الخميس 19 يناير 2017 م - ٢٠ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / الكفاح الأميركي .. الاحتيال والفضيحة والفساد السياسي
الكفاح الأميركي .. الاحتيال والفضيحة والفساد السياسي

الكفاح الأميركي .. الاحتيال والفضيحة والفساد السياسي

طارق سرحان

تعد فضيحة “ابسكام” التي استيقظت عليها الولايات المتحدة الأميركية في اواخر سبعينات ومطلع ثمانينات القرن الماضي ، واحدة من أكثر الفضائح إثارة وغرابة في تاريخ الولايات المتحدة الاميركية. وكان مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي “اف بي أي” هو الذي أطلق تسمية “ابسكام” على تلك الفضيحة، التي قام خلالها بحملة واسعة لمكافحة الرشوة والفساد في أوساط السياسيين والموظفين، علماً بأن هذه العملية كانت من تدبير مكتب الـ “اف بي أي” نفسه ، لعدد من أعضاء الكونجرس لإثبات قبولهم رشاوى من أجانب وكان الأجانب شيوخاً من العرب ولكنهم كانوا مزيفين. حيث ارتدى عملاء المكتب الفيدرالي ملابس عربية تقليدية وتظاهروا بأنهم شيوخ عرب أثرياء قدموا رشاوى إلى السياسيين الأميركيين الذين وقع الكثير منهم في الفخ وقد خرجت المباحث الفيدرالية حينها تهلل لبراعتها وحيلتها في الإيقاع بأعضاء الكونجرس ، وكما عودتنا هوليوود بتأريخ وتوثيق الاحداث المهمة والمثيرة عبر شاشاتها ، عاد بنا المخرج ديفيد أو. راسل الى حقبة الثمانينيات حيث رصدت كاميراته تلك الملحمة الحقيقية في عالم الفساد والاحتيال ، التى اثارت جدلا واسعا في اوساط المجتمع الاميركي واصابته بصدمة كبيرة .
الكفاح الاميركي (American Hustle) : هو فيلم جريمة ، كوميديا ودراما اميركي ، مستوحى من احداث حقيقية وقعت في نهاية سبيعينيات وبداية ثمانينيات القرن الماضي ، سيناريو اريك سينجر، ومن اخراج الاميركي ديفيد أو.راسل ،الذي اشتهر بـ (Three Kings) ، (The Fighter) و(Silver Linings Playbook) والذي حصل عنه على ترشيحين للأوسكار.
يعد فيلم الكفاح الاميركي أحدث انجازات المخرج العالمي أو راسل الذي شارك في كتابة السيناريو أيضا والذي اعتدنا منه على تقديم أفلام ذات طابع كوميدي خفيف ، حيث تلقى عليه اشادات ايجابية من الجماهير ونقاد السينما لما قدمه من نجاح بفيلمه الاخير حيث تمكن من خلق بيئة واقعية لما كانت عليه أجواء عقد السبعينيات في الولايات المتحدة ، والتى بدت واضحة في الازياء ، السيارات والديكورات ، فضلا عن ذلك ، فقد تمكن راسل من الاستفادة من قوة شخصياته وممثليه الذين يحتفظون جميعهم برصيد فني جيد ، مستخدما تقنية الراوي ليقدم لنا من خلالها العديد من المعلومات التى دارت حول الشخصيات الحقيقية موضحا لنا من خلاله تاريخ هذه الشخصيات وخلفياتها وحتى بدايتها من الطفولة . ولا ننسى ايضا القيمة الفنية الأهم للفيلم وهي المونتاج والتصوير والصوت والذي على الرغم أنها لم تصل للقمة هذا العام ولكنها كانت ممتعة لنا .
الفيلم بطولة باقة من امهر ممثلين هوليوود على الاطلاق ، والذي عمل اغلبهم مع المخرج أو راسل ، يتقدمهم المبدع “كريستيان بيل” في دور المحتال المحترف
( ايرفينغ روزنفيلد ) ، الجميلة ” ايمي آدمز ” في دور زميلته وعشيقته (سيدني بروسر) ، البطل ” برادلي كوبر” ويقوم بدور العميل الفيدرالي ( ريتشي ديماسوا) ، المثيرة ” جنيفر لورانس ” في دور زوجة ايرفينج (روزالين ) والعملاق ” روبرت دي نيرو ” ويقوم بدور صغير ولكنه في رأيي كان مثيرا فقد كان يتحدث العربية فيه ، حيث يجسد عضو المافيا (فيكتور تيليجيو) ، والعديد من الممثلين الذين تلقوا جميعهم اشادات كبيرة من النقاد الذي مدحوا أداء طاقم التمثيل ، لما قدموه من ثقلا حقيقيا للعمل بواقعية نهج تمثيلي ممزوج بصورة واقعية ساحرة تنبض بمفاجآت من مشهد لآخر.
حصل فيلم “الكفاح الاميركي” على 7 ترشيحات جولدن جلوب واوسكار ، حيث نال 3 جوائز ، افضل فيلم كوميدي ، افضل ممثلة في دور ثانوي لـ جنيفر لورانس وافضل ممثلة في فيلم كوميدي لـ ايمي آدمز ، كما حصل على جائزة افضل فيلم في حفل توزيع جوائز رابطة الممثلين الاميركيين (SAG) وهو ما يؤهله لحصد نصيب الأسد من جوائز الأوسكار المقبلة ، يذكر ان ايراداته بلغت 118،563،000 دولار ، بميزانية بلغت 40 مليون دولار اميركي .

