الأحد 26 مارس 2017 م - ٢٧ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / أوباما ونتنياهو: غالب ومغلوب وأميركا وإسرائيل: عاشق ومعشوق

أوباما ونتنياهو: غالب ومغلوب وأميركا وإسرائيل: عاشق ومعشوق

علي عقلة عرسان

بدأ الرئيس الأميركي باراك أوباما باستنفار مؤسسات وشخصيات أميركية مؤثرة في الرأي العام الأميركي، لمواجهة حملة “منظـمـة أيبــاك. AIPAC
اللجنـة الأميركيـة الإسـرائيليـة للشـؤون العـامـة
American Israel Public Affairs Committee تأسسـت عـام1959″، التي تقوم بها، لجعل الكونجرس بمجلسيه، يرفض إقرار الاتفاق النووي بين إيران ومجموعة ٥ + ١ الذي وقِّع في الـ١٤ من يوليو (تموز) ٢٠١٥. وقد قال أوباما: “المعارضون لهذا الاتفاق يتدفقون على مكاتب الكونجرس.. إن الجماعات المعارضة للاتفاق، مثل لجنة الشؤون العامة الأميركية ـ الإسرائيلية “إيباك”، أنفقت 20 مليون دولار على إعلانات تلفزيونية للضغط على أعضاء الكونجرس.. في ظل غياب أصواتكم، سوف ترون نفس مجموعة الأصوات التي قادتنا إلى الحرب في العراق، ما يقودنا إلى وضع نتخلى فيه عن فرصة تاريخية، ونعود إلى مسار صراع عسكري محتمل”. وما قاله الرئيس الأميركي يدل بوضوح على مدى احتدام مرحلة جديدة من معركة بين نتنياهو وأوباما، بدأت في أثناء الانتخابات الأميركية للتجديد لأوباما، وسوف تستمر هذه المرحلة، طوال الستين يومًا على الأقل، التي سيستغرقها الكونجرس في بحث موضوع الاتفاق.. ولكنها ستنتهي حتمًا بتعويض مالي وعسكري وسياسي ضخم لـ”إسرائيل”. إذ من غير المتوقع أن يصوت ثلثا الكونجرس لصالح نقض الاتفاق الذي أصبح دوليًّا، وفيه مصلحة تقديم الحوار السياسي والاتفاق على الصراع والتوتر والحرب وما ينتج عن ذلك، وهو اتفاق محمي بتعهدات من كل الأطراف الموقعة عليه، ومن المجتمع الدولي ممثلًا بمجلس الأمن الدولي. وكما قال الرئيس الروسي بوتين، هو اتفاق: “ينص على ضمانات سلمية بحتة لبرنامج إيران النووي”.
إن “إسرائيل” تدرك ذلك تمامًا، وتدرك أنه في صالحها.. لكن لعبة نتنياهو، كما قلنا سابقًا، ومنذ بدأ ينطح الجدران بهياج، هي لرفع الثمن الذي يريد أن يبتزه من إدارة أوباما ومن الأوروبيين. فعدا عن وعود وزير الدفاع الأميركي آشتون كارتر بالمساعدات والحماية والتصدي لأي تهديد، إيراني وغير إيراني، لإسرائيل، وعن وعد الإدارة الأميركية، والمحكمة الأميركية المختصة، بإطلاق سراح الجاسوس الإسرائيلي الخطير جدًا جوناثان بولارد في الـ٢١ من تشرين الثاني/نوفمبر ٢٠١٥، تطالب “إسرائيل”، بوسائلها وأساليبها المختلفة، ومن خلال مجموعات الضغط اليهودية، لا سيما “أيباك” ومن يواليها ويأتمر بأوامرها من الأميركيين، لا سيما نواب الحزب الجمهوري على الخصوص.. تطالب بأكثر مما سبق وذكره وزير العدل الإسرائيلي السابق، في حكومة أولمرت دانييل فريدمان: طائرات لا يكشفها الرادار، وقنابل خارقة لأقوى التحصينات الأرضية، وأسلحة متطورة، ووضع إسرائيل خارج صلاحيات محكمة العدل الدولية في لاهاي، وإطلاق يدها في الاستيطان من دون مضايقات، وفي التصدي “للإرهاب الفلسطيني؟!”