السبت 27 مايو 2017 م - ٣٠ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / تركيا.. وعبثية الحرب على (داعش)

تركيا.. وعبثية الحرب على (داعش)

”قفزت “داعش” إلى واقعنا كأداة للقتل، طالت معاولها الجميع، وكل على حسب مساهمته في صنعها أو التغاضي عن صعودها، مثلما صورها كامو في هيئة بشرية، قاتل أصم، صارم قاسي القلب، يفعل ما جاء من أجله ولا يجيد غيره، القتل، دونما تفكير او إعمال عقل، إلا أن تلك الاداة تنقلب على صانعيها، وهو أمر نبأنا به الأولون، فلا يحيق المكر السيء إلا بأهله،”
ـــــــــــــــــــــــ
يطرح الفيلسوف والروائي الفرنسي ألبير كامو في روايته الجدلية “سوء تفاهم” عدد من القضايا بالغة التعقيد، تكاد تتلاحم بعنف عبثي مع واقعنا الهش، فالرواية والتي تعد ذروة انتاج كامو الادبي، يلخص فيها صاحب نوبل مجمل فلسفته ورؤيته للعالم في الفترة التي عاش فيها وتشكلت من خلالها أفكاره ونضج خلالها وعيه، وهي الفترة من 1913 حتى وفاته في 1960، مر خلالها ألبير كامو بحقبة تاريخية ثرية في أحداثها، مؤلمة في تداعياتها وآثارها على من عاصروها، شكلت الحرب العالمية الثانية محور ارتكاز لما قبلها وبعدها، وبؤرة وجدان كامو، فعملية القتل الممنهج لعشرات الملايين من البشر في حرب أطلق عليها كامو “صراع لصوص”، مرورا بنشأته في الاولى في الجزائر وتبنيه لقضيتها قبل وبعد حقبة التحرر الوطني، امور تحرك الحجر وتؤثر في مشاعر ووجدان من لا وجدان له.
تُلقي رواية “سوء تفاهم” بظلال من الافكار المتحكمة والتضارب المُسِير للحياة ودروبها، فأحداث الرواية نراها واقع العين في أحداثنا المعاشة على جميع مستوياتها، من الحدث اليومي البسيط المباشر، حتى أعقد ظروفنا التي تشكل توجهاتنا السياسية والاقتصادية وغيرها.
الإطار البسيط الذي وضع فيها كامو وقائع “سوء تفاهم” يحمل في طياته أعقد وأرقى التصورات لعدد من القضايا والاحداث التي نلتصق بها في وقتنا الحالي، تحرق ثيابنا وتسلخ جلودنا.
على وقع “الحرب” التي أعلنتها تركيا مؤخرا على “داعش”، تتحق نبوءات ألبير كامو في “سوء تفاهم”، تقفز إلى مخيلاتنا طرح كامو لقضية بالغة الاهمية نعاني منها ونكتوي بنيرانها، يدق كامو جرس الانذار، فعملية صناعة “أدوات القتل” أمر بالغ الخطورة على صانعيها، ارتداد تلك الادوات إلى صانعيها أمر قدري لا مناص منه، حتمية تاريخية، لم ينفك من مقصلتها صانع، منذ القدم، ولا يتعلم احد.
“داعش”، ذلك الكيان الغامض، والذي ساهم الجميع في رعايته بِقَدر، صُنع على أعين الجميع، فلكل منا نصيب من “داعش”، فهناك من مهد الأرض، وآخر حرثها، ومن وضع البذرة، ومن تغافل عن نموها وصعودها المفزع على سطح حياتنا، وها نحن جميعا، نحصد ما زرعته أيدينا، أشواك ومرار.
قفزت “داعش” إلى واقعنا كأداة للقتل، طالت معاولها الجميع، وكل على حسب مساهمته في صنعها أو التغاضي عن صعودها، مثلما صورها كامو في هيئة بشرية، قاتل أصم، صارم قاسي القلب، يفعل ما جاء من أجله ولا يجيد غيره، القتل، دونما تفكير او إعمال عقل، إلا أن تلك الاداة تنقلب على صانعيها، وهو أمر نبأنا به الأولون، فلا يحيق المكر السيء إلا بأهله، سردته علينا خبرات الحياة ومسارات التاريخ التي تبدو محددة الخطوات مرسومة المسارات، طالما لا يتعلم منه صانعوه.