قصة الفيلم وأحداثه

تدور احداث الفيلم حول محتال يدعى (ايرفينج روزنفيلد) وشريكته (سيدني بروسر) يجبران على التعاون مع عميل فيدرالي والدخول وسط عصابات المافيا للإيقاع بهم والقضاء عليهم .
يبدأ الفيلم بسرد سريع للأحداث وتعريفنا بالشخصيات الرئيسية به ، وكيف تحول ايرفينج روزنفيلد الى محتال عندما يقرر مساعدة والده الذي يمتلك متجرا للزجاج بواسطة كسر زجاج المحلات بشوارع الحي الذي يقطن به ، وكيف عمل بعدها بالتجارة في اللوحات المسروقة والمزيفة وفتح عن طريقها عدة متاجر لتنظيف الملابس ، يلتقي روزنفيلد بصديقته وشريكته سيدني بروسر ، في احدى الحفلات الاجتماعية الصاخبة لرجال الاعمال والمحتالين ويقنعها بالعمل معه في تلك الاعمال البنكية المتعلقة بالقروض والفوائد التى يحتال بها على الناس بالاضافة الى التجارة في بيع اللوحات المزيفة
والمسروقة .

تعاون “اف بي اي”

يستمر مسلسل الاحتيال الذي يلعبه روزنفيلد وسيدني ، التى ساعدته كثيرا بجني ارباح خيالية منذ ان عملت معه ، الا انها ترتكب خطأ في احد الايام ، واثناء اغرائها بإقراض احد الزبائن عن طريق مكتب روزنفيلد وادعائها بمعرفة بعض الاشخاص باحد مصارف لندن الذي يسهلون تلك العمليات من القروض ، فتفاجأ بالقبض عليها امام روزنفيلد ، ويكتشفا ان الزبون هو احد العملاء الفيدراليين ويدعى (ريتشي ديماسوا) .
وللخروج من ذلك المأزق ، يعرض عليهما ريتشي التعاون معه والايقاع ببعض من كبار المحتالين في امور النصب وتقديمهم للعدالة ، فيضطر روزنفيلد وشريكته سيدني الموافقة على دخول عالم العصابات والمافيا للبحث عن هؤلاء الرجال والايقاع بهم.
يبدأ الفريق المكون من الثنائي المحتال والعميل الفيدرالي بالبحث عن هؤلاء الفاسدين ويقرر ريتشي وسيدني ان يلعبا تلك اللعبة بساحة الرجال الكبار في المجتمع والمقصود بهم السياسين الفاسدين ، فيتوصلا الى عمدة ولاية نيو جيرسي ( كارماين بوليتو) والذي يحقق مكاسبه الكبيرة وغير الشرعية عن طريق بنائه لمشاريع يتاجر بها بأحلام العمال مدعيا بأنها اعمال خيرية ، واحتياجه للاموال لبناء حلمه ومدينته الخاصة (اتلانتيك) ، ولكن يستمر قلق روزنفيلد تجاه تلك الوجه للعب والايقاع بهؤلاء السياسين خوفا من انفضاح امرهم
وانقلاب الطاولة عليهم .

