الأحد 26 مارس 2017 م - ٢٧ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / هل تنجح أوروبا في إنقاذ اليونان؟!

هل تنجح أوروبا في إنقاذ اليونان؟!

محمد عبد الصادق

”.. استمات اليونانيون من أجل الانضمام للاتحاد الأوروبي, حتى تحقق لهم ما أرادوا في عام 2001م , ومؤخراً اكتشف الأوروبيون أن اليونان “نصبت عليهم” وقدمت بيانات مزورة, من أجل الانضمام إلى الاتحاد, وزعموا أن نسب العجز في ميزان المدفوعات أقل من 3% في آخر ثلاث سنوات, بينما الحقيقة أن نسبة العجز كانت 6% في 1997م و4.13% في 1998م و3.38% في 1999م ,”
ـــــــــــــــــــــــ
قد يتساءل البعض لماذا اليونان “دوناً” عن دول الاتحاد الأوروبي الثماني والعشرين هي من تقف على شفا الإفلاس باستمرار , وتدور في فلك الأزمات الاقتصادية المزمنة , المفاجأة أن اليونان “متعودة” على الإفلاس والعجز عن سداد الديوان منذ أيام الإغريق , فيروي التاريخ أن حكاية اليونان مع الأزمات تعود للقرن الرابع الميلادي , عندما اقترضت 13مدينة يونانية من معبد ديلوس , وعجز معظم المقترضين عن الوفاء بديونهم , وانتهى الأمر بإفلاس المعبد بعدما فقد 80% من رأس ماله .
و في عام 1826م اشتعلت الحرب بين اليونان والدولة العثمانية, وتوقفت آثينا عن سداد ديونها لدول العالم, بعدما استخدمت القروض في تمويل الجيش وسداد فواتير الحرب التي شلت الأنشطة الاقتصادية ودفعت ملايين اليونانيين للهجرة إلى أميركا ودول البحر المتوسط, وكان هناك جالية يونانية كبيرة عاشت أكثر من مائة عام في الإسكندرية, وعادت لليونان بعد تحسن الأوضاع الاقتصادية في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي, وبسبب تراكم الديون طردت اليونان من الأسواق العالمية حتى عام 1878م .
وعندما أعادت الأسواق العالمية فتح أبوابها لليونان, بعد وساطات أميركية, تهافت اليونانيون على الاقتراض مرة أخرى لتعويض سنين الفقر والحرمان ومحاولة استعادة دوران عجلة الاقتصاد التي أصابها الشلل, وعجزت الحكومة مجددا عن سداد الديون المستحقة عليها مما أدى لارتفاع حجمها وتراكم الفائدة, وخلال الأزمة الاقتصادية العظمى التي ضربت أميركا وأوروبا في 1932م, كانت اليونان في طليعة الدول الأوروبية التي توقفت عن سداد الديون للبنوك الأميركية والأوروبية, وعقب انتهاء الحرب العالمية الثانية استفادت اليونان من مشروع مارشال الذي قدم قروضاً وتسهيلات للدول الأوربية, وشهدت اليونان انتعاشاً اقتصادياً في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي, نتيجة ازدهار السياحة وزيادة نشاط الملاحة البحرية.
واستمات اليونانيون من أجل الانضمام للاتحاد الأوروبي, حتى تحقق لهم ما أرادوا في عام 2001م , ومؤخراً اكتشف الأوروبيون أن اليونان “نصبت عليهم” وقدمت بيانات مزورة, من أجل الانضمام إلى الاتحاد, وزعموا أن نسب العجز في ميزان المدفوعات أقل من 3% في آخر ثلاث سنوات, بينما الحقيقة أن نسبة العجز كانت 6% في 1997م و4.13% في 1998م و3.38% في 1999م , ويرى الخبراء أن اليونانيين أخطأوا عندما ألحوا في انضمام دولتهم لمنظمة تتطلب معايير قاسية للمعيشة لم يألفها اليونانيون, الذين تعودوا على جني الأموال عن طريق التجارة و”السمسرة” وتقديم الخدمات, ويستنكفون العمل الشاق بالمصانع مثل الإنجليز والألمان, وحتى زراعة الزيتون التي اشتهرت بها اليونان, يجلبون لها أيدي عاملة وافدة من شمال إفريقيا.
