السبت 19 أغسطس 2017 م - ٢٦ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / يا مريم… تفاصيل ذاكرة في مرايا مقعرة

يا مريم… تفاصيل ذاكرة في مرايا مقعرة

يا مريم للكاتب سنان أنطون، صدرت عام 2012م عن دار الجمل ورُشِحَتْ ضمن القائمة القصيرة لجائزة البوكر العربية لعام 2013م. وسنان أنطون هو شاعر وروائي وقاص ومترجم، ولد بغداد عام 1967م، ترجم أشعار محمود درويش وسركون بولص وسعدي يوسف والكثير من الشعراء إلى الإنجليزية، تحتوى روايته “يا مريم” على 159 صفحة من القطع المتوسط.
صوّر الكاتب أحداث الرواية منطلقاً من الحادثة الحقيقية التي حدثت في العراق، عندما اقتحمت مجموعة ارهابية مسلحة كنيسة النجاة في منطقة الكرادة ببغداد في تمام الساعة الخامسة وخمسة عشرة دقيقة من عصر يوم الاحد 31 من شهر سبتمبر 2010م، وتدور احداث الرواية حول شخصيتين متناقضتين، يوسف كوركيس ذو الثمانيين ربيعاً، ومها الشابة ذات العشرين ربيعاً، وهم من عائلة مسيحية، جمعتهما ظروف البلد تحت سقفٍ واحد، يوسف يرفض كل محاولات الأهل والأصدقاء لإقناعة بالهجرة من العراق، ويظل يتمسك بالوطن، يتمسك بالماضي الجميل، يتمسك بأمل العراق القادم، على الأقل في ذاكرته، مها الطالبة في كلية الطب، ضاقت ذرعاً من التعصب الطائفي، فقدت جنينها (بشّار) – الذي لم يولد-؛ والذي جاء من الرحم إلى اللحد دون المرور على المهد، فقدت مها إبنها نتيجة انفجار سيارة مفخخة قرب منزلهم، تتغير حياة مها، وتهجر منزل أهل زوجها ويستضيفهما يوسف في منزله ببغداد، الذي يتكون من طابقين، وتستمر الأحداث.
ما يميز الرواية أنها تحكي أحداث 24 ساعة فقط، مَنْ النقاش الحاد بين يوسف ومها، ووجود يوسف صريعاً بين ضحايا كنيسة النجاة التي لم ينجُ منها يوسف ونجت مها، التي راحت تسرد تفاصيل الحادث عبر قناة عشتار، رغم رفض زوجها لؤي الظهور على الشاشة؛ خوفاً على حياتها، ولكنها أصرت؛ لكي يعرف العالم حجم المأساة التي ألمت بهم.

سرد متنوع
تنوع السرد بين الراوي العليم، وبين الشخصيتين المحوريتين يوسف ومها، فبدأ يوسف يسردُ الأحداث في اليوم الذي احتدم النقاش بين يوسف ومها، وذهاب مها إلى الطابق العلوي، يعتذر منه لؤي، ثم يذهب يوسف لينام، ولكنه يظل يتقلب في الظلام متفكرا في قول مها: “أنت تعيش في الماضي”، في الفصل الثاني الذي جاء بعنوان (صور) يسرد هنا الراوي العليم أحداث الصور التي ظل يوسف يقلبها ويتذكر أحداث كل صورة، تنوعت هذه الصور بين الأهل والأصدقاء وزملاء العمل، وقصة حب مع دلال، والسياسية وتاريخ العراق، ثم يعود يوسف ويسرد حكايته مع الماضي، وفي الفصلين الأخيرين تسرد مها باقي الأحداث حتى وفاة يوسف في الكنيسة.
هذا السرد المتنوع أعطى نكهة خاصة للقاريء، نقل مخيلته من صورة إلى أخرى بسهولةٍ وذكاء في نفس الوقت، تتقاطع فيه سرديات الذاكرة الفردية والجمعية مع الواقع، لم يغفل الكاتب حتى أدق التفاصيل مما جعل الصورة البصرية للقارئ حاضرة وبقوة في النص السردي، فعندما كانت تصف مها خالها (مخلص) كانت ترتسم صورة أمام مرأى نظر القارئ، أو عندما كان يصف يوسف غرفة أخته حِنة، يتصور القارئ تلك الغرفة أمام عينية، وهذا يفسره اشتغال الكاتب سنان أنطون بالأفلام السنيمائية، وبدا واضحاً جداً تعامل الكاتب مع أحداث الرواية بهذا الحس التصويري الرائع.

