الجمعة 28 يوليو 2017 م - ٤ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / التاريخ الموجز للأنظمة القطبية ( 1800ـ 2020 م ) ( 1-2)

التاريخ الموجز للأنظمة القطبية ( 1800ـ 2020 م ) ( 1-2)

محمد بن سعيد الفطيسي

”شكلت السنوات التي تلت تراجع الدور البريطاني العالمي كقوة قطبية مع نهاية القرن التاسع عشر إلى بروز بعض القوى العالمية المتربصة كألمانيا وفرنسا على سبيل المثال لا الحصر, مع استمرر القوة الروسية وتصاعد وتيرة تمددها البري, مع تراجع واضح في الجانب البحري منه, وتحديدا خلال السنوات 1901م – 1920م ,”
ــــــــــــ
شكلت أوروبا حركة التاريخ السياسي والعسكري العالمي بالقرن التاسع عشر, بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، فكانت اللاعب السياسي الرئيسي الذي شكل وجه الخارطة الجيوسياسية والجيواستراتيجية لرقعة الشطرنج الدولية في تلك الفترة الزمنية, وتحديدا كل من بريطانيا العظمى وفرنسا وروسيا والنمسا وبروسيا, ومن خلالها تشكل النظام العالمي في تلك الفترة الزمنية, والذي انتهى بانتصار بريطانيا العظمى على فرنسا في معركة واترلو وتوقيع معاهدة باريس, والذي جعل من بريطانيا القرن التاسع عشر القطب الأوحد الذي تسيد رقعة الشطرنج الدولية في ذلك الوقت.
وباختصار شديد, فإن السنوات العشر الأخيرة التي أنهت القرن الثامن عشر والسنوات العشر الأولى التي دشنت القرن التاسع عشر كانت أقرب كثيرا الى تشكيل تحالفات قطبية فضفاضة منها الى تكتلات محكمة، وتعتبر تلك الفترة هي استمرار لحقبة التوازن الكلاسيكي التي امتدت ما يقارب المائة سنة قبل الثورة الفرنسية التي بدأت في العام 1789م وانتهت في العام 1799م , حتى تسيدته بريطانيا العظمى ” بحريا ” في الفترة من 1815م – 1870م , ـ أي – ما يزيد على الخمسة عقود تقريبا، وذلك من خلال الكثير من الأوراق السياسية والاقتصادية الرابحة, كالتفوق الصناعي والتماسك السياسي وقوة الأسطول البحري وهي على سبيل المثال لا الحصر.
ونشير إلى عبارة ” بحريا ” هنا, بسبب التفوق ” البري ” للإمبراطورية الروسية في تلك الفترة الزمنية, ولكن ولأسباب كثيرة كان للبريطانيين نسبة الترجيح التي أطلقت سياسيا وتاريخيا على القرن التاسع عشر بقرن الهيمنة البريطانية, وقد (تعايشت الإمبراطوريتان: البريطانية والروسية, بنحو سلمي نسبيا, ومن دون إشكاليات ذات بال, حتى العقود الأولى من القرن العشرين, فالعوالم الخاضعة لكلتا الإمبراطوريتين كان بينهما فاصل واضح المعالم, أضف إلى هذا أن هذه العوالم كانت على قدر كاف من الاختلاف والتباين).
والحقيقة ان هناك خلطا تاريخيا بين نهاية الإمبراطورية البريطانية العظمى كقوة سياسية عالمية امتدت حتى منتصف القرن العشرين تقريبا, وتلك القوة القطبية التوسعية البريطانية التي دارت حولها العديد من الأجرام الأرضية باعتبارها مركز الثقل العالمي حينها, ـ وبمعنى آخر – القطب البريطاني الذي تسيد القرن التاسع عشر, ولكننا نستطيع – من وجهة نظرنا الشخصية ـ ان نؤكد من خلال هذه النظرة بأن القطب البريطاني قد انتهى فعليا بتراجع دوره البحري الاستراتيجي, بسبب الكثير من المشاكل السياسية والاقتصادية التي عصفت بالإمبراطورية البريطانية خلال الفترة 1873م ـ 1896م.
حيث شكلت السنوات التي تلت تراجع الدور البريطاني العالمي كقوة قطبية مع نهاية القرن التاسع عشر إلى بروز بعض القوى العالمية المتربصة كألمانيا وفرنسا على سبيل المثال لا الحصر, مع استمرار القوة الروسية وتصاعد وتيرة تمددها البري, مع تراجع واضح في الجانب البحري منه, وتحديدا خلال السنوات 1901م – 1920م , والتي تخللها العديد من التغيرات الهيكلية الأساسية على بنية النظام العالمي ككل, فعلى سبيل المثال لا الحصر وفي هذه الفترة تحديدا ازداد سباق التسلح الذي اندلع بين القوى الأوروبية سالفة الذكر تحديدا, وتشكلت العديد من التحالفات الثنائية والثلاثية التي نستطيع ان نطلق عليها بالتعددية القطبية المحكمة كما هو الحال بين انجلترا وفرنسا من جهة وألمانيا والنمسا وايطاليا من جهة أخرى.