واليونانيون شعب “رايق” يحب الحياة المريحة, ويعشق الرقص والغناء والأكل الفاخر الشهي, واستغلوا انضمامهم للاتحاد الأوروبي للتمتع بالمزايا التي يتيحها الاتحاد لأعضائه, من حرية التنقل بين العواصم الأوروبية (فضاء شينجن) وسهولة الحصول على الإئتمان من البنوك الأوروبية, وبرامج الرعاية الاجتماعية والصحية, وعاش اليونانيون الـ 15عاماً الأخيرة منذ انضمامهم لأوروبا, “عيشة آخر فخفخة”, خروج مبكر للتقاعد عند سن الخامسة والخمسين, والحصول على معاش محترم يتعدى قيمة الراتب الذي يحصل عليه الموظف أثناء العمل, فضلاً عن التأمين الصحي الشامل, واستخدام القروض الأوروبية في شراء الشقق الفاخرة, والوحدات المصيفية الفارهة, دون عناء العمل, ومشقة الإنتاج, حتى أفلست البنوك, وعجزت صناديق التقاعد عن الوفاء بمعاشات الخارجين من الخدمة سنوياً.
والتركيبة الاجتماعية اليونانية تختلف عن مثيلتها الأوروبية, فنجد الأسرة اليونانية الممتدة (الجد والأب والأبناء) ما زالت تحتفظ بترابطها وتماسكها؛ حتى إن 63.5% من الشباب اليوناني يفضلون العيش مع أسرهم, مقارنة بـ 10% في انجلترا و15% في ألمانيا, ويرجع البعض ارتفاع النسبة للأزمة الاقتصادية وعدم وجود وظائف تمكن الشباب من الاستقلال بحياتهم, حيث ارتفع عدد الباحثين عن عمل بين الشباب اليوناني هذا العام ليصل إلى 49.7%, ونسبة الشباب تحت سن الـ 24سنة تصل إلى 23% من عدد السكان, وهي من أعلى المعدلات الأوروبية التي يغلب على سكانها الشيخوخة والعجز.
ويتحمل معظم اليونانيين الفساد الحكومي المنتشر في كافة أرجاء البلاد مسؤولية الأزمة التي حلت بالبلاد, حتى القطاع الخاص ابتلي بداء الرشوة والفساد الذي أصبح عنوان التعاملات في جميع المجالات, وفشلت الحكومات المتعاقبة في مكافحته أو الحد منه, ما جعل اليونان بيئة طاردة للاستثمارات الأجنبية, وزاد الطين بلة ارتفاع أسعار النفط في 2010م , مما أثر بدوره على زيادة أسعار السلع ومستلزمات الإنتاج في بلد يعتمد على استيراد معظم احتياجاته من الطاقة وللحظ السيئ تم اكتشاف الغاز بكميات اقتصادية أمام سواحل قبرص الملاصقة للسواحل اليونانية, ولم يظهر حتى الآن في اليونان التي تعاني الأمرين في تدبير احتياجاتها من البترول والغاز.
ورغم تصويت اليونانيين بنسبة 61.24% ضد خطة الإنقاذ المقدمة من الاتحاد الأوروبي, وخروج آلاف اليونانيين للاحتفال بنتيجة الاستفتاء, إلاّ أن رئيس الوزراء إليكسيس تسيبراس, خرج ليعلن صعوبة رفض خطة الإنقاذ الأوروبية لآثارها الكارثية على اليونان وطلب من الاتحاد الأوروبي إمهاله إسبوعين لسداد 1.6مليار دولار لصندوق النقد الدولي, ولكن الاتحاد الأوروبي رفض إعطاءه المهلة إلاّ بشرط تجهيز خطة لكيفية سداد الديون.
ولم يستطع تسيبراس تدبير المبلغ ولا إعداد الخطة, وبدلاً من ذلك حمل بعض المقترحات والمطالبات لطرحها على وزراء مالية منطقة اليورو المجتمعين في بروكسل, والتي تضمنت إلغاء 30% من ديون اليونان البالغة 323مليار يورو, ومنح اليونان إعفاء 20عاماً من السداد, وضمان سيولة نقدية للنظام المالي اليوناني, البدء في إصلاحات اقتصادية دون إجراءات تقشفية قاسية تؤدي إلى أقل نسبة ركود, مساعدة اليونان في تنفيذ برنامج نمو اقتصادي قوي, إعادة جدولة ديون اليونان بإلغاء نسبة منها وتأجيل سداد الباقي, رفضت ألمانيا أكبر الدائنين شطب أي ديون لها وأصرت على تقديم تسيبراس لخطة السداد.
ورغم ذلك فألمانيا وفرنسا أكثر دول الاتحاد حرصاً على بقاء اليونان داخل منطقة اليورو, لأنهما أكبر الدائنين, وإلغاء اليورو كعملة داخل اليونان والعودة للدراخمة, سيترتب عليه فقدان العملة اليونانية 40% من قيمتها أمام اليورو, مما يجعل سداد اليونان لديونها أمراً مستحيلاً, ولن يكون أمام الدائنين الفرنسيين والألمان سوى البكاء والحسرة على أموالهم, وستتأثر بريطانيا وإيطاليا وإسبانيا من تداعيات خروج اليونان لتراجع الإنتاج الصناعي وفقدان السوق اليوناني الضخم, وستنهار أسعار الأسهم وتتدنى نسب النمو الاقتصادي في منطقة اليورو؛ مما يعني فشل ونهاية الاتحاد الأوروبي كمنطقة متضامنة, وانهيار العملة الموحدة ونهاية الحلم الأوروبي, فهل تنجح أوروبا في إنقاذ اليونان؟!

إلى الأعلى