الثلاثاء 24 يناير 2017 م - ٢٥ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / المحليات / رحاب : المغبور

رحاب : المغبور

فتح محفظة نقوده المهترئة؟ نظر بداخلها وجعل يتفقد جيوبها فاكتشف أن لديه خمسة ريالات فقط، كان في المحفظة مبلغ أكبر من ذلك بكثير ولكن طوافه على خيام الأعراس جعله يفتح محفظته مرات كثيرة من حيث لا يعلم فيخرج تارة عشرين ريالا وتارة عشرة ريالات وأحيانا خمسين ريالا حتى أفرغ المحفظة دون أن يدري قبل أن يكمل تلبية الواجب الذي حضر لأجله، وحيث أنه لم يكن يمتلك سيارة فقد اضطر أن يركب أكثر من سيارة وأن يقف أحيانا في أكثر من مكان منتظرا سيارات تتجه إلى منطقة أعراس ولاية طاقة بجوار الحديقة العامة للولاية. وبالرغم من نفاد النقود التي كانت لديه باستثناء خمسة ريالات؛ فإنه لم يكتف بذلك، بل جعل يستلف من هنا وهناك لكي يكمل نثر (المغبور) على بقية الأعراس. كم تكون لذته عندما يأخذ مكانه في طابور ( المغبور) منتظرا دوره أن يدفع ما تجود به ظروفه لتلبية واجب يراه مقدسا. يقوم بذلك كل يوم خميس وأحيانا كل يوم سبت، يطوف بالزيجات في أماكن مختلفة من الولاية معتبرا ذلك من المروءة ومن نوافل الدين ومن دواعي الرجولة والمؤازرة وكل ذلك يدفعه بأن يتحرى هذا الواجب، كما لو كان يدفع دينا ملزما لا يقبل مبررات التأخير أو التقاعس.
لا يتعدى دخله الشهري راتب جندي في قوات الفرق، وليس له مصدر دخل آخر، ومنذ أن صار له راتب قبل عشرين سنة وهو يقوم بهذا العمل مثلما يفعل أغلب رجال محافظة ظفار. يلبي هذا النداء ويقدم بسخاء نفس وأريحية طبع على رصد مبلغ مستقل لسداد واجب (المغبور) كما يطلقون عليه في المحافظة. عندما رجعت إلى معنى كلمة ( مغبور) باللهجة المحلية في ظفار، اكتشفت أن الكلمة تشير إلى الغبر، و ربما للتعبير عن مسح غبار الواجب عن الوجه.
استوقفته ودفعني فضولي لأساله عندما أخبرني من كان بجواري بأنه صاحب واجب، خلوت به وهو يخرج من إحدى الخيام وسألته كم عرسا حضرت اليوم؟ فاحمر وجهه خجلا وهو يتوارى متجنبا حتى النظر إلي؛ معتبرا ذلك مما يجب أن يسكت عنه وأن تخفيه يمينه عن يساره.
ابتعد عني؛ لكي يكمل ما تبقى من الأعراس التي تناثرت بشكل غير مسبوق على امتداد مساحة امتدت من دوار مدينة طاقة حتى مشارف الجبل. حاولت أن أجلس وأتأمل ماذا يعني هذا العمل؟ لعلي وأنا المقل في حضور الأعراس لانشغالاتي أستطيع أن أحاكي هذا الرجل الأقل مني دخلا والأكبر سنا مني وليس لديه سيارة، ويقترض كل شهر لكي يمسح عن وجهه غبار الواجب كما هو شائع في المحافظة. يعتبرون من لا يشارك الناس هذا الواجب كمن يتوارى عن القوم تمعرا وخجلا من التقصير. ولذلك فإن أقصى عقاب اجتماعي يمارس بحق من يتخلف عن ذلك، أن يقال عنه عندما يرد ذكر اسمه (هذا ليس له وجه). فهوية الإنسان هنا تزيد أو تنقص وقدره يعلو أو ينخفض وشأنه يكبر أو يصغر وسط قومه ومعارفه على قدر أدائه للواجب. كل قصور يمكن تعويضه وكل كسر يمكن جبره إلا النكوص عن فعل الواجب. وثقافة الواجب أمر مقدس هنا، وتحفل الروايات الشعبية بكم هائل من الموروث الشعبي الذي يشكل ذاكرة (الواجب) أو باللهجة المحلية (الوجب) بتسكين الجيم والباء. ويتداول السكان في محافظة ظفار قصصا كثيرة وأشعارا محفوظة عن المروءة والكرم والإيثار ومن بينها رواية عن رجلين من سكان ظفار-عاشا منذ عدة قرون-تسابقا عند خروجهما من المسجد إلى الإمساك بضيف خرج معهما، وتحول الكرم إلى عراك بين الرجلين، يمسك كل منهما بذراع الضيف الذي كاد أن يهلك بينهما لولا تدخل حكيم قضى بأن يتولى أحدهما استضافته للغداء والآخر للعشاء.

د. أحمد بن علي المعشني
رئيس مكتب النجاح للتنمية البشرية

إلى الأعلى