الخميس 25 مايو 2017 م - ٢٨ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / سوريا الوطن بين الثوابت والمتغيرات والمبادرات

سوريا الوطن بين الثوابت والمتغيرات والمبادرات

علي عقلة عرسان

”نعم إننا أمام تغيير مواقف وتوجهات، بعد اتفاق فيينا المتعلق بالملف النووي الإيراني، ويمكن أن يظهر مدى هذا التغيير، وأبعاده، وآفاقه، وبعض تطبيقاته المتصلة بالمنطقة كلها، في عرض ديمستورا ومقترحاته، التي سيقدمها من خلال تقريره إلى مجلس الأمن الدولي مطلع آب ٢٠١٥، ولكنه يبقى تغييراً حذراً جداً،”
ــــــــــــــــ
الحديث عن منطقة آمنة، تتحول إلى منطقة حظر جوي أو تستدعيه، بدأ يأخذ أبعاداً واقعية، بعد تدخل تركيا عسكرياً ضد داعش وحزب العمال الكردستاني في شمال سوريا والعراق.. فقد صرح مسؤولون أتراك، على رأسهم أحمد داود أوغلو، رئيس الوزراء، ووزير خارجية تركيا مولود شاويش أوغلو، بأن هذا الأمر أصبح واقعاً، بعد إبعاد داعش عن معظم تلك المنطقة، ويمكن للسوريين اللاجئين إلى تركيا والمعارضين المسلحين أن يعودوا إلى هذه المنطقة، التي حددت بين جرابلس ومارع، بطول ٩٠ كم وعمق ٥٠ كم وقد تزداد. وفي تصريح لاحق لرئيس الوزراء التركي نقلته جريدة ” حريت” قال: “إذا لم نرسل وحدات برية على الأرض ونحن لن نفعل فلا بد حينئذ من حماية تلك القوات التي تعمل كقوات برية وتتعاون معنا.”. ثم قال في يوم الاثنين ٢٧ تموز/ يونيو ٢٠١٥: “اتفقنا مع الولايات المتحدة الأميركية، على الحاجة لتأمين غطاء جوي للمعارضة السورية.”. ومن المعروف أن تركيا عضو في حلف الناتو، وقد “دعت مجلس حلف الناتو إلى عقد اجتماع، في إطار المادة الرابعة من معاهدة واشنطن.”.. وقد عقد هذا الاجتماع الذي ترأسه ينس ستولتنبرغ أمين عام حلف الناتو، في يوم الثلاثاء الواقع في 28 تموز/يوليو 2015″، وبحث الوضع المستجد، بدخول تركية الحرب على داعش وحزب العمال الكردستاني، وعزمها على تأمين مناطق حماية، آمنة، أو منطقة حظر جوي، في شمال سوريا. وبهذا سيأخذ الصراع الدموي الجاري في سوريا منحى جديداً، وتتغير نوعية المعارك والمواجهات، وتمتد أو تتقلص وفق ظروف ومعطيات ميدانية جديدة.. وسيفتح هذا أبواب صراع من نوع مختلف عن السابق، وقد يمهد لتطورات ومواجهات من نوع مختلف، قد لا تتوقف عند حدود مدينة حلب، وربما عند حدود سوريا والعراق اللذين تجري على أرضهما الحرب، إذا لم تكن هذه التطورات نتيجة لاتفاقات وتوافقات دولية، تشارك فيها دول المنطقة المعنية بالصراع، لا سيما إيران وتركيا والسعودية، والأردن، ودول الخليج العربي .. أرهصت بها مبادرة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.