أفضت في نهاية المطاف إلى اندلاع العديد من المعارك والحروب, كان أشرسها على الإطلاق الحرب العالمية الأولى خلال الفترة من العام 1914 ـ 1918م , والتي أطلق شراراتها إمبراطورية النمسا والمجر التي قامت بغزو مملكة صربيا إثر حادثة اغتيال ولي عهد النمسا وزوجته من قبل طالب صربي أثناء زيارتهما لسراييفو, وتعد الحرب العالمية الأولى بما تخللها من أحداث وتغيرات البذرة الحقيقية للنظام العالمي ثنائي القطب بين الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة الأميركية فيما بعد.
فالحرب العالمية الأولى أفضت إلى بروز بعض الحركات الإيديولوجية الجديدة كالشيوعية على سبيل المثال لا الحصر, وتوقيع العديد من المعاهدات والاتفاقيات التي كان لها ما بعدها من الآثار السياسية والجيوسياسية على رقعة الشطرنج الدولية كمعاهدة بريست ليتوفسك, كذلك ومن ضمن الآثار الجانبية التي خلفتها الحرب العالمية الأولى الحملة البريطانية في بحر البلطيق في الفترة 1918 – 1919م.
خلاصة الأمر هو ـ أن الحرب العالمية الأولى أسفرت بالإضافة إلى ما سبق ذكره إلى تراجع الدور الأوروبي بشكل عام والبريطاني على وجه الخصوص على رقعة الشطرنج الدولية, وتوقيع معاهدة فرساي, التي تمخضت بدورها عن قيام عصبة الأمم المتحدة, تلاها وخلال عقد ونصف سبق قيام الحرب العالمية الثانية في العام 1937م , ما يمكن ان نطلق عليه بفترة السلام الساخن , وهي الفترة التي تقع بين العام 1920م – 1936م.
حيث شاب تلك الفترة سلام منقوص لم تستطع عصبة الأمم المتحدة التحكم في وتيرة انهياره, بدأ بتمزيق معاهدة فرساي وانسحاب ألمانيا من عصبة الأمم المتحدة, واحتلال اليابان لمقاطعة منشوريا الصينية وايطاليا لأثيوبيا وهكذا فقد مثّل تراجع هيبة الأنظمة الديمقراطيّة أمام تحدّيات الأنظمة الدكتاتوريّة دليلاً واضحًا على فشل سياسة الأمن المشترك المتبعة من قبل عصبة الأمم, مما نتج عنه في نهاية المطاف قيام الحرب الأهلية الاسبانية التي كانت بدورها الشرارة الحقيقية لقيام الحرب العالمية الثانية في الفترة من 1937م – 1945م.
وباختصار شديد فإن الفترة التي تلت انهيار نظام القطبية البريطانية في العام 1896م وحتى العام 1945 م ـ أي ما يقارب النصف قرن تقريبا ـ كانت فترة غير مستقرة في التاريخ السياسي العالمي, وهي فترة لا يمكن ان تنسب دوليا لقوة بعينها, بمعنى آخر ظل العالم تحت رحمة التجاذبات السياسية والقوى العالمية والصراعات القارية دون قيادة مركزية عالمية مهيمنة, ولا حتى ثنائية قطبية أو تعددية قطبية محكمة, ولكنها من حيث التاريخ السياسي هي فترة حروب أوروبية تطورت الى حروب عالمية شرسة , أفضت الى اغتيال الاستقرار العالمي وإبادة الملايين من البشر في مختلف أرجاء الأرض.
وتجاوزا لشرح مسرح الحرب العالمية الثانية فقد وضعت الولايات المتحدة الأميركية نقطة النهاية لقصة عقود من الحروب والمعارك والصراعات الأثينية والقارية وذلك بإلقاء القنبلتين النوويتين على كل من مدينة هيروشيما وناكازاكي اليابانيتين, منهية بذلك سنوات من نظام التعددية القطبية المحكمة الذي ساد العالم خلال الفترة سالفة الذكر, ولتسفر نهاية الحرب العالمية الثانية عن هزيمة الدكتاتوريات في إيطاليا وألمانيا واليابان وتراجع مكانة القارة الأوروبية, وتحديدا كل من السيادة البريطانية والفرنسية, وليبرز بعدها نظام عالمي جديد أطلق عليه فيما بعد بنظام ” الثنائية القطبية ” والذي شكله من الناحيتين الجيوسياسية والجيواستراتيجية التاريخية كل من الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد السوفيتي حتى سقوط هذا الأخير بشكل نهائي في العام 1991م .
وقد شكلت الأعوام التي تلت سقوط الاتحاد السوفيتي وتحديدا الفترة من العام 1991م -2001م فترة ما أطلق عليه بفترة ” القطب الواحد” ـ أي فترة السيادة الأميركية المطلقة على النظام العالمي ـ وبمعنى آخر نستطيع ان نقول بأن الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد السوفيتي قد تقاسما الهيمنة والسيادة المطلقة على العالم لمدة 45 سنة تقريبا تلت نهاية الحرب العالمية الثانية وحتى بداية العقد التاسع من القرن العشرين, مع سيادة مطلقة للولايات المتحدة الأميركية على مسرح السياسة العالمية في العقد الأخير من القرن العشرين.
