الثلاثاء 28 مارس 2017 م - ٢٩ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الاقتصاد / القانون والناس : قراءة في قواعد روتردام للنقل البحري الدولي للبضائع

القانون والناس : قراءة في قواعد روتردام للنقل البحري الدولي للبضائع

(3) أساس مسؤولية الناقل البحري

المسؤولية المدنية نوعان: عقدية وتقصيرية وتكون المسؤولية عقدية اذا كان الالتزام الذي وقع الإخلال به عقديا. أما المسؤولية التقصيرية فتتحقق عندما لا يوجد عقد بين المضرور والمسؤول، فهي تقوم من حيث الأصل خارج حدود العلاقة العقدية نتيجة الإخلال بالتزام يفرضه عليه القانون… ولا شك أن مسؤولية الناقل البحري تجاه الشاحن في ظل الإتفاقيات الدولية والقوانين الوطنية ذات طبيعة عقدية، لأنها تنشأ نتيجة الإخلال بأحد الالتزامات التي يفرضها عقد النقل البحري… وبطبيعة الحال يرتبط أساس المسؤولية بحسب الأصل بطبيعة الالتزام فإذا كان التزام الشخص ببذل عناية فإن مسؤوليته تقوم عندها على أساس الخطأ المفترض، أما الحالة التي يكون فيها التزام الشخص بتحقيق نتيجة فإن المضرور معفى من إثبات خطأ الناقل إذ تقوم مسؤولية هذا الأخير بمجرد عدم تحقق النتيجة المتفق عليها.
والواقع أن مسؤولية الناقل البحري لم تبن على اساس واحد، وانما تعددت الأسس القانونية على المستوى الدولي والوطني كما تنوعت هذه الأسس في الفترة السابقة على صدور قواعد روتردام… بيان ذلك أن إتفاقية بروكسل 1924، حتى بعد تعديلها ببروتوكول فسبيجاءت عبارة النص التي تحدد الأساس القانوني غير واضحة واختارت النص على عدم المسؤولية بدلا من النص على المسؤولية وكأن الأصل عدم مسؤولية الناقل.
وقد أدى هذا الغموض الى خلاف فقهي حول حقيقة الأساس الذي تتبناه الإتفاقية هل هو قرينة المسؤولية أم قرينة الخطأ…وبالرغم من غموض نصوص الإتفاقية الا أنها كانت بسيطة في تحديد موقفها من أساس المسؤولية فهي افترضت الخطأ في حق الناقل، ومكنته من وسيلتين لدرء مسؤوليته إما أن يثبت أنه هو أو وكلائه أو مستخدموه قد إتخذوا الإحتياطات اللازمة لمنع وقوع الخطأ أو لدرء آثاره… أو أن يثبت أن الهلاك أو التلف كان نتيجة واحدا من الأسباب العديدة المنصوص عليها في البند (2) من المادة (4) من الإتفاقية… وبالتالي في حالة نجاحه لاثبات احدى الوسيلتين يعفى من المسؤولية… أما فيما يتعلق بقواعد هامبورج فقد تبنت قاعدة عامة في تأسيس مسؤولية الناقل وأوردت عليها إستثناء في حالة وقوع الهلاك أو التلف أو التأخير بسبب حريق تسبب في هلاك البضاعة المنقولة.
ففيما يتعلق بالقاعدة العامة، فإنها تبنت قرينة الخطأ إذ يفترض خطأ الناقل بمجرد وقوع الهلاك أو التلف أو التأخير ما لم يثبت أنه هو أو تابعوه أو وكلائه إتخذوا جميع الإجراءات المطلوبة لتفادي وقوع الحدث المسبب للهلاك أو التلف أو التأخير. أما قواعد روتردام فقد سارت على نهج قواعد هامبورج، حيث نصت صراحة على مبدأ مسؤولية الناقل في المادة (17/1) منها بمجرد أن يثبت طالب التعويض أن الهلاك أو التلف أو التأخير قد وقع في مدة مسؤولية الناقل إلا أنها تخالف قواعد هامبورج في أنها لم تتبن الاستثناء الخاص بالحريق… يضاف الى أن قواعد روتردام 2008 رغم تبنيها قاعدة عامة في تحديد الأساس القانوني لمسؤولية الناقل البحري إلا أنها توصف بالتعقيد لمعالجتها لموضوع هذا الأساس، بيان ذلك أن هذه القواعد أسست المسؤولية على مرحلتين الأولى تقوم على قرينة الخطأ وتجيز للناقل دحض هذه القرينة ليتخلص من مسؤوليته بأن يثبت عدم وقوع خطأ من جانبه أو من جانب تابعيه، وإذا نجح في ذلك ينتهي الأمر، ويعفى من المسؤولية… غير أن هذه القواعد مكنت الناقل درء مسؤوليته بإثبات توافر سبب من الأسباب العديدة التي ذكرها البند (3) من المادة (17)… وهنا تبدأ المرحلة الثانية.. اذ أن هذه القواعد الجديدة اعتبرت فقط ان هذا يعد قرينة على عدم وقوع الخطأ من قبل الناقل ونقل عبء إثبات العكس على عاتق طالب التعويض… ولم تقيد هذا الأخير بإثبات معين، وانما أجازت له أن يثبت خطأ الناقل أو أحد تابعيه أو أن الضرر نتج عن حدث آخر غير الأحداث المنصوص عليها في البند (3) من المادة (17) أو أن الهلاك أو التلف أو التأخير كان بسبب عدم صلاحية السفينة… والقارئ للقانون البحري العماني، يجده أنه تأثر كثيرا بنصوص اتفاقية بروكسل فجاءت نصوصه غير واضحة كلية في تبني أساس معين لمسؤولية الناقل البحري… ولهذا وان كان لنا رأي في هذا الشأن فإننا نحث المشرع العماني تبني اسلوب قواعد هامبورج وترك أسلوب معاهدة بروكسل القديمة.

الدكتور سالم الفليتي
محام ومستشار قانوني
كاتب وباحث في الحوكمة والقوانين التجارية والبحرية
salim-alfuliti@hotmail.com

إلى الأعلى