وقد ترافق ذلك التطور، بتغيير نسبي، حذرٍ، متحفظ، وينطوي على احتمالات كثيرة، ولا يلغي الخيارات القائمة.. وتم التعبير عن ذلك في الخطاب السياسي الرسمي السوري، لا سيما في خطاب رئيس الجمهورية، يوم الأحد ٢٦ يوليو/تموز ٢٠١٥، حيث وردت فقرة، ربما كانت مناط الخطاب، نصها الآتي: “.. بالمقابل، كان نهجنا وما زال هو التجاوب مع كل مبادرة تأتينا من دون استثناء، بغض النظر عن النوايا التي نعرف سوء بعضها في كثير من الأحيان، وبشكل مسبق.. ذلك أن قناعتنا الراسخة بأن أي فرصة فيها احتمال ولو ضئيل لحقن الدماء، هي فرصة يجب أن تلتقط دون تردد، فدماء السوريين فوق أي اعتبار، ووقف الحرب له الأولوية. وبنفس الوقت كان لدينا الرغبة بقطع الطريق على المشككين والمغرر بهم، الذين يعتقدون بأن الأزمة مرتبطة بموضوع الإصلاح السياسي، أو بموضوع حوار، أو ما شابه، وكانوا يستخدمون كلمة لو.. لو فعلوا كذا لحصل كذا لو فعلوا كذا لما حصل كذا، فقررنا أن نتجاوب مع كل المبادرات، لنثبت لهؤلاء بأن القضية ليست مرتبطة بالعمل السياسي، وإنما بدعم الإرهاب منذ الأيام الأولى.”. ومن أهم معاني هذا القول ومراميه، أن سوريا على استعداد للتعاون مع كل من يتصدى للإرهاب، وعلى استعداد للتنسيق مع الجهات التي تتصدى له، حتى لو كانت من حواضنه، ومن أشد الجهات عداء لسوريا منذ بداية الأزمة. وهذا مؤشر على تغيير في أسلوب التعامل والتواصل مع الأطراف الدولية التي تعمل أو ستعمل ضد الإرهاب، أو تتخلى عن دعمه. وربما عُدَّ هذا انقلاباً في المواقف، ولكنه بالدرجة الأولى في إطار استجابة سورية لمبادرة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الذي دعا في نهاية حزيران/ يونيو ٢٠١٥” إلى قيام تحالف دولي إقليمي من أجل “مكافحة الإرهاب”. وهذا التوجه سيكون له تأثيره الكبير، إذا ما أخذ طريقه إلى التنفيذ بجدية ومسؤولية سياسية، تفضيان إلى وقف إراقة الدم في سوريا. ونحن نتابع، منذ غارات التحالف الأميركي على داعش، تجاوباً حذراً، أو تنسيقاً خفياً في هذا المجال. وقد بدأت بدأت تلوح في الأفق ملامح توافق أوسع في هذا الاتجاه، من هذا خلال التدخل العسكري التركي، “الجوي- البري، أي قصف بالطائرات والمدفعية والدبابات”، ضد داعش وحزب العمال الكردستاني، اللذين يصنفان إرهاباً، في شمال سوريا والعراق. وهذا قد يفتح مجالاً واسعاً للتواصل بين سوريا وبين دول الجوار، مثل تركيا والأردن، ولو بصورة غير مباشرة، على أرضية مكافحة الإرهاب، الذي قد يتوسع ليصبح حواراً بين دول المنطقة.. وهو يصب في مجرى اقتراح، أو مبادرة، الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الذي تحدث عن تحالف لمحاربة الإرهاب، تكون سوريا طرفاً فيه، فقال: خلال استقباله وزير الخارجية السوري وليد المعلم في 29 يونيو/ حزيران إن مكافحة الإرهاب بشكل فعال تتطلب حشد جهود كل دول المنطقة، لافتا إلى أن دول المنطقة أعربت عن استعدادها للمساهمة في مواجهة هذا الشر.”. وهو ما رحبت به سوريا، على لسان رئيس الوزراء الذي قال لوكالة نوفوسي “دمشق تؤيد مبادرة بوتين المتعلقة بإقامة تحالف بين سوريا وجيرانها من أجل التعاون في مكافحة الإرهاب، بشرط أن يخدم ذلك مصالح جميع الدول في المنطقة.”.. لكنه لم ينس التلميح في حينه، إلى أن هذا قد يحتاج إلى معجزة؟!
من شبه المؤكد أننا أمام إشارات، أو أمام تغيير نسبي في الروى والمواقف، في خضم الحرب/ الكارثة/ الفتنة/ الخراب/ الجنون .. أو قل عنها ما شئت ولا حرج، وهي المنهكة المهلكة.. إذ أصبح الآن وقفها ” أولوية لجهات كانت، وربما ما زالت، تراهن على نتائجها، وتعتمدها أسلوباً للوصول إلى حسم عسكري، يبدو أنه غير ممكن، باعتراف الأطراف المعنية كلها”.. وعلى الرغم من ذلك كله، فإن هذا الخيار المر لم ينته كلياً، كخيار استراتيجي سوري، بل أكده رئيس الجمهورية السورية، في تلخيص خطابه الأخير، ذي المحاور، حيث قال: “.. بكل الأحوال محور كل هذه المحاور هو المحور العسكري، الذي سيؤثر داخلياً، وسيغير الموازين خارجياً.”.. وهي عبارة ينبغي التوقف عندهاً ملياً.
