الجمعة 20 يناير 2017 م - ٢١ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / نافذة لغوية (168) : عن اللغة في الصحف 1/2

نافذة لغوية (168) : عن اللغة في الصحف 1/2

في كتاب ( مدخل إلى اللسانيات ) الذي ألّفه بالفرنسية ( رونالد إيلوار ) وترجمه الدكتور بدر الدين القاسم ، يتحدّث المؤلف عن النحو الوصفي والنحو المعياري ، وتلك مسألة من المواضيع الحيوية، والشاغل المؤرّق عند من يهتم بقضايا اللغة من العرب. يقول المؤلف بعد تعريف الأسلوبين وإشارته إلى أنه لا يمكن التخلي عن أحدهما تربوياً وإلا أفضى بنا ذلك إلى مأزق حرج ، يقول : ” لقد وضعت أوائل كتب النحو تلبية لهذه الحاجة ( أي لتصويب الأغلاط ) واعتمدت تقريباً طريقة قل ولا تقل وتوجّهت إلى قرّاء أجانب أرادوا أن يتعلموا اللغة الفرنسية وقام بتصنيفها في بادئ الأمر مؤلفون إنجليز أجادوا اللغة الفرنسية حتى يهتدي بها مواطنوهم من كانوا أقل إلماماً بهذه اللغة ” ثم يضيف قائلاً : ” وغالباً ما نجد الصحف في يومنا هذا تفرد زاوية لغوية للرّد على الأسئلة والملاحظات التي تردها من القرّاء حول قضية معينة تتعلّق باستعمال اللغة. وطالما حرص الفرنسيون على ما يسمّونه صحّة التعبير أو أناقة التعبير أو الاقتداء بالفحول من الكتّاب أو بالأسلوب الذي أقرّه المجمع العلمي فهم يصدرون دائماً في أحكامهم عن مبدأ معياري “.
والذي دعاني إلى اقتباس هذا النص وإثباته هنا إشارة هذا اللغوي إلى أن معالجة القواعد النحوية يمكن أن تكون بتحصيل العبارات اللغوية وتذوّقها وفهمها دون استفسار عن وجه الصّحة الذي يتعيّن التقيّد به في الأساليب ، كما يمكن أيضاً أن تلجأ إلى تتبّع الأغلاط وتصويبها وصولاً إلى العبارة السليمة المقبولة. وإذا ما أخذنا بمثل هذا الرأي التربوي وأمعنّا النظر إلى اللغة بأكثر من منظار أو أسلوب ، وقفنا على دقائقها وألممنا بخصائصها على نحو أكمل وأكثر أصالة وإتقاناً ، فاللغة لا تبدي وجهاً واحداً مسطّحاً ، بل أن أساليب الكتابة الأدبية فيها تفصح عن ألوان من الفنون ، وللفنون تنوعها ومدارسها وتطوّرها ، وكذلك اللغات لا حياة لها ولا غنى فيها ما لم يكن الإبداع والتجديد والتوليد ظاهرة حيوية فيها وفي أساليبها. ولكن من غير ترخّص بقواعد السلامة والأصالة والإفهام.
أما إشارة ذلك اللغوي إلى تخصيص زاوية في الصحف اليومية تتعلّق باستعمال اللغة فأمر ينمّ على اهتمام قومي وجماعي واجتماعي باللغة بصفتها أكبر الظواهر التي يمارسها الإنسان في المجتمع تنظيماً وإيصالاً وتفاهماً ، وهي وعاء لحضارته الإنسانية ، ثم إن الصحافة اليومية عرفت مثل هذا الاهتمام باللغة في كل من إنجلترا وأميركا وألمانيا ، كما أولته الصحافة العربية اهتماماً واسعاً في مطلع عصر النهضة فكان عاملاً أساسياً في الإبقاء على العربية السليمة والروح القومية ورقيّ الفكر العربي.
