة وحده، بل حتى لقصيدة النثر، وإلا فهل يوجد عاقل مثلاً ينكر شاعرية محمد الماغوط؟ والتجريب لا يقف عند الماغوط، فماذا نقول مثلا في مغامرات أنسي الحاج وتوفيق صايغ؟ وأدونيس نفسه ألم يحقق فتوحات شعرية وصفها المستشرق جاك بيرك بأنها استقصاءات واسعة في تجديد الشعر؟

* هل يحق لنا أن نسأل لماذا لم يحسم موضوع الحداثة في الشعر أو في الأدب بشكل عام بين مثقفينا حتى الآن؟
** أخشى أن في هذا السؤال نوعاً من المصادرة على المطلوب، بمعنى أنه ينطلق مسبقاً من فكرة قد لا نكون متفقين بشأنها تماماً، فأنا مثلاً أعتقد بأن الحداثة قد انتصرت، ولكن الالتباس يكمن في حيرة بعض المخضرمين بين الحداثة بما تعنيه من تغيير جذري وبين بعض أشكال التجديد المحدودة، فالحداثة في مستواها الأول، كما أراه، هي القطيعة مع الكثير من المعطيات السلفية، والانحياز إلى الجديد بما هو إعادة إنتاج النظرة إلى المعرفة والفلسفة والعلم، كان الفلسطيني المرحوم توفيق صايغ شاعراً حداثياً بامتياز، لكن نازك “المتهمة” بأنها رائدة الحداثة قالت إن هذا الشاعر لم يكتب في حياته إلا نثراً مثل النثر، فيما أعطاه السياب صوته بحرارة، ووصفه خليل حاوي بأنه قد يكون المجدد الوحيد بين مخضرمين، على أي حال، قد لا يكون صايغ هو موضوعنا ولكنني أستخدم اسمه كوسيلة إيضاح لفكرتي، وفكرتي المتواضعة هي أن الحداثة إذا كانت تشكل قطيعة مع الماضي فإنها تنشئ صلات جذرية ـ جديدة بالضرورة ـ مع الواقع وتستشرف المستقبل.

* من المعروف أنك ترفض بقوة هيمنة السياسي على الثقافي وهيمنة الشروط السياسية على الشروط الفنية، وسؤالي كيف تنظر إلى علاقة المثقف بالسلطة السياسية.. وما المطلوب من المثقف الفلسطيني في هذه المرحلة بالذات؟
** طبيعي أن يعمل الشاعر، ما استطاع إلى ذلك سبيلا، على استقلال قصيدته عن الضغوط والمؤثرات، فالشاعر قد يكون عرافاً يستشرف المستقبل، ومحرضاً على عملية النهوض والفعل، وهو قبل هذا، شاهد على ما يرى، لكن هذه المحددات تقع في الإطارات العريضة لعملية الالتزام، ويبقى أن يكون باستمرار حراً في اختياراته هذه، فهو لا يكتب نصه بقرار، ولا يمحو نصاً سابقاً له بقرار، ومع ذلك فهو محكوم بقرار وجودي يضعه في موقع مسؤولية ما، لا بهدف الاسترضاء ولا البحث عن السلامة أو المغانم، إن الشاعر، كما أرى، عبد للحرية، ورحم الله من قال: وما شيمة لي غيرها تشبه العبد. وعلى هذا يبدو الالتزام المبدئي شرط وجود للمبدع الحقيقي.

* كيف ترى الفارق بين شعر الداخل الفلسطيني وشعر الشتات.. وبالتالي هل ترى أن الشعر الفلسطيني بشكل عام خلق معادلاً فنياً للقضية الفلسطينية؟
** الشعر هو الشعر بشرط اكتمال مقوماته الفنية، وقد يتحكم التنوع الجغرافي بتعدد الأساليب، فشعر الداخل هو ما اصطلح عليه الشهيد غسان كنفاني باسم شعر المقاومة، مع أن الشعر الفلسطيني المكتوب في المنافي هو الذي اشتهر بهذه التسمية، والجوهر واحد، فالشعر الفلسطيني كان من العلامات المميزة للثقافة الفلسطينية المعاصرة بشكل عام، بل إن الشاعر كان يأخذ الدورين معاً، فدوى طوقان كانت قبل هزيمة حزيران 1967 تعتبر من شعراء الخارج، وبعد النكسة واحتلال الضفة، ومنها نابلس، أصبحت شاعرة أرض محتلة، ومحمود درويش عندما كان لا يزال في فلسطين، كان عنوان شعر الداخل، وعندما انتقل إلى القاهرة ثم بيروت فتونس، أصبح أشهر شعراء فلسطين والعرب في المنفى، أما مجمل النشيد الشعري فقد كان معادلاً موضوعياً على مستوى التعبير للقضية الفلسطينية، والأهم من هذا أن الشعر الفلسطيني كان ولا يزال ذا نبرة غنائية وصيغة مركبة، وقد أفرز أسماء نوعية في فضاء الثقافة العربية فكان محمود درويش وسميح القاسم وتوفيق زياد ويوسف الخطيب وكمان ناصر وفدوى طوقان، والقائمة أطول من أن يتسع لها هذا المقام، أما الفرق بين هذا وذاك من الشعراء، فهو فرق نسبي لتعدد المدارس الفنية والاختيارات الوجودية، مع أن الناظم المشترك ـ الذي هو النكبة ـ ظل يعطي إشارات وعلامات تنبئ بخصوصية كل شاعر على حدة، وإذا كان الاختلاف على اعتبار محمود درويش سيد التحول الفلسطيني، فإن مشهدنا الثقافي يحظى بقامات شعرية أكدت حضورها على المستوى العربي منذ أيام المعلم الرائد أبي سلمى إلى آخر شاعر يناطح الورق والذاكرة، والدراما لتوكيد حضور فلسطين في الوجدان العربي والعالمي.

* سؤال أخير ..هل سبق وكتبت قصيدة ما بقرار؟
** هذا وذاك، فلحظة انبثاق القصيدة هي لحظة إشكالية، يتداخل فيها الوعي واللاوعي، وكثيرا ما يكد الشاعر ليستجيب لمناسبة ما فلا يفلح، وقد تفاجئه القصيدة وهو في الطريق، ولكني على المستوى الشخصي ما إن أبدأ بكتابة القصيدة حتى أشهر القلم، فأنا لا أطيق الارتجال مع أن بعض الصور قد تأتي عفو الخاطر، وتظل الإجابة الخالدة عن هذا السؤال، تقول إن في الإبداع لحظة تطابق بين الذاتي والموضوعي، ثم إنني لا أومن ببراءة القصيدة أو بكارتها، فالنص عندي قابل للحذف والإضافة حتى أعتمده نصاً نهائياً، قلت ذات يوم إن الشعر عذاب، وليس هذا دلالاً ولا تدلعاً على الشعر، بل إن العمل الإبداعي مرهق، وكان بدوي الجبل، شاعر العرب الكبير، يقول إن القصيدة الجادة تسبب له أرقاً ونقصاً في الوزن، هل كتبت قصيدة بقرار؟ هذا بالنسبة لي سؤال محير، فأنا لم أضبط إيقاعي الرقابي حتى أقرر ما أكون عليه عندما أكتب، ولكنني أكتب لأنني أحيا، وتلك هي الحياة…

إلى الأعلى