دونما تمييز ساهمت تركيا في صناعة أدوات قتل أبنائها في “سروج”، وما بعد “سروج”، شباب في العشرينيات يتجمعون لتأسيس حملة لإغاثة اللاجئين النازحين من سوريا، يستهدفهم قاتل مهووس، كاره للحياة والخير، يقتل نفسه اولا، ولا مانع في احداث أكبر قدر من الجلبة والخسائر.
تعاني تركيا وغيرها من صانعي تلك الادوات من “سوء تفاهم”، لنقل سوء فهم وسوء تقدير وسوء قراءة التاريخ والواقع، فمثلما تخرج علينا “داعش” الان، خرجت علينا من قبل شقيقات “داعش”، بنفس الهيئة ونفس المآلات، “داعش” والتي تعد اختا كبرى في الاجرام والقتل، رغم حداثة سنها، أبدع صانعوها في رعاية منشئها وتدفئة حواضنها وترطيبها، في ارهاصات مشابهة لنشأة وتكوين “داعش”، طلت علينا “طالبان” من قبل، في ظرف تاريخي وجغرافي مشابه، فالمجموعات والميليشيات المسلحة المنهكة من قتال الروس على مدار أكثر من عقد، وضعت السلاح، وهو أمر حتمي آخر، لا توجد حرب لمجرد الحرب، أو حرب لمجرد “الفراغ”، فالقتال والصراع أمر مقيت، تبغضه النفوس السوية، يجلس “المجاهدون” على طاولة حوار واحدة لترتيب أمور ما بعد دحر “الغزو”، يتفقون، ثم تأتي “طالبان” المصنوعة على اعين استخباراتية، تفخخ الأوضاع، ولنبدأ من جديد، وبقية القصة معروفة، وآثارها ممتدة على واقع عالمنا حتى وقتنا الحالي، فقضايا “العائدون”، من افغانستان وألبانيا والبوسنة، ملفات تَفتَح عليها وعي جيل من المراقبين في حقبتي التسعينيات والعشرية الاولى من الألفية الجديدة، عادوا، تحفهم ظلال الخوف وهالات الترويع.
يبدو أن هؤلاء الضالعين في بناء وتأسيس مثل تلك الادوات غير مدركين لفداحة ما صنعوا من مسوخ على أنفسهم، وكأنهم لا يكترثون لما يحدث على أراضيهم، ربما يستمرن في تلك الصناعة استجلابا لمنفعة أكبر، ربما، تتجاوز في مكاسبها قتل العشرات من أبناء أوطانهم بقَطع الاوصال والشي على نيران البارود.
كل هذا، ونرى من يستدعي نفس الآلام، بصناعة أدوات فزع أخرى، تُزيد المنطقة والعالم المزيد من العبثية والمحنة، يطلب “التفويض”، ورائه التفويض، لإعمال أدواته القاتلة في بني جلدته، يستبق الحوار وقيم التعايش والتسامي على الاغراض، لمطمع هنا أو بسط نفوذ هناك، يقفز على مكتسبات أمته بدعاوى واستحقاقات زائفة مشكوك في مشروعيتها، ومن يعترض، أداوت القتل موجودة، دونما رقيب أو وازع، وحتى تقدير بسيط لجدوى وكلفة هذا الجموح.
ارتداد أدوات القتل على أصحابها ليست مؤامرة كونية شارك فيها المريخ وبلوتو لتنغيص حياة منطقتنا الرغدة، أو لزعزعة استقرار طالما مل الناس منه، اكتواء صانعي تلك الأدوات بذات الادوات، حقيقة كونية، أقرب لأبسط ملامح الحياة التي نراها.
تتلقى تركيا بهجوم “سروج” أول دفعات نصيبها مما اكتسبت من إثم “داعش”، ليست وحدها، لكل من ساهم في هذه الجريمة نصيب، ولا ينال المرء حصته من العقاب في جريمة، الا بقدر ما ساهم فيها، ومهما كانت التحليلات المُفصِلة لدوافع تلك الهجمات، سواء كانت رسالة من داعش لأحد مُنتِجيها بأن العلاقات قد تغيرت، والوليد قد شب، أو رسالة من “الصُناع” من جانب آخر، بأن “السوق” عطش لأدوات أخرى، ويُعد لاستقبال منتجات جديدة، اكثر أو اقل قبحا وفظاعة.
هل يدرك “الصُناع” ذلك قبل فوات الاوان؟! فهناك امور جسام، ارواح على المحك، وآمنين يرهبون، وأمم على شفير النار، أم يكتفون بترديد ما قالته مارثا حينما سُئلت عن قتل اخيها بتحريض منها ومن امها: إنه مجرد “سوء تفاهم” !

محمد مصطفى
mmh164@gmail.com

إلى الأعلى