الإثنين 21 أغسطس 2017 م - ٢٨ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / قراءة في أعمال الفنان التشكيلي موسى عمر

قراءة في أعمال الفنان التشكيلي موسى عمر

الهوية والحداثة

الهوية والحداثة ثنائية راسخة في الفن التشكيلي العماني. هذه المدرسة العربية التي اتسمت، وما تزال، بالحفاظ على الموروث الثقافي والفني للحضارة التي عرفتها هذه السلطنة، كجزء لا يتجزأ من موتيفات الفنانين التشكيليين العمانيين. فالفنان العماني اليوم أصبح يلجأ إلى الإرث الثقافي والحضاري لبلده و(العربي) ليجعل منه موضوعا لأعماله أو جزءًا استيتيقيا داخله. موظفا إياه عبر طرق وأشكال تعبيرية وتشكيلية مختلفة ومتعددة. وإن كان البعض، لا الكل، يقتصر الاشتغال على التراث لديهم على إعادة نقل وتكرار الموروث المادي (الأزياء، العمارة، الطبيعة، الهندسة…) لا تفكيكه واستخلاص فلسفاته وما ورائياته. وهذا لا يمنعنا من التأكيد والقول جزما أن المدرسة العمانية، منذ عقود قريبة ذهبت إلى تحديث أساليبها واتجاهاتها مع فنانين تدفعهم الرغبة الملحاحة على التجدد داخل أساليب تجريبية وأخرى أكاديمية، عبر توظيف تقنيات حداثية وحديثة داخل المنجز التشكيلي العماني، من كولاج ومونتاج، وفنون التجهيز والفيديو والكومبيوتر، كما الإنشاءات الفنية les installations، محاولات ناجحة في مسايرة كل ما هو حداثي – فني يعرفه العالم اليوم.
وإن كان عمر الفن التشكيلي العماني لا يتجاوز الخمسة عقود، فقد عرفت ساحة الفن العماني بزوغ فجر تجارب هامة وجادة كما احترافية. تجارب تجاور بعضها البعض، وتسوق بعضها البعض إلى أفق مغاير، الغاية منه التفرد داخل العالم الفني.
إلى جانب أسماء عديدة داخل المدرسة التشكيلية العمانية، حسين عبيد، أنور سونيا، رابحة محمود، محمد الصائغ، رشيد عبدالرحمن، حسن مير، محمد نظام … إلخ. يشتغل الفنان موسى عمر بشكل دؤوب وبحث رزين، داخل منجزه التشكيلي. هذا المنجز الذي يتسم ببحثٍ هام داخل التراث الجمالي والتاريخ العربي – الإسلامي عامة والعماني خاصة. وهذا بادٍ كل الوضوح في أعماله التي اشتغل عليها لما يقارب ثماني سنوات باشتغال هادئ وعارف. اشتغال ولّدَ لنا، وكشف عن تجربة سماها الفنان باسم “قميص الأحلام”. لماذا القميص؟ للجواب عن هذا السؤال يقول ذات الفنان: “ترتكز اللوحة المقدمة هنا ـ الحديث عن قميص الأحلام ـ على استلهام قصة قميص النبي يوسف عليه السلام”. بهذا الجواب نكون قد وضعنا الأصبع على رؤية فنية، يحاول من خلالها أن يعالج الفنان الأسطوري بشكل فني، جاعلا من الأسطوري يسائل الحاضر، وجاعل من الحاضر يسائل الماضي. مساءلة تجمع بين الرؤية الفلسفية لفهم التاريخ، والرؤية الحداثية لتوظيفه داخل المنجز الفني. توظيف يستعمل له الفنان خامات من المتلاشيات، غير أن هذه الخامات تتوحد في خامة واحدة (الخيش)، تتكرر كسند لكل أعماله التشكيلية. في تمازجٍ ساحر مع اللون (الأكريلك).
بين السند والصباغة تترنح الأسطورة التي تسكن المنجز (الذي يصعب تصنيفه لوحةً، إنه يتخطاها بل يعدمها). قصة النبي يوسف عليه السلام، تلك القصة العامرة بالرمزية والرموز، يجعل منها الفنان منطلقا فنيا يعتمده لتمرير رسالاته التي كوّنها عن العالم. كأني به يحاول الفنان أن يقول دونما أن يحدث صخبا، أن هذا العالم يلزمه عودة إلى الأصل، ولو عودة رمزية شبيهة بعودة قميص يوسف لأبيه، عودة رمزية كانت كفيلة بأن يبصر الأب، البصر هنا هو إعادة رؤية التراث جماليا .. كما رؤية الواقع بأعينٍ جديدة، وأليس هو القائل مرةً: “الفن في رأيي ليس وسيلة للتعبير وللتخاطب مع الآخر فحسب؛ إنني أرى فيه تلك القوة الخفية المستعصية الكامنة في شغاف الروح. تلك التي أصنع عالما موازيا للواقع المعاش ومتقاطعا معه قي آن معا. لذلك فإنني أنتصر لاستخدام الرمز في كثير من أعمالي، لإيماني العميق بما يمتلكه الرمز من مساحات تعبيرية شاسعة بحجم السماوات، حيث يمكنني التحليق فيها كطائرٍ أسطوري يملك ألف جناح”. الرمز هنا ليس إحالة بتاتا إلى المدرسة الرمزية، ولا تقاطع معها. بل هو توظيف متفرد من لدن الفنان لرموز ثقافته وهويته. إذ يشتغل موسى عمر على الرمز ليس كمادة أو جزء من اللوحة فقط بل يبتعد عن هذا إلى جعله ثيمته وغايته كما سنده ومرجعيته الفنية التي يشتغل عليها داخل العمل لديه.