نعم إننا أمام تغيير مواقف وتوجهات، بعد اتفاق فيينا المتعلق بالملف النووي الإيراني، ويمكن أن يظهر مدى هذا التغيير، وأبعاده، وآفاقه، وبعض تطبيقاته المتصلة بالمنطقة كلها، في عرض ديمستورا ومقترحاته، التي سيقدمها من خلال تقريره إلى مجلس الأمن الدولي مطلع آب ٢٠١٥، ولكنه يبقى تغييراً حذراً جداً، وتكتنف الأطراف المشاركة فيه، المقبلة عليه، والمدعوة له.. شكوك، وحيرة أحياناً، وفيه لبعضها أو لمعظمها غصص ومرارات.. لكن الجميع أدرك بدرجات، أنه لا بد من تغيير يفضي إلى وقف المأساة الإنسانية في سوريا على الخصوص، أو الحد من تفاقمها. ويمكن أن تجلو ذلك التوجه، وتؤكده، وتحدد مُدده وأبعاده.. اتصالاتٌ سياسية، ومشاورات، وربما اتفاقات وتوافقات دولية، على مستوى الدولتين الأعظم، بعد ما أشير إلى ما يمكن أن يكون تفاهماً بينهما، أي “الولايات المتحدة الأميركية وروسيا الاتحادية”، وفي اللقاءات الأخيرة بين أطراف اتفاق فيينا، لا سيما مع الطرف الإيراني.. على حلول سياسية في المنطقة.. ويكون مسارها في سوريا، العودة إلى مؤتمر جنيف ١ وما بُني عليه، فيما يعدّ حلقة جديدة باسم جنيف ٣.. وكل ذلك يتم التأكيد على ضرورته من خلال مواقف وتصريحات، ولقاءات، وتحركات، تعبر عن سياسات فيها جديد، بعد الإعلان عن اتفاق فيينا، ومصادقة مجلس الأمن الدولي عليه، وبدايات عملية تنفيذه، حيث لا بد من أن يؤثر كل ذلك إيجابياً، على العلاقات بين الدول في المنطقة المعنية وخارجها، وعلى الوضع المتوتر في الخليج العربي، ولآخر المشتعل ناراً ودماراً وفتنة وكراهية، في سوريا والعراق واليمن.
وفي المسار السياسي العام، المتصل بالوضع في سوريا، على الخصوص، هناك مواقف ثابتة لم يقاربها التغيير بعد، وقد لا يصل إليها، وهناك جديد، ربما يكون بفعل ضغط الحوادث، وانكاسات المعارك، وإدراك أعمق لما آلت إليه الأمور في معظم المواقع وعلى مختلف المستويات.. وربما يكون تطوراً، أو توقعاً لتطور، ربما يحدث، ولكنه، حتى حين يحدث، سيبقي أبواباً مستعصية على الفتح، وأخرى جديدة قد تحرك الرياح مصاريعها بشدة، فيتخلّع مما بقي في الوطن كثير من الأبواب.. ولقد أثيرت مؤخراً، بصورة متعمدة أو عفوية، قضايا ذات أهمية، من حيث المفاهيم، والمضامين، والتفسيرات، والدلالات، والترجمات العملية المحتمَلة، لما تنطوي عليه العبارات التي حملتها.. منها ما هو تأكيد على سياسات ومواقف سابقة ثابتة، لا تشير إلى تغيير محتمل في النظرة إلى المعارضات الخارجية، أو المرتبطة بالخارج، وهذا أمر قديم مستمر ومعلن ومفهوم.. ولكنه متصل بالمسار السياسي والمبادرات الجديدة، ولا بد من أن يتحرك لكي يفضي المسار إلى حلول.. ومنها ما هو رأي ورؤية وموقف جديد، ذهب إلى مدى أبعد من المعارضات، في النظرة السياسية والأخلاقية والحقوقية لسوريين كثيرين، لا يعارضون ولا يوالون، وقد يكونون محكومين بواقع أصعب وأقسى وأخطر من أن يواجَه، منهم من هو داخل الوطن ومنهم من هو خارجه.. ومنهم ممن له موقف مؤيد لمعارضة، ومنهم من له موقف موال للسلطة.. وقد يقع كثيرون منهم تحت ضغط الذين يسيطرون على مناطقهم من البلاد، وهم لا يقوون على المواجهة، ولا يتمتعون بأية حماية تمنعهم من بطش القوة بهم.. إذ يشملهم حكم قد يتبعه تصرف. أولئك يمكن أن يكونوا حقولاً خصبة جداً، لاستنبات الكثير من الآراء والروى والمواقف، وحتى الذهاب إلى ما هو أسوأ من ذلك من معاناة ومصير.. وقد يتعرضون لاتهامات وإدانات و مخاطر، وربما مصائر منها التعذيب والموت، وقد يكون ما هو أشد مما يُظَن، يلحق بذويهم.