، وتقديم الجولان هدية لإسرائيل.. إضافة إلى مطالب أخرى بعضها مكشوف والآخر يتسرب في عتمة الكواليس.. فإنهم في أيباك يعلنون أهدافًا مدروسة لحملتهم الراهنة: “منع إيران من الحصول على أسلحة نووية، ودعم إسرائيل وتأمينها، والدفاع عنها ضد أخطار الغد، وإعداد جيل جديد من القيادات ـ الأميركية ـ الداعمة لإسرائيل، وتوعية الكونجرس بشأن العلاقات الأميركية الإسرائيلية”.. وهي قائمة أهداف مفتوحة على تفسيرات واحتمالات ومطالب مستجدة كثيرة. وقد كلفت أيباك ٣٠٠ شخص من أعتى عناصرها ودعاتها المؤثرين، كلفتهم بالتدفق يوميًّا على الكونجرس، والعمل ضمن أوساطه، والضغط على أعضائه، لحملهم على تنفيذ ما تطلبه “إسرائيل، سواء بصورة مباشرة أو من خلال أيباك.. وقد وصل نشاط أولئك ونجاح منظمتهم إلى حد جعل رئيس مجلس النواب الجمهوري جون باينر يعتقد، أو يعبر بنفاق واضح عن اعتقاد فاسد، هو حسب تعبيره، وكما قال: “نظرًا لأن إبرام اتفاق سيئ سيهدد أمن الشعب الأميركي.. فإننا سنفعل كل شيء ممكن لمنعه”؟! وعلينا أن نلاحظ جيدًا ونتأمل وندقق في تهويل الأمر، ورفعه لدرجة الخطورة على الشعب الأميركي ذاته؟! وهذا من الأمور المعهودة في السياسة وفي الساسة الأميركيين، وليس علينا إلا أن نستعيد ما كان بشأن التهويل من “السلاح النووي العراقي الذي يهدد العالم بخطر ماحق خلال دقائق؟! “كما قالت أنبوبة اختبار، بيد وزير الخارجية الأميركي كولن باول، أمام مجلس الأمن الدولي، رسمت مشهدًا فاجرًا لا ينسى، ربما يكون لمح إليه الرئيس أوباما في المقتف من حديثه الذي أشرنا إليه هنا.. وقد تسبب ذلك في تدمير العراق، على الرغم من أن الأمر كذبة سياسية “صهيونية ـ أميركية” كبرى، مدروسة ومرتبة بصورة مريعة في إجرامها ولا أخلاقيتها؟!
إن “أيباك” تلعب لعبة مدروسة، ومضمونة، فهي لم تركز في أهدافها المعلنة، أو أنها لم تشأ أن تظهر، من بين ما حددته من أهداف لحملتها الراهنة، هدف “عدم إقرار الاتفاق النووي الإيراني”، ولم تضعه على رأس أهدافها، وتركت ذلك ليكون العصا الغليظة التي تسوق بها من تستطيع أن تسوقهم، باتجاه “رفع ثمن” مرور الاتفاق، الذي تدرك، ويدرك من تسوقهم أصلًا، أنه في صالح “إسرائيل ١٠٠٪١٠٠،”، وتدرك ويدركون أنه أصبح إرادة دولية بعد مصادقة مجلس الأمن الدولي عليه بالقرار رقم ٢٢٣١ في الـ٢٠ من تموز/ يوليو ٢٠١٥، كما تدرك أيباك ويدركون، ومنذ بداية التحرك، أن فيتو الرئيس أوباما ضد قرار قد يتخذه مجلسا الكونجرس حول الاتفاق، بأقل من ثلثي الأصوات، هو إرادة رئاسية معلنة وجاهزة للتنفيذ.. وربما يدركون بدرجة أوضح، لكنهم يخفون ذلك الإدراك بباطنية أشد غورًا، أن تحقيق تصويت ثلثي أعضاء الكونجرس، ضد إقرار اتفاق فيينا، أمر غير ممكن.. ولكنهم يعملون على أن تستمر الحملة، التي قال دبلوماسي إسرائيلي سابق، عمل لعقدين من الزمن في واشنطن: “لن تنجح حملة الضغط في منع إقرار الاتفاق، مرجحًا أن تتمكن من الحصول على تعويض أميركي سخي، مالي وعسكري، لإسرائيل”..