وكما يشير العدد الأكبر من منظري التاريخ السياسي الحديث, واغلب المراقبين الدوليين والمحللين السياسيين بشكل رمزي إلى ان انهيار برجي التجارة العالميين في الولايات المتحدة الأميركية, وبمعنى آخر الأحداث التي وقعت في 11 / 9 /2001م , الى أنها السنة الحقيقة التي قصمت النظام العالمي الذي تشكل بعد انهيار الاتحاد السوفيتي, ونقصد نظام القطبية الأميركية, حيث ظهر للعالم خلال ذلك العام هشاشة النظام الأميركي القومي, وانهيار أسطورة أجهزة الحماية الأميركية, وهو العام الذي نستطيع ان نطلق عليه “رمزيا” بانهيار الولايات المتحدة الأميركية, او نهاية المركزية أو القطبية الاميركية, وان كانت هذه الأخيرة قد بدأت بالانهيار نتيجة التدهور والأزمات المالية منذ فترة الثمانينيات من القرن العشرين.
كما شكل من ناحية أخرى عودة روسيا الى الواجهة الدولية كقوة، لم تكن الولايات المتحدة الأميركية تعتقد حتى وقت قريب بأنها يمكن ان تعود ولو من الناحية المعنوية، ضربة أخرى للهيمنة الأميركية على رقعة الشطرنج الدولية، وان كنا نؤكد على ان روسيا وحتى نهاية العقد الأول من القرن الحادي والعشرين ما زالت غير قادرة على منافسة الولايات المتحدة الأميركية في كثير من جوانب الصراع العالمي القطبي, إلا ان القوة العسكرية الروسية وخصوصا النووية منها تجعلها القوة العالمية الوحيدة القادرة على مواجهة الولايات المتحدة الأميركية خلال الثلث الأول من القرن الحادي والعشرين على اقل تقدير, كما ان المكانة الجيوسياسية للدولة الروسية على الخارطة الدولية, والتحالفات الجانبية سواء كانت سياسية او اقتصادية او عسكرية والتي عقدتها روسيا مع العديد من دول العالم جعلت لها المكانة السياسية والدبلوماسية التي لم تستطع الولايات المتحدة الأميركية تجاوزها او تهميشها وهو ما برز بشكل واضح ولافت للنظر في موضوع الملف النووي الإيراني.
المهم في الأمر بأننا – وباختصار شديد – نستطيع ان نحدد الموجز التاريخي للقوى القارية خلال القرون الثلاثة الأخيرة – القرن 19 , 20 , 21 – بالتالي: تسيدت الإمبراطورية البريطانية الفترة من العام 1815ـ 1870م بشكل مطلق, بحيث إننا نستطيع ان نطلق على تلك الفترة بفترة القطب البريطاني الواحد, بحيث يوصف القرن التاسع عشر بالقرن البريطاني , تراجع الدور البريطاني القطبي تدريجيا بعدها خلال الفترة من عام 1873م ـ 1896م , بحيث نستطيع ان نقول بان الإمبراطورية العظمة قد انهارت إمبراطوريا وبشكل نهائي مع نهاية القرن التاسع عشر, مع استمرار نفوذها السياسي وقدرتها على إدارة العديد من القرارات السياسية الدولية والتحكم بها حتى منتصف القرن العشرون تقريبا, أما الفترة بين العام 1901م – 1945م , ورغم أنها تجاوزت الأربعة عقود, إلا أن التاريخ السياسي الحديث لا يؤكد فيها بأن هناك قوة عالمية قطبية قد تسيدت النظام العالمي خلالها كما هو حال الإمبراطورية البريطانية خلال أكثر من 50سنة تقريبا في القرن التاسع عشر, بل كان النظام العالمي فيها يتأرجح بين نظام عالمي متعدد الأقطاب وفوضى سياسية وعسكرية مدمرة, نتج عنها أشرس حربين شهدهما العالم, هما الحرب العالمية الأولى والحرب العالمية الثانية.
بعد نهاية الحرب العالمية الثانية بروز نظام الثنائية القطبية في الفترة من عام 1945م وحتى العام 1991م – أي – ما يقارب 45 سنة تقريبا , وهي فترة موازية لفترة الصراعات ما بين العام 1901مـ 1945م, وبمعنى آخر ان النظام العالمي في القرن العشرين قد انقسم الى ثلاث مراحل تقريبا وهي: فترة التعددية المحكمة في الفترة من 1901 – 1945, وفترة الثنائية القطبية في الفترة من 1946م – 1991 م , وفترة القطب الواحد في الفترة من 1991م وحتى العام 2000م.
* في الطرح القادم سنتناول الأنظمة القطبية في القرن الحادي والعشرين

إلى الأعلى