هذا العمل المتسم بحبكة ودقة تصميمية، إذ يأخذ الخيش/السند، شكل إنسان في مختلف حالات الاستلقاء، فالمنجز يحضر دائما مبسّطا ومسطّرا ومسطّحا، ليتقارب الفنان هنا، مع تلك الإبداعية المُتّبعة من قبل الخطاطين والمهندسين العرب – الإسلاميين الأوائل في جعل الجسد داخل بعدٍ ثنائي لا ثلاثي، في محاولة عبر تسطيره لكي لا يضاهي الخالق في خلقه. فالمنجزات المشتغل عليها من قبل موسى عمر تتخذ من معاناة الجسد الإنساني أشكالا لها. المعاناة هنا نفسية لا جسمانية. فنلاحظ تلك الإنكماشات بين أذرع وأرجل الشكل، وأحيانا كثيرة تختفي الأرجل والأذرع، مما يجعلنا نحال إلى حالة التشدد والكدر، هذا التشدد الناتج عن حالة غربة وحنين واشتياق. فالفنان يوظف في هذه الحالة صباغات شفافة وهادئة (الأزرق، البرتقالي، الأصفر، البني …) ترميزا لتلك الحالة النفسية المشار إليها.
أما عن حضور الرموز كجزء فني داخل العمل، فالفنان يوظف رموزا مستقاة من البيئة الصحراوية العربية (العمانية خاصة)، تلك الرموز التي تختلف مصدرها مما هو تاريخي قديم (ما قبل الميلاد) الكامن في الصخور والكهوف القديمة التي استوطنها الإنسان البدائي، وأيضا تلك الرموز التي كانت توشمُ بها المرأة العربية نفسها، سواءً عبر الحناء أو وشما دائما (عبر القطران وما شابه). كما نجد بعض أعماله تتخللها بعض الأشكال الهندسية (الأسهم، العلامات، المثلث والمربع والإهليج …) مما يُصبِغ على العمل لدى موسى عمر بعدا تجريديا في بعض الأحيان. كما أنه يهرب من التجريدية هروبا إلى توظيف أشكال نباتية تعرفها الصحراء.
بهذا المعنى يمكننا القول إن أعمال موسى عمر، مكثفة بالرموز، إلى أنها أيضا دالة على المعاصر، كحس اشتغال ينهجه الفنان. أعمال تبدو عليها عتاقة الماضي عبر تمظهرات رمزية وعلامات ولكنها في صلب عملية المعاصرة في الفن وهنا تكمن المعادلة لدى موسى عمر، بل أنه شقّ طرقاً جديدة ولكن بنفس الطاقات الإبداعية الكامنة في روح الماضي.
يحتل الخام (الخيش) حضورا هاما داخل منجز موسى عمر، وتحتلّ الصباغة (الأكريلك) بعدا نفسيا هاما داخله لاعتمادها من قبل هذا الفنان كدال رمزي لتلك الحالات التي يبتغي توصيلها. إلا أنه يعدم داخل أعماله (قميص الأحلام) كل الخطوط والأسطر معوضا إياها بتموجات صباغية تضفي على المنجز حركية بصرية، زيادة على الأسهم التي تهرب بمخيّلة المتلقي إلى قراءات متعددة للمنجز الواحد.
إن أعمال موسى عمر كتاب مفتوح على التاريخي والمعاصر، إنها أقصوصة أو قصة قصيرة، يحكي فيها الفنان قصصه المستوحاة من كتب التاريخ. غير أن السارد هنا هو المنجز بذات، وأما المتلقي فله أن يصير طرفا داخل القصة، فالفنان يترك كامل الحرية للمتلقي في فهم منجزه.. مما يخلق أثارا فنية داخل ذاكرة المتلقي، هذا الأثر هو غاية كل فنان، فمن خلاله يكمن للمنجز أن يستمرّ في الحياة، وينبض بها. إنه بهذا المعنى، أعمال موسى عمر أثر مفتوح على تعدد ذائقة المتلقي واختلاف مشاربه. إنها تستكين في أحلامه أينما حلّ. لكونها تدخله إلى ماضيه العتيق من خلال عملٍ فني معاصر، يتماشى وأسئلة الحداثة وآفاقها.
قد يتمكن لنا تحديد أعمال موسى عمر داخل المدرسة التجريدية المعمارية، إلا أنه في كثير أعمال استطاع الخروج عن هذا التصنيف الضيق، والدخول إلى عوالم لامتناهية داخل حقل التجريب. هذا التجريب الذي تتسم به المدرسة العمانية كما جل المدارس العربية الحديثة، التي يمكن تصنيف أعمال فنانيها بفناني “الحساسية الجديدة”.
بهذا يمكننا القول بكون المنتج البصري للفنان موسى عمر يختزل حالة مدهشة من البحث والتجريب التقني والتوليفي، تتنازعه فيها رغبتان رئيستان: الأولى منح منجزه البصري هويّة عربيّة شعبيّة واضحة، تعكس خصوصية المكان الذي جاء منه هذا المنجز. والثانية تأكيد ثقافته البصريّة، واطلاعاته الواسعة على التجارب الفنيّة الحديثة. وتالياً، تأكيد انتمائه لزمانه وعصره الطافح بالخروقات التقانيّة الهائلة. إنه بهذا يكون الفنان يعيد كتابة الماضي بكل قصصه وتراثه من خلال رؤية وأعمال معاصرة تعيش في الحاضر وتتطلع إلى المستقبل وتهتم بالإنسان ومشاغله وهمومه. فالإنسان غاية الفن.

عزالدين بوركة
ناقد تشكيلي مغربي

إلى الأعلى