الثلاثاء 28 مارس 2017 م - ٢٩ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / تقاسم سوريا

تقاسم سوريا

”لا شك أن هناك تفاهمات بشأن كل القضايا الاقليمية التي تعتبر إيران طرفا فيها، بما في ذلك سوريا، لكن القول باتفاقات تشبه اتفاقية (سايكس ـ بيكو) مبالغ فيه. ليس لأن إيران أو أميركا لا تبحثان عن مصالحهما، ولكن لأن قواعد اللعبة في المنطقة ـ بل ربما في العالم كله ـ تغيرت بينما كثيرون ما زالوا يفكرون ويتعاملون بقواعد اللعبة القديمة.”
ــــــــــــــــــــــ
يبدو أن سوريا ستدفع الثمن الرئيسي لاتفاق إيران مع القوى الكبرى بشأن برنامجها النووي ورفع العقوبات عنها. وكما دفعت المنطقة كلها ثمن ضعف الامبراطورية العثمانية فكانت محل تقسيم من قبل الدول المنتصرة في الحرب العالمية القرن الماضي، تبدو سوريا ساحة تقاسم نفوذ سهلة بعد انهاكها بحرب على مدى اكثر من اربع سنوات. وبغض النظر عن دور نظام الحكم السوري في اضعاف بلاده نتيجة حكم قمعي فإن المعارضة لم تكن بأحسن حال إذ ارتمت في أحضان كل من يقدم لها مالا وسلاحا حتى لو كانت مصالحه لا تعني بقاء سوريا دولة وطنية موحدة. ولا مجال هنا للرد على من سيقول بأن “طبيعة النظام السوري هي التي ولدت معارضة بهذا الشكل”، فذلك عذر أقبح من الذنب.
وليس معنى كون سوريا ساحة تقاسم نفوذ وتعزيز مصالح أن نسحب تكهنات واسعة حول الاتفاق بين إيران والغرب تقول بأن الإيرانيين والأميركيين اتفقوا على المنطقة كلها من العراق وسوريا إلى اليمن والسودان. لا شك أن هناك تفاهمات بشأن كل القضايا الإقليمية التي تعتبر إيران طرفا فيها، بما في ذلك سوريا، لكن القول باتفاقات تشبه اتفاقية (سايكس ـ بيكو) مبالغ فيه. ليس لأن إيران أو أميركا لا تبحثان عن مصالحهما، ولكن لأن قواعد اللعبة في المنطقة ـ بل ربما في العالم كله ـ تغيرت بينما كثيرون ما زالوا يفكرون ويتعاملون بقواعد اللعبة القديمة. وتظل إيران، واتفاقها مع العالم، عاملا أساسيا فيما يجري بسوريا ولسوريا. فالولايات المتحدة ـ ومعها القوى الأوروبية ـ تريد إرضاء إسرائيل لاعتراضها على أي اتفاق مع إيران فتستعد للإفراج عن الجاسوس الاسرائيلي جوناثان بولارد. ليس هذا فحسب، بل ستطلق يد اسرائيل في النكوص عن اتفاقات وقف اطلاق النار التي تحكم حدود الأراضي السورية التي تحتلها اسرائيل. ومن ثم لا يستبعد أن توسع اسرائيل من عدوانها على سوريا بشكل مباشر او غير مباشر، إما بتوسيع المنطقة التي تحتلها من هضبة الجولان أو عبر التنسيق مع فصائل معارضة سورية جاهزة للتفاهم مع “العدو” الإسرائيلي.
وإذا كان الإرضاء الأميركي لإسرائيل له أوجه عديدة فإن تركيا ليست بذات الأهمية والأولوية لأميركا مثل اسرائيل. لذا، ما إن تم توقيع الاتفاق بين إيران والقوى الكبرى حتى بدأت تركيا تشهد تفجيرات اتهمت فيها داعش لتشن تركيا حملة عسكرية على شمال سوريا وشمال العراق مستهدفة بالأساس مواقع الأكراد وقواتهم في المناطق التي حرروها من داعش! ودارت ماكينة التصريحات الرسمية التركية بأن أنقرة قررت المشاركة في “الحرب على الإرهاب” ـ ويدرك من يعرف سياسة الدولة التركية أن ذلك يعني بالنسبة لأنقرة “الحرب على حزب العمال الكردستاني” وأي قوة كردية في بلدان الجوار. ويصعب تصور أن تركيا التي تعد شريان حياة داعش، فعبرها يرد الأنصار والمتطوعين ويتم توصيل السلاح والمؤن وتبيع داعش موارد المناطق التي أرهبت أهلها وسيطرت عليها بإجرام وحشي، قررت فجأة بعد تردد طويل أن تحارب داعش. إنما هو استغلال لداعش ـ كما يستغلها الجميع لتبرير سياساته واستراتيجياته ـ لإثبات الوجود الاقليمي بقضم جزء من سوريا كي لا تترك أنقرة خارج ترتيبات إيران مع العالم.
تكاد سوريا ان تكون وصلت إلى حالة اشبه بلبنان، وقد دأب الرئيس السوري الراحل حافظ السد على القول بأن سوريا ولبنان “شعب واحد في بلدين”. فقد ظل لبنان لعقود “نموذجا مصغرا” لصراعات المنطقة وساحة تصفي فيها دول وقوى اقليمية وحتى دولية حساباتها. ساعد في ذلك التنوع الديني والطائفي في ذلك البلد الصغير، وها هي سوريا تكاد تحل محله كساحة حسابات لدول وقوى اقليمية خاصة بعد اتفاق إيران مع القوى الغربية. يسهم في ذلك الضعف الذي اعترى البلد اثر سنوات من الحرب الممولة جزئيا من قوى خارجية والتي كانت بيئة مناسبة لنمو الإرهاب والتطرف ممثلا في داعش وأمثالها. وتسارع تلك الدول والقوى لجني ثمار دعمها عبر منفوذ تفرضه، حتى قبل حدوث اي تغيير في سوريا. ويعني ذلك ببساطة تقاسم البلاد ما بين أقاليم ومناطق تستمر في حالة صراع دائم فتصبح كمكب النفايات للحريق. وهكذا يراد لسوريا (ومعها العراق على الأرجح) أن تكون “مصرف” بلاوي المنطقة، وليس حتى “نموذجا مصغرا” لصراعاتها كما لبنان.
هل في هذا التصور بعض الشطط؟ ربما. لكن المؤشرات الحالية كلها تقود إليه للأسف الشديد في منطقة لا يبدو أن فيها “رجلا رشيدا” يمكنه، لا نقول يوقف طوفان الدمار والإرهاب، ولكن على الأقل يرفع راية مصالحها بأولويات واضحة. ألم يكفنا حتى الآن عدم استيعاب حقيقة أن الأميركيين لا يهمهم سوى ما يحفظ مصالحهم؟ ألا ندرك الحقيقة البسيطة بأن العلاقات الدولية لا دائم فيها ولا مستمر، وأنها تتغير بتغير الظروف؟ ألا ليت قومي يعلمون أن خطوط تقاطع مصالحهم ليست ثابتة، وتتغير احداثياتها مع تحول مواقف الآخرين. فلنراجع تحالفاتنا ولنعد تحديد تقاطعات خطوط مصالحنا ـ وطالما أننا لا نبدأ أحدا العداء، فلنوجه دفة مراكبنا إلى حيث تواتي الرياح اهدافنا وليس أهداف الآخرين.

د.أحمد مصطفى كاتب صحفي مصري

إلى الأعلى