الثلاثاء 19 سبتمبر 2017 م - ٢٨ ذي الحجة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / لوحات كفن … شذرات من أختام الفنّ

لوحات كفن … شذرات من أختام الفنّ

هذه قراءة يتواشج في تضاعيفها التّشكيليّ والسّيميائيّ والشّعريّ تهفو إلى التّعبير عن اللاّمرئيّ الكامن في الجميل يشدّنا إلى جوهرنا الإنسانيّ

المعرض: في تشكيل البيئيّ
المعرض لعبة جماليّة أثيرة نسيجها مبدأ التّحويل وأفقها تشكيل الأشياء المنثورة في طريق النّاس والملقاة في معابرهم اليوميّة، علامات وأعمدة من الرّمز والدّلالة، بل هي أيضا إحالة للنّفايات وهوامش المواد المعدنيّة والبلاستيكيّة إلى إطار ناظم، قوامه أكثر من اربعون لوحة مختلفة الأحجام والأبعاد.
لم تسمّ دلال الصماري لوحاتها بأسماء، بل لفّتها في علامة الكفن، ووارتها تحت أديم النّسيان، نسيان الاسم والأصل والموت الأوّل والأخير، وقدّمتها أمام العين حبلى بالمعاني المضافة إلى ما يرد من الطّبيعة، وما يصدر عن الهامش.
يدفعنا معرض لوحات كفن، إلى الإقامة في الخواطر البهيجة رغما عنّا، ويمنحنا من تراسل الفنون والظّنون ما به نسترجع بلاغة المتنبّي وهو يحدث في الموت إنشاء، فيؤنس وحشته ويحسّن قبحه:
صلاة الله خالقنا حنوط
على الوجه المكفّن بالجمال
وهكذا لوحات كفن، تحوّل المتلاشي الى منابع للجميل، والمهمّش المنسيّ الى متعال بديع، وتدمج النّفاية في ملجأ أخير يحرّرها من غطرسة النّسق الاجتماعيّ وثقافة الجموع، والعامّة، والغوغاء، والدّاصّة، وسقط المتاع، وتستحيل اللّوحة تهوئة للمهترئ بعثا للميّت الخاوي، إذ الفنّ، كلّ فنّ طريق لمقاومة الضعف فينا ورفض الانسحاق والهامشيّة، والفنّ، كلّ فنّ، مهاد لتهذيب اللاّنفعي وانسياب الفضلة نحو العمدة.

العرض: لوحات من فضلات الجموع.
يلتقط الفنّان من العالم ما يخلّفه أهل هذا العالم وراءهم، وما ترمي به الطبيعة بعد ساعات انفعالها، كمثل الشّاعر هو، بل هو الشّاعر يشعر بما لا يشعر به غيره، فيلتقط ما لا غيره يلتقطه.
الكفن في لوحات دلال الصماري، يذكّرنا بسطر شعريّ أثير في رثاء محمود درويش لادوارد سعيد:
“ليس الجماليّ إلاّ حضور الحقيقيّ في الشّكل”
إذ اللّوحات بأحجامها المختلفة، تلتقط قطعا من المعادن الصدئة أو بقيّة خشب متروك أو قطعا من أسلاك أو قماش أو بلاستيك وورق مقوّى، وتبعث فيها يقظة، تحرّرها من سبات المادّة بعثرتها بيئة فوضويّة، وتدمجها في مسارات مزاجيّة وطبقات هلامية مقدودة من جغرافيا الانسان ومناخات المكان، لتسكن في اللّوحة، أرض العلامة والتّدلال، فتفيض بالمعنى متى خالطتها حركية الحروف والخطوط، وتغدو تشكيلا مستمرّا لا يشدّنا بالقيم الضوئيّة ولا يغرينا بما وراء اللّون، بل بتفاعل المادّة وهي ترتحل من بيئتها الأولى أرض اليباب إلى أديمها الجديد الشّفيف، يلهمنا ذكرى عودتنا إلى أطوار البدائيّة الأولى وبكرة جمالنا، إلى ولادتنا الشّعريّة وعالم الإلهام الذي يحيينا، بلوحات تستثمر المواد البيئيّة على عواهنها، فتخلّصها من الصّلابة والعتمة وتقرّبها من اللّين والضوء وكثافة المعنى.

لغة اللّوحة: الكلام بالطّروس
تتّخذ طائفة من اللّوحات بنية تشكيل روحها مستلهمة من نسقيّة الطّروس، والطّرس هو طبقة من النّصوص تتوالد بفعل المحو يمحو النصّ الآخر، فيولد على أديمه، منه، مغايرا له.
الطّرس نسق مخاتل، يتحوّل فيه الكفن إلى تشكيل موارب، يغطّي ميّت المواد في عزلتها إلاّ أنّه سرعان ما ينسجها حياة.
أكبر لوحات المعرض، سمّيتها الطرس، خاماتها وموادها البيئيّة ليست صفحة للطيّ وإنّما هي مشرعة على جلال الحفر، وظلال المخطوطة، تضع نار دهشتها من طلاسم الحرف وانتظار عودة الجملة النّسق، بل من استحالة برودة الأشياء المعزولة قاعا يفيض أجراسا تصفع الصّمت وتعاند رخاوة الهامش… إنّها لوحة طرس تنقذ ما يسمّيه هيغل “الوجود الكسول” المتّخذ من معدن الزّوال والقبح، وتتعبّد في كون الانتثار، فتضرب النّموذج التّقليديّ للمحاكاة، وتعادي الفنّ النّسخة مستعيضة عنه بفيض أنوثة الأشياء تتآلف بأخلاق الجوار، فتجدّد تأويل العين لبقايا المواد، وتلك هي لعبة الفنّ في لوحة الطّروس.

عادل الغزال
adel.elghazel@gmail.com

إلى الأعلى