الثلاثاء 17 يناير 2017 م - ١٨ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / استعصاء قطاع غزة

استعصاء قطاع غزة

علي بدوان

ليست المرة الأولى التي تَشهَد فيها مناطق من قطاع غزة وقوع عدة تفجيرات طالت أماكن عامة، أو أفرادا وشخصيات من بعض الفصائل. لكن التفجيرات الأخيرة التي وقعت في القطاع استهدفت شخصيات وأعضاء من حركتي حماس والجهاد الإسلامي على وجه التحديد، وكأنها رسالة موجه لهذين الفصيلين اللذين يحظيان بوجود عسكري وتنظيمي كبير قياسًا لباقي القوى والفصائل والأحزاب الفلسطينية. فكيف نقرأ تلك الأحداث..؟
نبدأ القول بأن تلك الأحداث التي يتواتر حدوثها، ليست بالجديدة، فقد سبق وأن وقع أعمال مشابهة لها في مناطق مختلفة من قطاع غزة وسيناء المصرية، حيث تأتي في سياقات مدروسة من عمليات التوتير التي تجري من حين لآخر في مناطق سيناء المجاورة لقطاع غزة، وتحديدًا في كل مرة يحدث فيها تطور حميد ولو بحدودٍ معينة بين حركة حماس والجهات المصرية الرسمية.
ومؤخرًا، وفي تَحَدٍّ لحركة حماس جاءت مقاطع الفيديو الأخير لشخص قال إنه من تنظيم داعش والموجه لقطاع غزة وحركة حماس، والذي تم نشره عبر وسائط التواصل الاجتماعي يوم الثلاثاء 30 يونيو/حزيران 2015 وعلى الأرجح فإن التسجيل جرى خارج قطاع غزة، حيث ظَهَرَ شخص مُقنّع وفي رسالة موجهة إلى الحركة هدد حركة حماس بالتصفية والقتل، مُذكرًا بالهجوم الذي شنه على مخيم اليرموك في ريف دمشق، والذي قاتل فيه تنظيم داعش فلسطينيون بعضهم ينتمي (أو مقربون) من حركة حماس تحت عنوان أكناف بيت المقدس. وفيه أيضًا تهديد من تنظيم داعش بجعل قطاع غزة واحدًا من مناطق نفوذه في الشرق الأوسط، متهمًا حركة حماس التي تَحكُم القطاع بأنها غير جادة بما يكفي بشأن تطبيق الشريعة.
لقد جاء توقيت بث الشريط الفيديو إياه المشار إليه أعلاه، مُتناغمًا مع سلسلة من العلميات العنفية التي ضربت منطقة سيناء، في محاولة إدخال غزة في حزام عمليات داعش، والأهم من ذلك أن شريط الفيديو تناول بتهديده “طواغيت حماس” ومعهم حركة فتح وكل الفصائل الفلسطينية وخاصة العلمانيين، وفي ذلك تكفير عموم تنظيمات وفصائل وأحزاب المقاومة الفلسطينية وإباحة دمها. عدا عن الشريط الأخير الذي تم توزيعه بعد ذلك في منطقة القدس في الضفة الغربية وفيه تهديد لبعض المكونات الأصيلة في النسيج الوطني والمجتمعي الفلسطيني، وهو شريط لم يثبت حتى الآن أن داعش وراء توزيعه حيث لم يصدر تأكيد من التنظيم بشأنه كما كان حال الشريط الأول المتعلق بقطاع غزة.
إن خصوصية الساحة الفلسطينية وفرادتها قد أفرز معطيات غير شبيهة بالمعطيات التي وفرت التربة المناسبة لانتشار خيوط تنظيم داعش في العديد من البلدان، حيث بات الإسلام الوسطي المعتدل جزءًا من المعادلة السياسية الفلسطينية في إطارات العمل الوطني الفلسطيني، وفي الشارع الشعبي عمومًا. فقد فشلت في السابق كل المحاولات اليتيمة التي قام بها تنظيم القاعدة (قبل نشوء داعش) لزرع وجوده في فلسطين عبر بعض البيانات المذيلة بتوقيع تنظيم القاعدة في فلسطين، والتي تم توزيعها بشكل محدود في قطاع غزة منذ عدة أعوام خلت، وأثارت في حينها مجموعة من التساؤلات عن مدى الحديث الجدي عن وجود تنظيم للقاعدة في فلسطين كما كانت وما زالت تروج المصادر الأمنية “الإسرائيلية”.
إن محاولات القاعدة اليتيمة للانتشار في الداخل الفلسطيني بدأت بوادرها مع ظهور مجموعات تناسلت أو جاءت من رحم تنظيم القاعدة بعد عامين ونيف من انطلاقة الانتفاضة الثانية، وظهر الإعلان الأول عن تشكيل مجموعات للقاعدة في فلسطين في قطاع غزة عبر بيان تم توزيعه بقطاع غزة وتَضَمَنَ النص التالي: “تم بحمد الله تشكيل مجموعة الجيش الإسلامي التابع لتنظيم القاعدة في أرض الرباط ضد الاحتلال الغاصب، تلبية لله ولكلام الشيخ المجاهد أسامة بن لادن والشيخ أيمن الظواهري والشيخ المجاهد أبي مصعب الزرقاوي، سنستهدف كل عدو للإسلام والمسلمين وسنضرب بيد من حديد كل الحملات الأميركية والصهيونية ونفجّر بأجسادنا كل مواقعهم ونزلزل الأرض من تحت أقدامهم وسنعرض على شاشات التلفاز صورًا لمجموعاتنا المقاتلة حتى يعرف أعداؤنا أننا لا نتهاون وأننا جدّيون بأفعالنا”، فتم بذلك تأسيس مجموعة عسكرية في المحاولة اليتيمة للقاعدة تأتمر بأمرها، وفي بيان التأسيس المشار إليه أعلاه، والذي صدر في الثامن من مايو/أيار 2006، ولم يتم التعاطي معه بجدية واهتمام. وظهر الإعلان الثاني عن وجود مجموعات من القاعدة في فلسطين في الثاني من آب/أغسطس 2007، مع إعلانات وأفلام تبشر ببدء نشاط تنظيم كتائب الجهاد في فلسطين “تنظيم قاعدة فلسطين”، لكن كل تلك البروباغندا الإعلامية انتهت وانتهى معها الحديث عن وجود تنظيم القاعدة في فلسطين.
أخيرًا، إن داعش تقف أمام استعصاء غزة وعموم الأرض الفلسطينية، فالأجواء الفلسطينية العامة في الضفة الغربية والقدس وقطاع غزة وحتى داخل مناطق العام 1948 على حدٍّ سواء، التي لا تساعد على نمو وانتشار الظواهر ذات التطرف الفلسطيني، فالفلسطينيون ليسوا بحاجة لوصفات قادمة من الخارج، والبيئة الفلسطينية في الداخل لا تساعد على نمو اتجاهات التطرف، التي تصطدم مرة جديدة بخصوصية الوضع الفلسطيني المثقل بالتجارب والآلام، والمشبع بالتعددية، والطامح نحو الديمقراطية الداخلية في سياق مشروعه الوطني المتواصل منذ عقود طويلة من الزمن.

إلى الأعلى