وفي كواليس الكونجرس وسواه، لا سيما في الإعلام والأوساط الدبلوماسية، وبين المرشحين للانتخابات الأميركية التي ستجري عام ٢٠١٦، ينشط يهود، ومؤيدون لهم، ويعملون عبر الضغط والإغراء، والوعد والوعيد، على تبني السقوف العليا للمطالب التي تضعها “إسرائيل”، وتسربها حكومة نتنياهو تدريجيًّا.. ومن ذلك، على سبيل المثال لا الحصر، ما ذكرناه سابقًا، وما يقوم به أشخاص في مجالات عدة، مثل دوري غولد الذي يركز على تحالفات سياسية إسرائيلية سنيّة لحلفاء أميركا في المنطقة، وما يعمل عليه تسفي هاوزنر، وهو سكرتير حكومة إسرائيلية سابق، ومن أتباع نتنياهو والمقربين منه.. حيث يكرس تحركه وجهوده لإقناع الأوساط الأميركية “بتأييد ضم الجولان السوري المحتل إلى “إسرائيل”. ومن حججه وذرائعه التي يبثها للإقناع بذلك، كما يقول: “إن الأوضاع الدولية الراهنة، وعلى رأسها الحرب في سوريا، والاتفاق النووي، هي فرصة لإسرائيل لتوطّد، بشكل نهائي، سيطرتها على هضبة الجولان. فالحرب السورية تشير إلى موت فكرة الانسحاب الإسرائيلي من الجولان مقابل السلام مع سوريا”؟! أي بمعنى أن سوريا لم تعد قادرة على فعل شيء لاستعادة الجولان المحتل، ولا هي موجودة بدرجة تكفي لدولة يُعقد معها اتفاق سلام.. وذلك ما قاله قادة عسكريون صهاينة، في وقت سابق من هذا العام، بعبارات مستفزة للسوريين المنتمين لوطن وأمة، الحاملين لتاريخ وحقائق، حيث جنرالات وساسة صهاينة: “سوريا انتهت”، و”لم يعد الجيش السوري موجودًا”، سوف نشهد قريبًا تقسيم سوريا”؟! وتلك أمانيهم.
إن تعطيل مجلسي الكونجرس للاتفاق النووي الإيراني أمر بحكم غير الممكن، أما تقديمهما لمساعدات عسكرية، ومالية، واقتصادية ضخمة، ولغير ذلك من مساعدات وتسهيلات، ومواقف سياسية وديبلوماسية مؤيدة لإسرائيل، ومهدِّدة لمن تريد أن تهدهم.. فأمر مؤكد، وسيلقى أكثر من قبول وحماسة، بل مزاودة لمسؤولين وسياسيين ونواب أميركيين، ترفع سقوف المطالب.. أما المطالبة بقرارات وسياسات أميركية: قابلة للتنفيذ، وقادرة على التغيير الجذري، في قضايا ومجالات أخرى، ذات بعد دولي، من شأنها أن تعفي إسرائيل من الخضوع للمحكمة الدولية مثلًا، أو توافق على ضمها للجولان السوري المحتل، أو تعطيها القدس “عاصمة أبدية” لها.. فتلك مطالب لن تلقى قبولًا ولا طريقًا للتنفيذ، حتى لو قرر الكونجرس الذهاب في هذا الاتجاه من السياسات والمواقف، كما فعل منذ سنوات في موضوع القدس، حيث قرر نقل عاصمة إليها، ولم تنفذ الإدارة القرار.. ذلك لأن الأمر في مثل هذه المواضيع، يتصل بقرارات ومواقف دولية من جهة، وبحقوق دول وشعوب لن تتنازل عن حقوقها التاريخية، ولن تسلم للأميركي والإسرائيلي بما يشاء كل منهما، وستقاوم حتى لو أنهكت وقدمت الكثير من التضحيات، فالحق جزء من الوجود والكرامة والسيادة، والشعوب تورث قضاياها ونضالاتها العادلة لأجيالها جيلًا بعد جيل.
