الجمعة 20 يناير 2017 م - ٢١ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / شراع : تركيا ـ أردوغان ونبش عش الدبابير

شراع : تركيا ـ أردوغان ونبش عش الدبابير

خميس التوبي

يبدو أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يعيش مأزقًا حقيقيًّا بعد الانتخابات الأخيرة التي عبَّرت عن تحول كبير في المزاج الداخلي التركي تجاه حزب العدالة والتنمية وممارسات الحكومة بقيادته، بتراجعه اللافت إلى درجة عدم قدرته على تشكيل الحكومة منفردًا، وبتحقيق حزب الشعوب الديمقراطي مفاجأة تخطيه حاجز العشرة في المئة وحصوله على نسبة تقارب ثلاثة عشر في المئة (13%) ما خوله الحصول على حوالي ثمانية وسبعين (78) مقعدًا، ليصبح بذلك أول حزب ممثل للأكراد يتمكن من دخول البرلمان.
هذا المأزق للعدالة والتنمية بدت روائحه تفوح من مراجل الأحداث والتطورات التي أخذت تشهدها الساحة التركية حاليًّا، وتتفاعل بطريقة دراماتيكية والتي تعكس حجم التوتر والقلق البالغ والذي أصاب قيادات الحزب بمن فيهم أردوغان نفسه الذي لا تزال أحلام أجداده تعشش في تفكيره في اليقظة والمنام، وكان يراهن على تحققها حتى يوم الانتخابات، فإذا به يصدم بالمفاجأة الكردية المدوية لتقف عقبة كأداء في طريقه نحو إحياء إرث أجداده.
إن ما تقوم به حكومة العدالة والتنمية اليوم من انتهاكات سافرة للأراضي السورية ليس جديدًا، وإنما هو استمرار للانتهاكات منذ اليوم الأول لتفجير المؤامرة ضد سوريا، ولكنه يأتي في إطار حسابات الداخل التي فرضت أهمية القيام بمراجعة المواقف والخطط، وضرورة تبديل الاستراتيجية، وتغيير بعض العناوين لتعديل المزاج في الداخل التركي، وتسجيل بعض النقاط على حساب الخصوم، وتعديل موازين الميدان في سوريا لصالح معسكر التآمر والعدوان. ويمكن استلماح ذلك من خلال ما يلي:
أولًا: تسخين المواجهة مع الأكراد التي بدأت شرارتها بمقتل 32 كرديًّا وإصابة قرابة 104 آخرين بجروح يوم الاثنين الماضي جراء تفجير انتحاري وقع في حديقة مركز ثقافي بمدينة “سوروج” التابعة لولاية شانلي أورفة جنوب شرق تركيا. وتبنى مسؤوليته تنظيم “داعش الإرهابي”، ما أثار موجة غضب لدى الأكراد أدت فيما بعد إلى مقتل جندي تركي وإصابة آخرين بجروح في اشتباكات وقعت بين القوات الأمنية التركية وعناصر حزب العمال الكردستاني “بي كيه كيه” في ولاية “أديامان” جنوب شرق تركيا، ومقتل ضابط وإصابة جنديين في هجوم شنه تنظيم “داعش” عبر الحدود مع سوريا الخميس الماضي، وفق الرواية التركية. وحسب محللين أتراك ومعارضين أيضًا فإن التفجير الإرهابي في “سوروج” جرى بعلم الاستخبارات التركية. ولعل ما سيترتب على هذه المواجهة من نتائج يسعى أردوغان لتحقيقها ستؤكد صحة ما قاله المحللون والمعارضون الأتراك عن دراية الاستخبارات التركية بالتفجير؛ إذ من شأن إنهاء شهر العسل بين حزب العدالة والتنمية والأكراد بمن فيهم حزب العمال الكردستاني “بي كيه كيه”، والزعم بمحاربة إرهاب أضلاع المثلث (داعش، حزب العمال الكردستاني، حزب الجبهة الشعبية الثورية)، ومن ثم استغلال خوف الشعب التركي من التفجيرات الإرهابية، أن يذهب أردوغان إلى ترتيبات داخلية بإعادة الانتخابات بحجة تعذر تشكيل حكومة جديدة مع أحزاب المعارضة بما فيها حزب الشعوب الكردي، ويسعى أردوغان من وراء إعادة الانتخابات إلى الحصول على نقاط إضافية، وكذلك التخلص من أوغلو بحجة فشله في تشكيل الحكومة، وفشل نظريته الشهيرة “صفر مشاكل” وما جلبته من نتائج يبلع علقمها الحزب وقياداته حاليًّا، بالإضافة إلى ذلك ـ وهو الأهم ـ قطع الطريق على الأكراد نحو إقامة الدولة الكردية الممتدة من شمال سوريا إلى جنوب تركيا حتى شمال العراق.
ثانيًا: قصف الأراضي السورية بحجة استهداف بؤر تمركز تنظيم “داعش” الإرهابي، لا يعني إنهاء علاقة الأمومة والأبوة القائمة بين التنظيم الإرهابي وحكومة العدالة والتنمية، وإنما الهدف هو تحجيم التنظيم في بعض المناطق السورية في الشمال لصالح إرهاب القاعدة الذي تقوده ما تسمى “جبهة النصرة ومن معها من عصابات الإرهاب”. على أن الهدف الأكبر المراد تحقيقه هو تعديل الموازين على الأرض لصالح معسكر التآمر والعدوان على سوريا، لتعويض الخسائر الفادحة التي تلقاها المعسكر في القلمون والزبداني، وإفشال الجيش العربي السوري والدفاع الوطني ما سمي بـ”عاصفة الجنوب” لأكثر من مرة والتي تديرها غرفة الاستخبارات المشتركة “موك” في الأردن التابعة لمعسكر العدوان. ولذلك الإعلان التركي عن حرب ضد “داعش” هو جزء من الحرب الإعلامية الأميركية ضد التنظيم الإرهابي، بل مكمل لها والذي ظلت واشنطن تستجدي أنقرة للقبول به، إذ لا يتصور عقلًا أن تكون تركيا قادرة على مواجهة “داعش، وحزب العمال الكردستاني، والجبهة الشعبية الثورية” في آن معًا وهي تنظيمات تستخدم حرب العصابات. بينما يمكن تصنيف مسارعة حكومة العدالة والتنمية إلى إعلان المناطق السورية المنتهكة أنها “مناطق آمنة” والسماح للطائرات الأميركية باستخدام قاعدة إنجيرليك التركية، بأن ذلك يأتي في إطار المقايضة ليس إلا.
من الواضح أن أردوغان ما كان له أن يُقدِم على نبش عش الدبابير لولا المكانة التي يحظى بها لدى الولايات المتحدة وكيان الاحتلال الإسرائيلي، وليقينه أيضًا أن الكثير من الدول العربية وخاصة الخليجية المعادية لإيران مؤيدة وداعمة له في سياساته ضد سوريا.

إلى الأعلى