الجمعة 20 يناير 2017 م - ٢١ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / المحاصصة الطائفية كما خطط لها الاحتلال الأميركي

المحاصصة الطائفية كما خطط لها الاحتلال الأميركي

احمد صبري

نظام المحاصصة الطائفي لم يبقَ مكان بالعراق إلا وتسللت إليه، ووزعت أركانه على المكونات العراقية، وهذا النظام الذي اخترعه الاحتلال بعد تدنيسه أرض العراق عام 2003 ما زال ساري المفعول في الحياة السياسية التي كان من المقرر أن تكون زاخرة بالحيوية، وعنوان العراق الجديد كما ادعى الاحتلال في معرض تبريره للغزو. غير أن المحاصصة أفسدت حياة العراقيين وحولتها إلى نظام حامٍ للمفسدين والسراق ومبددي المال العام.
وما يلفت الانتباه إلى هذه الظاهرة آلية تشكيل المفوضية العليا المستقلة للانتخابات وإصابتها بأمراض المحاصصة فجرى تشكيلها على هذا الأساس، فمجلس المفوضية العليا مكون من أربعة من الشيعة واثنين من العرب السنة ومثلهم من الأكراد، وهذا التوزيع الغريب لم يحقق العدالة، ولم ينتج مجلسا توافقيا يضطلع بمهمة الإشراف الجدي على الانتخابات بشفافية وحيادية ونزاهة.
شبهات الفساد حامت حول المفوضية إلى حد اتهامها بالتلاعب بأصوات الناخبين، فبدلا من أن تكون مفوضية الانتخابات مستقلة وحيادية وغير تابعة لحزب أو سلطة الدولة تحولت بفعل المحاصصة تابعة للأحزاب التي تمثل المكونات الثلاثة، ومع هذا التقسيم لم تسلم مفوضية الانتخابات من اتهامات الخاسرين بالانتخابات بتزويرها أو الانحياز إلى هذا الطرف أو ذاك.
وإذا أخذنا ما جرى في الانتخابات البرلمانية عام 2010 من تداعيات، فقد وجهت لها طعونا أجبرتها على إعادة الفرز اليدوي لأصوات الناخبين التي وضعت كتلة دولة القانون التي يرأسها رئيس الحكومة السابق نوري المالكي في المرتبة الثانية بعد القائمة العراقية بفارق صوتين.
وجرى بعد هذه الحادثة مساءلة رئيس المفوضية ومجلسها في جلسة خاصة للبرلمان حول الشبهات التي تحدثنا عنها، إلا أن التوازنات السياسية والنظام الذي أنتج مجلس المفوضين حال دون إعادة النظر بأسس تشكيلها.
وتحول الصراع على مفوضية الانتخابات إلى صراع بين السلطة التنفيذية والمنظمات المستلقة غير مرتبطة بالحكومة، حيث أثمرت الجهود الحكومية وفي إطار سعيها لبسط سلطانها على المنظمات المستقلة إلى صدور قرار من المحكمة الاتحادية بارتباط المفوضية بالأمانة العامة لمجلس الوزراء، ما اعتبر سابقة لتكريس سلطة الدولة على جميع المؤسسات المستقلة.
ونظرا لما جرى خلال الجورات الانتخابية يستدعي اختيار مفوصية جديدة للانتخابات للإشراف على انتخابات مجالس المحافظات، وأيضا انتخابات إقليم كردستان وصولا إلى الانتخابات التشريعية المقبلة.
ورغم تدخل ممثل الأمين العام للأمم المتحدة في العراق لتشجيع الكتل البرلمانية لترشيح أعضاء مجلس المفوضية، إلا أن الخلاف ما زال على أشده حول أسماء المرشحين وأهليتهم وانتماءاتهم، الأمر الذي سينعكس سلبا على أداء أي مجلس جديد. ولم يقتصر الصراع على مفوضية الانتخابات وإنما تعداه إلى مؤسسات من المفترض أن تكون مستقلة وحيادية وتنأى بنفسها من الخلافات السياسية مثل مجلس القضاء الأعلى والمحكمة الدستورية وهيئة فض المنازعات الشخصية وشبكة الإعلام العراقي، وسلطة البنك المركزي حيث تحولت بفعل المحاصصة إلى ساحة للصراع السياسي الخاسر الأكبر فيه الوطن الذي يعاني من تداعيات هذا الصراع الناتج عن المحاصصة.
واستنادا إلى ما تقدم فإن من دون إبعاد المنظمات والهيئات المستقلة عن حلبة الصراع السياسي وسلطة الدولة على قراراتها، تبقى هذه المنظمات تحمل عنوان الاستقلالية والحيادية بالاسم فقط من دون دور فاعل ورقابي حيادي لرصد مسار العمل الحكومي، والحفاظ على ثروات العراقيين ووقف هدرها ورفع الغطاء عن سراق المال العام، لا سيما وأن الانطباع السائد أن الإخفاقات الأمنية وما رافقها من أزمة مالية هي بالأحوال كافة كانت نتيجة سلبية للمحاصصة الطائفية التي عطلت الأداء الحكومي باعتباره نظاما وضع العراق في خانق ربمل لا يمكن الخروج منه مستقبلا.

إلى الأعلى