في سوريا، وفي حال نجاح مبادرة الرئيس الروسي بوتين، لن تنتهي الحرب الدائرة فصولها في معظم المناطق، بل ستدخل في مرحلة جديدة من مراحلها، حرب على الإرهاب يشارك فيها الجيش والقوات المسلحة ومن يناصره، وحرب على السلطة بين من يمثلها ومن يطلبها، وبالنتيجة تبقى الحرب على سوريا، وهي تستهدفها كدولة وشعب.. ولن تنتهي الفتنة المذهبية وتُقتلع من شروشها، وينتهي ما خلفته من عقابيل، في وقت منظور، ولكنها قد تدخل في مسار يفضي إلى حال أفضل، وهدوء أطول، ووعي يحكم السلوك.. وما لم تكن هناك ثقافة دينية تاريخية، تعيد قراءة الأحداث والوقائع والمعطيات التي تنطوي على خلافات مذهبية، وفقهية”، بمفاهيم إسلامية صحيحة، ووعي معرفي بأفق إنساني واسع، وإيمان عميق تثبته المعرفة والتقوى، وتزيدان أصحابه إيماناً، وبمنهج علمي، ومسؤولية أخلاقية، على أن تتضافر تلك الثقافة مع تربية دينية وسطية، وثقافة عصرية – معرفية عامة، من أبعادها وأنواعها وفروعها: “الثقافة الوطنية، والقومية، والسياسية – الديمقراطية القائمة على المساواة والاحترام والحرية”، والتربية الأخلاقية – الإنسانية.. ما لم نتجه بجدية وصدق نحو ذلك، فإنه من شبه المؤكد، أن التغيير الجوهري – الجذري المنشود، لن يحصل، لا في أوساط المسلمين، ولا في أوساط أتباع الديانات والمذاهب المتعددة، في المنطقة والعالم. ومن شبه المؤكد أن سوريا، ستبقى لمدة، مسرحاً مفتوحاً للإرهاب ومن يكافحه، من جهة، وللصراعات السياسية الدامية على السلطة، ولو بصورة أقل مما هو قائم.. ومن ثم فمن المؤكد أن أكثر حطب هذه النار، سيكون من السوريين، ومن العمران السوري، وسيحرق المزيد من السوريين، وينال من مكانة سوريا الوطن، وسوريا الشعب.. إذ من غير الواقعي ولا المنطقي، أن تدور حرب برية وجوية ومعارك، بمختلف الأسلحة، وتشمل أكثر المواقع في البلاد، من دون ضحايا وخسائر فادحة.. تضاف إلى ما نكبنا به من كوارث.
على أن السوريين غير هامشيين في موضوع التأثير، سلباً وأيجاباً، على مجريات الأحداث التي تجري في وطنهم، وفي المنطقة، إذا ما اتجهوا بصدق، ووعي، ومسؤولية سياسية، “وطنية وأخلاقية”، نحو تحجيم التدخل الخارجي في شؤونهم إلى درجة إلغائه، وتفاهموا وتوافقوا على حلول واقعية وعملية للأزمة/ الحرب/ الفتنة.. إلخ، من دون مكابرة، أو إلغاء، أو ادعاء، من أي فريق، بأنه الوطن والشعب، الحاضر والمستقبل. العدل والحق والحرية.. إلخ.
وإنني إذ أشير إلى هذا، فذلك لأنني أجد أن السوريين جميعاً، بوصفهم أبناء شعب يستحق وطنه، وجزءا من أمة تستحق الحياة، ومشاركين في المعرفة والحضارة الإسلامية والإنسانية .. وأن لكل منهم – عدا من تثبت عليه الخيانة والعمالة والجريمة، بحكم قضائي عادل ونزيه – حق تمتع المواطن بحياة وحقوق وكرامة في وطنه آمن مزدهر.. من دون أن يشعر فرد منهم أو فريق، أياً كان حجمه وتعداده ومعتقده ودوره وادعاؤه و..إلخ، بأنه فوق الآخرين، أو أدنى منهم، أو بأنه متَّهَم بشرف المواطَنة، أو متَّهِم لغيره بذلك الشرف، حيث يكون هناك معيار للقيمة والفعل يقره الشعب ويرتضيه.. ولكي يكون الشعب السوري العظيم، عماداً للوطن التاريخي العظيم، وأملاً لأمته.. متماسكاً وموحداً، يجعل سوريا/الوطن، قوية وموحدة، ولكي تكون سوريا سيدة، تحفظ أرضها وأبناءها، وتحميهم، وتوحد كلمتهم، ولا تعرضهم للخوف، والقلق، والشك، والانقسام، والفتنة، والموت، والتشرد، والذل.. وبذا يحمي الشعب وطنه، ويصونه، ويعلي كلمته في كل موقع، ومكان، وامتحان.. ويرفع من شأن نفسه، وأمته، وثقافته، ولغته، ودينه.
والله سبحانه من وراء القصد.

إلى الأعلى