مما لا شك فيه أن وسائل الإعلام مؤثِّر مباشر على لغات الناس وطريقة استعمالهم للغة، وأن للصحافة دوراً لغويًّا في النهوض باللغة … فمع تراجع أثر التعليم، وهبوط شعبية الكتاب، وسوء حال دور النشر، وانتشار ثقافة الصورة، أصبح الناس يقرؤون الصحف أكثر مما يقرؤون الكتب، وأصبح للغة الصحافة دور كبير في تغيير اللغة لدى الناس؛ لأن اللغة العربية اليوم على حدّ تعبير الدكتور محمد حسن عبدالعزيز في كتابه (لغة الصحافة المعاصرة) ” لم تعد اللغة التي يعرفها الباحثون في التراث العربي القديم؛ فقد أصابها كثير من التغيير: في معجمها، وفي طريقة بناء الجملة فيها، ولم يعد تجاهل هذه التغييرات يجدي كثيرًا، ولم يعد يجدي أيضًا التغاضي عن المصاعب التي يعاني منها العلماء والمترجمون عندما يقصدون إلى التعبير الصحيح، وإن الأمر يقتضي جهدًا كبيرًا في سبيل تطويع اللُّغة للوفاء بحاجة هؤلاء وأولئك، وهذا يلقي عبئًا كبيرًا على كاهل العلماء واللغويين لتحقيق هذا الهدف”.
ولعل الاطلاع على بحث للأستاذ الدكتور إبراهيم السامرائي ـ رحمه الله ـ يوحي بالأثر الذي تتركه لغة الصحافة على اللغة العامة، حيث استطاع في بحثه (ضرب من التطور في الصحافة العربيَّة) أن يحصي ويتتبع ألفاظًا وتراكيب شاعت في لغة الصحافة المعاصرة في المشرق العربي، وفيها شيء من الخروج على المألوف من قواعد العربية، لكنه لم يجد غضاضة في قبولها والعمل بها؛ “لأنها تمثل عربية جديدة لا تضارّ لغتنا لو أدخلناها فيها، وهي تمثل لغة جديدة أحدثها صحفيون ليس لديهم حسٌّ لغويٌّ يميِّز بين الخطأ والصواب”.
يقول رحمه الله: هذه العربيَّة قد اكتسبت الشيوع حتى راحت تغزو مساحات واسعة في الذي يُقال والذي يُكتب، ولست بعيداً عن هذا الذي تقرؤه في الصحف وأنت تسمع المعربين في البيت والمدرسة والجامعة والمسجد ، ومن ثَمَّ فليس لك أن ترمي جملة هذا بـ”لغة الجرائد”، ولا أحسبه يقصد عموم الإقرار لهذه الأساليب والموافقة عليها بقوله ذلك؛ ولا سيَّما أنَّه يعترف بفساد النَّظم وسوء التَّركيب في بعض تلك التَّراكيب.
ويمكن إيجاز أهم النقاط التي أشار إليها الدكتور السامرائي في بحثه المذكور ـ مما يحدد خصائص أسلوبية للغة الصحافة ـ في الأمور الآتية:
1- إنَّ من خصائص هذه اللغة المتأثرة باللغات الأعجمية من إنجليزية أو غيرها ، طول الجمل بحيث يأتي ما ندعوه المسند إليه في ابتداء الكلام، ولكنَّك لا تظفر بالمسند الذي يتم به المعنى إلا بعد كلام طويل ، وقد يتجاوز هذا المعترض في طوله حدًّا يكاد القارئ فيه ينسى أول الجملة.
2- إن ابتداء الكلام بـ”كما” يأتي بعدها جملة طويلة معلَّقة في فهم المراد منها على كلامٍ آخر مبدوءًا بقولهم : “فإنَّ أيّة دولة … ” يُشعر القارئ أَنَّ القائل أراد بـ”كما” ما يراد من أدوات الشَّرط ، وأن الأسلوب شرطي، ومجيء الفاء يشعر بهذا. وليس هذا مما نعرفه في العربية ، ولكنَّه جديد حفلت به العربية المعاصرة.
أما إذا ابتعدنا عن مجال الصواب والخطأ واستحداث لغة جديدة فإن لغة الصحافة ـ من حيثُ الأسلوب ـ تُعدّ أيسر وأبعد عن التعقيد من غيرها، من ناحية المفردات والرصف اللغوي، ولذلك يجب الحرص على أن تكون هذه اللغة ذات استعمال للرخص اللغوية من غير انحدار إلى تحطيم القواعد أو إلغائها، لعلَّها حين تكون كذلك تصبح مدعاةً إلى إقبال الناس على العربية واستعمالها وفهمها …. يتبع

د.أحمد بن عبدالرحمن بالخير كلية العلوم التطبيقية بصلالة
balkher1971@gmail.com

إلى الأعلى