الأربعاء 23 أغسطس 2017 م - ٣٠ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / العين .. الثالثة : من هنا .. يبدأ ترشيد الإنفاق؟

العين .. الثالثة : من هنا .. يبدأ ترشيد الإنفاق؟

د. عبدالله عبدالرزاق باحجاج

لن تحظي أية عملية ترشيد للأنفاق في بلادنا بالرضا الاجتماعي ما لم تأخذ بعين الاعتبار ما اثرناه في ثلاثة مقالات سابقة، فليس من العدالة أن يتم المساس بحقوق المواطن الأساسية كالترقيات مثلا، وهناك أوضاع قائمة تستنزف اموالا طائلة من خزينة الدولة لا نجد لها مسوغا قانونيا ولا سياسيا في استمراريتها حتى الآن، مثل العلاوات التي تمنح للمسئول بسبب عضويته في اللجان أو فرق العمل، وقد ذكرنا في آخر مقالنا وفق مصدر مطلع أن كل مسئول يتقاضى (1600) ريال شهريا مقابل عضويته في لجنة واحدة غير راتبه ـ طبعا- فكيف به لو كان في أكثر من لجنة؟ وكشف المصدر نفسه كذلك ـ يراجع المقال ـ عن وجود (300) ما بين فريق عمل ولجنة، إذن، كم الحجم المالي المخصص لهذه اللجان؟ فهل هذا الوضع ينبغي أن يظل قائما في ظل الأزمة النفطية؟ وأيهما الأهم المساس بهذه الامتيازات المالية الكبيرة التي فوق المرتبات أم المساس بترقيات الموظفين؟ المفارقة أن العديد من الترقيات لم تعد تمنح وفق اجالها الزمنية الا عن طريق القضاء، مكتب وزير الدولة ومحافظ ظفار، ووزارة الاوقاف الشئون الدينية نموذجا، وبعضها لا تزال عالقة مثل وزارة التربية والتعليم، وهذه فعلا مفارقة كبيرة، لا يمكن السكوت عنها، وهنا ينبغي أن نغلب العقل، لذلك نطرحها بصوت مرتفع دفاعا عن البعد الاجتماعي المظلوم رغم حساسيته المرتفعة، وحساسيته قد تخلق تطورات غير محسوبة في مرحلة لن تقبل الا الحسابات المضمونة، كما أن المرحلة الوطنية الراهنة بحمولتها لا بد من اعادة تقييمها حتى نحصن مسيرتها نحو المستقبل، والمتأمل فيها لا بد أن تستوقفه تلك العلاوات التي تمنح لكبار المسئولين في وقت يخنق المواطن في معيشته بسبب الأزمة النفطية، فكيف تختار الحكومة المساس بمعيشة المواطنين، ولا تقترب من امتيازات كبار المسئولين؟ لأن فاعليها والمقربين منهم هم المستفيدون من تلك العلاوات، فكيف يقتربون منها؟ واعادة التقييم وصولا إلى الترشيد الحقيقي للإنفاق، يحتم كذلك الان أكثر من أي وقت مضى، إعادة النظر في اللجان وفرق العمل، وهذا ما اجمعنا عليه مع بقية الزملاء في تحقيق جريدة (الوطن) حول اللجان وفرق العمل، حيث يمكن توديع بعضها ودمج أخرى، ونفس النهج ينبغي أن يتبع كذلك على صعيد الوزارات للغرض نفسه، وهو الترشيد العقلاني للإنفاق الحكومي، وكذلك لدواعي خروج الجهاز البيروقراطي من حالتي الترهل والتراخي، ولو بحثنا في خارطة هيكل الدولة الحالي، فسوف نجد أن هناك الكثير من الوزارات يمكن أن تدمج، كما يمكن الاستغناء عن عدد من الهيئات واللجان والفرق أو ادماجها، وهذا لن يتأتى ـ كما ذكرنا في التحقيق – لا وفق رؤية للإصلاح تنطلق من مبدأ الاصلاح ضرورة وطنية مطلوبة لذاتها الآن بصرف النظر عن سياقاتها الزمنية، ويعجل بها الأزمة النفطية من جهة، وحتمية تأزمها وتجددها في اية لحظة من جهة ثانية، فهل ستظل بلادنا رهينة الأزمات؟ نجد انفسنا مرة أخرى التساؤل نفسه المكرر معنا خلال المقالات السابقة، وهو أين عقول مرحلتنا الوطنية؟ ونطرحه مجددا للزوم التحليل نفسه، فبعد أكثر من (45) عاما على نهضتنا المباركة لم تعمل هذه العقول على تحرير بلادنا من تبعية النفط، كما أنها لم تعمل حتى الآن ما يجعلنا نحس بأن هناك وعيا سلطويا لتدارك أخطاء العقول السابقة، وقد قدمنا في التحقيق مجموعة اقتراحات، ابرزها تطبيق اللا مركزية الإدارية في جميع محافظات البلاد، فالمركزية قد أوجدت حالة بيروقراطية جامدة، لا تقبل التطوير ولا التحديث، ولم تعد في مستوى الاستحقاقات التنموية الراهنة، وقد أصبحت اي المركزية نموذجا لا يتناغم مع الجغرافيا العمانية على عكس اللا مركزية خاصة وأنها سوف تساعد كثيرا في عملية اعادة هيكلية الدولة، فلا يعقل أن يأتي المواطن من محافظتي ظفار ومسندم مثلا لتوقيع وختم ورقة، أو النظر في طلبه من الوزير أو الوكيل، كما اقترحنا ايضا تفعيل وسائل الرقابة والمحاسبة والشفافية، بحيث يمكنها من وقف اية تحايل أو استحداث بنى كاللجان والفرق الداخلية في الوزارات التي تستنزف الموارد أو تسحب صلاحيات اجهزة وهيئات وحتى ادوار فاعلين داخل كل وزارة، إلى جانب اقتراحه بالتقليل من عدد الوزارات و الوزراء والمجالس وذلك لتحسين الأداء والقضاء على ازدواجية المسئوليات والواجبات، كدمج مجلس المناقصات في وزارة المالية، واعادة الهيكلة العضوية للإذاعة والتلفزيون لوزارة الإعلام مع اعطائها استقلالية إدارية ومالية للزوم المهنية والمضامين الاعلامية، كما يمكن أن تدمج مراكز ووزارة الثقافة مع الاعلام.. وتساءلنا، هل عملية الفصل تحقق اهدافها الرئيسية، ومن بينها تقليل الإنفاق الحكومي أم زاد ؟ وذلكما النموذجان يمكن القياس عليهما في عملية الدمج مثلا، وكذلك اقترحنا دمج فروع ولجان في وزارات أو ككيانات مستقلة، فمثلا، تحويل وزارة الشئون الرياضية إلى وزارة الشباب ويدمج فيها الرياضة واللجنة الوطنية للشباب، واتفقنا مع من يطالب بدمج مجلس الشورى والدولة ووزارة الشئون القانونية والرقابة المالية في مجلس يسمى الشورى أو المجلس الوطني أو الأمة أو الشعب.

إلى الأعلى