شيخ عربي

يقتنع بوليتو خلال لقائه الثاني مع روزنفيلد وزوجته (روزالين) بنيته في مساعدته بالاموال التى سوف يقرضها له بعد ان ادعى عليه الاخير بمعرفته بأحد العرب المستثمرين ، وذلك بعد ان فشل لقاؤهما الاول مع ريتشي وسيدني ، وهذا ما جعل روزنفيلد يقترح طريقة اخرى ليقنع بها عمدة نيوجيرسي ليوقع به .يحضر ريتشي احد افراد المباحث الفيدرالية ليقوم بدور العربي المستثمر الثري عبدالله القادم لعمل بعض الاستثمارات في أميركا ، ويذهبون جميعا لمقابلة بوليتو والذي بدوره يقوم باصطحابهم الى احد النوادي الضخمة والتى عن طريقها يلتقون برجل المافيا والذراع الايمن لأحد اعضاء الكونجرس الاميركي (فيكتور تيليجيو) الذي يدير في الخفاء عدة ملاهي وصالات للمقامرة في أميركا ، ومع تلك المقابلة تزداد مخاوف روزنفيلد ، واصرار ريتشي على خوض اللعبة التى بدت اكثر خطورة ،مما كانت عليه .
ينتهي اللقاء بالاتفاق على منح المستثمر العربي عبدالله الجنسية الاميركية بمساعدة (اوكونل) السيناتور الاميركي لكي يتمكن من استثمار امواله في الولايات المتحدة ، في مقابل ارشائه بالمال ، وبدوره يخاطب ريتشي رؤساءه في العمل لكي يحجزوا له احد اجنحة الفنادق الضخمة “باسم المستثمر العربي” ويمدوه بالاموال ، لكي يتسنى له تصوير جميع اعضاء الكونجرس والسيناتورات والسياسيين المشاركين في تلك الصفقات المشبوهة ، ولكن يكتشف تيليجيو انه كان على حافة فخ الفيدراليين عندما يخبره احد رجاله والذي على علاقة بزوجة روزنفيلد بعد ان هجرته ، وبها يحاول روزنفيلد اصلاح موقفه مع رجل المافيا عن طريق اتمام الامر مع ريتشي بدون ان يخبره بحقيقة ماحدث.

احتيال .. ومقايضة

يطلعنا الفيلم في دقائقه الاخيرة على عملية احتيال اخيرة لروزنفيلد وسيدني ، بهدف النجاة من المافيا وقلب تلك اللعبة على ريتشي الذي يندفع في اليوم المقررللإيقاع بفيكتور تيليجيو ، ويقوم بتحويل 2 مليون دولار كرشوة الى حساب الاخير عن طريق محاميه .. ولكنه في الحقيقة احد اصدقاء روزنفيلد مدعيا انه محامي تيليجو.. وان سيده لن يتمكن من مقابلتهم .
يتم القبض على 6 اعضاء من الكونجرس بالاضافة للسيناتور اوكونل بتهمة تلقى الرشاوى والمشاركة في تسهيل صفقات مشبوهة ، وايضا تلقي المباحث الفيدرالية القبض على العمدة بوليتو ويتم تخفيض مده حبسه بعد ان يدفع له صديقه روزنفيلد كفالة قدرها 2 مليون دولار تلك التى احتال بها على ريتشي ، وذلك لصداقته الحقيقية معه ولمعرفته جيدا بنيته في تقديم الخير والمساعدة .
يتم الاعلان عن العملية ” ابسكام ” التى طالت العديد من السياسيين الفاسدين ، في الصحف والمجلات بدون ذكر اسم ريتشي مطلقا ، وذلك بسبب خسارته مليوني دولار وعدم تمكنه من الايقاع بتيليجيو . فيلم رائع ، مثير ويعد احد اجمل افلام هذا العام ، واكثرها تكاملاً واثارة وواقعية ومرحاً يتخطى الفكاهة ليصل الى ابعاد اكثر جدية وعمقاً. حيث يتميّز برؤية فنية مبتكرة وذكاء في ربط الحبكات والاحداث، وغنى في اداءات الشخصيات رغم تعقيداتها، والديكورات والازياء والاكسسوارات والموسيقى والأغاني التي اعادت خلق حقبة السبعينيات والثمانينيات باتقان فريد .

إلى الأعلى