الخميس 27 يوليو 2017 م - ٣ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / لماذا قرن الثقافة بالإعلام؟

لماذا قرن الثقافة بالإعلام؟

أ.د. محمد الدعمي

”.. الذي حصل في معظم بلداننا العربية هو حرف أهداف تشكيل المؤسسات الثقافية، من هدف رعاية الثقافة وتشجيع المثقفين، الى ما هو معاكس كثيراً للأهداف الأولية؛ الى هدف توجيه الثقافة، تحت راية “الثقافة الموجهة” المضللة، بل إن الأدهى هو إحالة المؤسسات الثقافية إلى أدوات لجم وبتر، تعمية وأمن.”
ـــــــــــــــــــــــــ
الخط الفاصل بين “الثقافة” و”الإعلام” في عالمنا العربي هو خط زئبقي مربك للغاية، على الرغم من أن الثقافة شيء والإعلام شيء آخر. بيد أن للمرء أن يعزو التداخل بينهما إلى جذور الإاختلاط التي تعود إلى مرحلة الحصول على الاستقلال السياسي لدولنا العربية إبان القرن الماضي.
حقبة ذاك، عمد أولو الأمر في بلداننا الى تشكيل ما يسمى بـ”المؤسسات الثقافية” في محاولة تاريخية مهمة لمؤاصرة الثقافة بالدولة، علماً بأن التواشج بين الدولة والثقافة بقي يتجلى على نحو واضح حتى في التسميات الرسمية للوزارات المعنية: “وزارة الثقافة والإعلام”، و “وزارة الإعلام والثقافة والشباب”، كإضافة جديدة، يقصد منها التوكيد على فئات عمرية فاعلة، لا مسنة ولا صغيرة للغاية. ليس هناك من شك بأن تعمد أهل الحل والعقد تأسيس مؤسسات ثقافية إنما يراد منه رسم “صورة ذاتية”، صورة تقنع الناظر اليها بازدهار وانتشاء الثقافة والفنون تحت ظل رعاية الدولة، في عهد تلك الجماعة الحاكمة. إذاً جهد رسم الصورة الذاتية هو جهد يصب في الإعلام، بمعنى إشاعة ونشر الخبر الذي يفيد بأن هذه الجماعة أو تلك تعنى بالثقافة في بيئة تتوثب الى الأعالي والى التحضر، ولا باس بذلك.
بيد أن الذي حصل في معظم بلداننا العربية هو حرف أهداف تشكيل المؤسسات الثقافية، من هدف رعاية الثقافة وتشجيع المثقفين، الى ما هو معاكس كثيراً للأهداف الأولية؛ الى هدف توجيه الثقافة، تحت راية “الثقافة الموجهة” المضللة، بل إن الأدهى هو إحالة المؤسسات الثقافية الى أدوات لجم وبتر، تعمية وأمن. للأسف، هذا كان دائماً هو النمط السلوكي للمؤسسات الثقافية في العالم العربي. ومرد هذا النوع القسري من سلوكيات (سياسات) المؤسسات الثقافية هو أنها تشكلت أصلاً كأدوات دعاية وإشاعة وترويج إعلامي، الأمر الذي قاد إلى ظاهرة تعيين رجال أمن ومخابرات في المؤسسات الثقافية على سبيل “المراقبة” و”التخويف”، وهي من مهماتهم الأساس، على الرغم من توصية أولي الأمر لضباط الأمن والمخابرات هؤلاء باعتماد الليونة والحكمة في التعامل مع المثقفين. بيد أن تدريب هؤلاء الضباط ونشأتهم على القساوة لا يسمح لهم بالكثير من هذه الليونة والمرونة، الأمر الذي يقودهم إلى توظيف المؤسسة الثقافية أداوات ثواب وعقاب!
ولا يحتاج هؤلاء الطارئون على الثقافة لأكثر من منع النشر لكاتب ما، أو حرمان شاعرة ما من المشاركة في الأنشطة الثقافية، من بين سواها من الأدوات القسرية التي تتمادى في ظلمها أحياناً، باعتبار ان الراسخين بالثقافة والمنتجين لها يموتون عندما لا ينشر لهم، فالنشر بالنسبة للمثقف المنتج يشبه الأوكسجين: احرمه من الأوكسجين للحظات فتجده قد لفظ أنفاسه الأخيرة، بدليل المثل الإنجليزي الشهير: “انشر، أو اهلك”! Publish or Perish.
والأنكى مما سبق ذكره من حرفِ وتدنِ هو تمدد نفوذ المؤسسات الثقافية العائدة للدولة نحو المؤسسات الثقافية الخاصة، أي التي يشكلها القطاع الخاص، من أجل السيطرة عليها هي الأخرى “عن بعد” والإعانة في رسم سياستها. بدليل ما تناهى إلى اسماع الكثيرين في بيروت والخليج من نجاح محاولات حكومات لبسط الهيمنة على مؤسسات خاصة عبر توظيف المال لهذا الهدف، درجة ان بعض هذه المؤسسات التي بقيت محترمة لعقود، بسبب استقلاليتها، لم تتمكن من الصمود مع المثقف الحر، فإذا بها تستجيب لموجة البرتودولار، صاغر: “إياك أعني، فاسمعي ياجارة”.

إلى الأعلى