الذاكرة والتاريخ
لقد تناول الكاتب ذاكرة التاريخ عبر الشخصية الرئيسية يوسف كوركيس؛ فقد تناول الأحداث التي مرت بها المنطقة مثل احتلال العراق للكويت عام 1990 وما تلاه من تداعيات خطيرة على المجتمع العراقي، تركت اثرها العميق على العراق، ونتيجة لذلك فقدت شهدت العراق انتفاضة شعبية، وتمكن الرئيس العراقي من قمعها، وأيضا ما واكب العراق من فرض حصار دولي ظالم أثّر في نسيجِ المجتمع العراقي بما سببه من جوع وأمراض فتكت به.
كان يوسف مصراً على أن نقطة التحول الرئيس في تاريخ العراق هو عام 2003 فهو حدث لا يشبه ما حدث قبل ذلك في ضراوته، ولكنه كان متفاءل في تحول العراق إلى هونغ كونغ الخليج. وكان الكاتب ذكيا في الاستدعاء التاريخي للماضي القريب في ربط احداث الرواية بالتاريخ، وبالتالي وصلت فكرته إلى مخيل القارئ، بالرغم من مخالفة مها لتأويلات يوسف وتفاءله الكبير.
أيضا حضور السيدة مريم بما تمثلها من قداسة دينية، هذا الحضور كان جلياً في شخصية “حنة”، كذلك استعرض الكاتب التاريخ من خلال الصور التي كان يوسف يقلبها في تلك الليلة التي تشاجر فيها مع مها، هذه الصور تحكي مواقف حياتية وأحداث من الماضي، سردها الكاتب بشكلٍ سلس.
وطن مفقود مها الثلاثينية بنت المأساة،، تشردت أسرتها في الحروب الطائفية، وفقدت خالها (مخلص)؛ لأنه مسيحي، وطفلها (بشّار) في إحدى الغارات المسلحة، وعاشت لاجئة في بيت يوسف، فلا ترى في المكان إلا محطة للهجرة من جحيمه القاسي. شخصية مها كانت تتناقض مع شخصية يوسف كوركيس، فبينما يبحث يوسف عن عراق كان، تحاول مها الهرب من عراق الآن، الواقع المؤلم التي ولدت عليه مها كان له دور في رؤية مها لوطنها، فعندما كانت صغيرة كانت متعلقة جداً بخالها، وفجأة لم يعد يزروهم، وكانت تسأل عنه، ولأول مرة اصبحت تسمع كلمة “اختطاف” ترافقها مفردة أخرى “فدية”، كانت تذكر جيدا منظر النسوة وهن لابسات الأسود، ووالدتها تبكي بمرارة. تروي مها حالة الإكتئاب التي ألمت بآبيها وصياحات جامع النور أن على أهل الذمة أن يدفعوا الجزية، أو يدخلوا الإسلام. تذكر أيضا مشاعر الغربة والإختناق والتشرد الذي رافقها منذ ولادنها، تصف أوضاع العراق بعد 2003، الحدث الذي لا يشبه حدث قبل ذلك في شدة ضراوته، رغم توهم يوسف أن العراق سيتحول إلى هونغ كونغ العرب أو كما كانوا يقولون في الأخبار، الحدث السعيد هو ارتباطها بلؤي الشاب الوسيم ذي الشعر الأسود الناعم، واللقاء الذي تم في الكنسية، وبعد ذلك الزواج في كنيسة ماربثيون، ثن الانتقال إلى بيت يوسف، أما المأساة الحقيقية التي ترويها مها فهما الإنفجاران اللذان اوديا بحياة ابنها (بشّار)، كان الشارع مستهدفاً؛ لأنه يقطنه أغلبية مسيحية، انفجرت السيارتان المحملتان بالموت في الساعة الرابعة صباحاً، تهشمت الشظايا ووجدت طريقها إلى غرفة مها ولؤي، لتصيب مها نوبة صراخ لا تنتهي إلا وهي في المستشفى، ولما علمت بفقدان الجنين دخلت في حالة اكتئاب شديدة، ولم تعد إلى منزلها كما هي، اصبحث شديدة الحساسية لأي ضجيج، واصبحت تجلس لوحدها تسمع التراتيل. وأخيراً نجاتها من الموت بأعجوبة في تفجير كنيسة عراقية، تذكرها وهي تتذكر وطنها المفقود.

اللهجة العراقية
ما يُؤخذُ على الروايةِ أنَّ كل الشخصيات الرئيسية مسيحية، ولعلنا نجد أن الكاتب كان محقاً في ذلك؛ لأن الكاتب يركز على الطائفة المسيحية التي تعيش في العراق منذ قرون.كذلك سرد الكاتب الأحداث باللهجة العراقية، إلا أنها لم تكن عائقاً أمام القاريء إلا في بعض المصطلحات العامية الخاصة جداً، ولكن هذه اللهجة جعلت النص السردي واقعي جدا، وزاد من مصداقية الحدث، اللهجة العراقية جميلة، وعندما تقرأ النص، يتصور أمامك المشهد وكأنه مسلسل تمثيلي، حس الكاتب وإبداعه يظهر أيضا في تعاملة مع اللهجة العراقية في عدة مواقف.
واخيرا لا يمكن الحكم على النص السردي انطلاقا من الواقع؛ لأن النص السردي نص أدبي له منطقة خاصة يبينها الكاتب موازياً للواقع الحقيقي لا عاكساً له. وهذا ما ينطبق تماماً على رواية يا مريم.
يونس بن جميل النعماني
Star11121@hotmail.com

إلى الأعلى