الخميس 23 مارس 2017 م - ٢٤ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / شراع : انتهاك المسجد الأقصى .. أين إعلان النفير العام؟

شراع : انتهاك المسجد الأقصى .. أين إعلان النفير العام؟

خميس التوبي

إن من ينظر إلى واقع العرب والمسلمين يجد أن الاستعمار نجح في تحويل سوادهم الأعظم إلى مجرد كميات بشرية في صورة أكوام متباينة في الحجم والنوع والتوجه والأيديولوجيا، وفي صور عصابات وأنظمة مرتزقة أسدل عليها ألحفة الجهل والطائفية والمادية، فغدت تُسبِّحُ بحمده، ولا تجيد سوى الشذوذ الأخلاقي، والتمرد على الأوطان وخيانتها، وبيع الولاءات والذمم، والاقتتال الطائفي والمذهبي، والتحلل من القيم والمبادئ والانسلاخ من الفضائل، والافتتان حتى الثمالة بالأخلاقيات الشاذة والمعاكسة للفطرة السوية والطاغية في ثقافة الاستعمار، وكأننا بهذه الأكوام البشرية المكدسة في جهات الأرض الأربع (المحسوبة على العروبة والإسلام للأسف) تسعى إلى محاربة الوصف والوعد الإلهي بأن هذه الأمة هي خير أمة أخرجت للناس.
ومن يمعن النظر أكثر ويفحص الأشياء في فلسطين المحتلة ويقارنها بأشباهها ونقائضها في سوريا والعراق ولبنان وليبيا ومصر وتونس واليمن والجزائر وأفغانستان وباكستان وغيرها، يلمس النجاح المنقطع النظير للاستعمار وحالة الاستحمار التي وصلت إليها تلك الأكوام البشرية وهي تحمل على أكتافها بنادق إرهاب أسيادها المستعمرين، وترفع في يديها سواطير الإرهاب والعمالة والخيانة والخسة والنذالة وفاءً والتزامًا بما عاهدت عليه أسيادها المستعمرين بتدمير أوطان العروبة والإسلام، وإبادة الحرث والنسل فيها وسط صيحات التكبير والتهليل، التقاءً وانسجامًا مع إرهاب كيان الاحتلال الصهيوني سيد الاستعمار وواضع مخططات تكويم المحسوبين على العروبة والإسلام.
وفي الوقت الذي تسجل فيه المنظمات الدولية المعنية بالغذاء ارتفاع نسبة الفقر في العديد من البلدان العربية والإسلامية، بوتائر متسارعة، في السنوات الأخيرة، تخرج علينا دول الاستعمار بإحصائيات صادمة عن أعداد الإرهابيين وتقديراتهم التي تتجاوز المئة ألف إرهابي بكثير والمنضوين تحت مسميات ما أنزل الله بها من سلطان احترفوا الإرهاب الذي تلقفوا نشره بالوكالة والعمالة والخيانة، وأمعنوا في تشويه الإسلام والعروبة بتسمية إرهابهم بمسميات “جيش الفتح” و”جيش الإسلام” وغيرها من المسميات التي اتخذت من اسم الرسول الأعظم وصحابته الكرام الأطهار اسمًا ورسمًا لإبادة الحياة والحرث والنسل. فشتان بين جيش الفتح الذي دخل مكة فاتحًا، رافضًا إسالة قطرة دم واحدة، وأن من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن، ومن ألقى السلاح فهو آمن، حتى وصلت نهاية الفتح إلى قول قائد جيشه محمد صلى الله عليه وسلم “اذهبوا فأنتم الطلقاء”، وبين جيش مكون من عصابات إرهابية إجرامية أوغلت في سفك الدماء في محافظة إدلب السورية، وفي جسر الشغور والسويداء وغيرها، بإعدام أسر وتهجير أخرى. وشتان بين جيش الإسلام في زمن الخليفة أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وتوصية الجيش بأن لا يقتل طفلًا ولا امرأةً ولا شيخًا، ولا يقطع شجرةً ولا يدمر بئرًا ولا… ولا…، وبين عصابة إرهابية إجرامية اتخذت من الإسلام اسمًا ظلمًا وعدوانًا لتبرر جرائمها بحق الأبرياء الوادعين في منازلهم وفي الشوارع وفي الأسواق وفي قضاء مصالحهم في دمشق وحلب وإدلب وحمص واستهدافهم بقذائف الهاون وصواريخ الكاتيوشا ونهب أقواتهم. ومن المؤكد أن هذه الدول والمنظمات مثلما طالعتنا بأرقام صادمة عن الجوعى والفقراء وأعداد الإرهابيين والضحايا أيضًا من القتلى والمهجرين، ستطالعنا بأرقام صادمة ومفجعة عن أعداد الأميين الذين حرموا وسيحرمون من حق التعليم جراء هذا الإرهاب، حيث كل المعطيات تؤكد أن هناك مخططًا من ضمن المؤامرات التي تستهدف الوطن العربي بالقضاء على أكثر من جيل، ووضعهم في غياهب الجهل والفقر والتشرد والعنف والإرهاب والضياع وفقدان الأمن والاستقرار، فهذه الأجيال في سوريا والعراق وليبيا واليمن وغيرها التي يفترض بها أن تكون في محاضن التربية والأسرة وعلى مقاعد الدراسة، وأن تحاط بمشاعر العطف والحنان والطمأنينة، اليوم تسقى كؤوس الإرهاب والتطرف والغلو والعنف، وتغرس فيها الأفكار الشاذة والكراهية والطائفية والمذهبية والتمرد على الأوطان.
اليوم ونحن تمر أمام أعيننا مشاهد هذا الواقع المرير، ونعيش هذه الكوارث والفواجع، ونتهيأ لاستقبال المزيد منها والتي هي ـ للأسف ـ من صنع الكميات البشرية التي أنتجها الاستعمار الصهيو ـ غربي والمحسوبة على العروبة والإسلام، يعتصرنا الألم أن نرى نتائجها المباشرة التي أرادها الاستعمار الصهيو ـ غربي على أرض فلسطين، سواء تجاه المسجد الأقصى أو تجاه الشعب الفلسطيني بأكمله.
على أن الأشد إيلامًا، أن نسمع أصواتًا تطالب بتدخل دولي لحماية الأقصى وإنقاذه من دنس الصهاينة، وحماية كافة المقدسات الدينية بمدينة القدس، ووقف جميع الانتهاكات والاستفزازات غير المبررة من قبل كيان الاحتلال الصهيوني، وهذه الأصوات هي ذاتها التي تنادت من كل حدب وصوب فيما سمي باجتماع العلماء الشهير في القاهرة لتعلن النفير العام لما أسمته “الجهاد” ضد الشعب السوري بحجة مساعدته حتى تحقيق مطالبه. حقًّا إنها تناقضات ومفارقات لا تتخم بطون الكلاب وحدها، بل والحمير والبغال، وكل ما امْتُطي. إنها نكسة تعيشها الأمة في ظل قطعان مستحمرَة ومستنوَقة يسوقها مستعمرون ومستحمِرون. لك الله يا أقصى لك الله يا أقصى في زمن الردية والعمالة والخيانة.

إلى الأعلى