وفي متابعة رأي، لعراك نتنياهو السياسي مع الرئيس باراك أوباما، الذي منه هذه المرحلة من مراحل العراك، فإن هذا قد ينتهي بين شخصين “بمصالحة، أو مصافحة، أو مسامحة”، أو بغياب أحدهما عن الساحة السياسية ومركز صنع القرار.. أما العلاقة بين الولايات المتحدة الأميركية، وكيان الإرهاب الصهيوني “المسمى “إسرائيل”، فهي علاقة: باقية، ثابتة، استراتيجية، عضوية، احتضانية.. تقوم على ما هو أكثر وأبعد وأرسخ من المصالح المتبادلة، والعدوانية المتأصلة، والمواصفات السياسية والمعيارية المشتركة، والاستراتيجيات الواحدة أو الموحدة.. ويضاف إلى هذه الأبعاد: تفاهم، وتشابه، وتعاطف، بل وتواشج، بين كيان الإرهاب الصهيوني “إسرائيل”، وراعي الإرهاب العالمي، أو بين اللص قاطع الطريق وبين إمبراطور الإرهاب، على حد تعبير تشومسكي. ففي النظامين عنصرية راسخة تصل حد الاعتقاد الديني بأفضلية شعب وفوقيته واختيار الرب له، شعبًا مقربًا؟!، وفي النظامين تمييز عنصري “عبودية، واحتلال استيطاني، إلغائي، إبادي “يجعل المواطنين عمليًّا درجات، وفي النظامين عدوان مفرط وجشع مقيم، وهما يستبيحان حقوق الدول والشعوب، ويعتبران ذلك من حقوقهما المشروعة “لا سيما حق الدفاع عن النفس” حيث يقتلان شعبًا على الظن، وفي كل منهما قواعد ومعايير تعتمد النجاح في تقرير أخلاقية الفعل ومشروعيته وقانونيته، فافتك وانجح، تسلم تمدَح”، بعيدًا عن المعايير الإنسانية والقانونية والأخلاقية و.. إلخ.. وفي النظامين: مبدأ البراغماتية المتوحشة، التي تفضي إلى “الغاية تبرر الوسيلة”، وفيهما ولهما سجون على مد النظر، سجون لا مثيل لها، تُرتكب فيها جرائم، ويتم فيها تعذيب، ليس أولها ولا آخرها: “جوانتانامو، وأبو غريب، وباجرام، والسجون الطيارة، وسجون مستأجرة في بلدان الحلفاء، وما خفي من ذلك كان أعظم، للدولة الأعظم.. وسجون مثل: سجن عوفر، المسمى “جوانتانامو” أيضًا، وسجن عسقلان المركزي، وسجن نفحة، وسجن بئر السبع المركزي، وسجن الرملة، وسجن بيت ليد، وسجن أنصار ٣ أي سجن النقب أو كتسيعوت، وغيرها من سجون في بلدان عربية تم احتلالها، مثل أنصار ١ و٢ وسجن الخيام.. ولكل من الدولة وربيبتها أقنعة من كل الأنواع والأصناف، “مرسومة بعناية فائقة، ومروَّجة بمهنية فاضحة”، يضعها الذئب على وجهه فيظهر بمظهر الحَمَل..
ولذلك كله، فإن هذا البعر من ذاك الجَمَل.
أوباما ونتنياهو: “غالب ومغلوب”، والولايات المتحدة و”إسرائيل: “عاشق ومعشوق”.. وعلينا أن نتدبر أحوالنا ومآلنا، في هذا الوضع، أو الليل، الذي يبدو أنه سيطول.
الولايات المتحدة إمبراطورية قوية، حاكمة ومتحكمة، ولن تترك إسرائيل تضعف، أو تشتكي، مهما فجرت إسرائيل، وابتزت، وكذبت.. وإسرائيل ستقوى أكثر، وتعتدي أكثر، وتتآمر أكثر، وتطمع بنا أكثر.. وتفجر بما لا يمكن توقعه أو تصوره، فتاريخها هو بعض تاريخ فجورها.
أمّا نحن الذين نُستهدَف منهما بأشكال مختلفة، ونشكو ما نحن فيه، ونرى الظلم والظلمات، من أنفسنا ومن كل من يستَهدفنا.. نحن الذين ملكنا الجِمال، واستخدمناها، وعرفتنا وعرفناها على مدى تاريخ الجَمَل والحصان، ذلك التاريخ الطويل من عمر الإنسان في الحرب والإعمار، في المجتمع والحضارة.. فلنا مصائبنا الجمة ذات المصادر والمقابر، مصائب من الاستعمار، وقبله من المغول والتتار، ومصائب من كيان الإرهاب وراعي الإرهاب، ومصائب منا وفينا، فنحن كما الخل “دوده منه وفيه” في حالات وبلدان وأوقات.. ومصائبنا من إرهابيين بوجوه أو بأقنعة أو بمستندات وسند، يمتدون بين السمرة والحُمرَة، وهي مصائب ذات جذور وفروع، وذات صراعات وقضايا، وفتكات وثارات.. ترتد علينا بالضعف وبما هو أبعد منه وأكثر، وبالعنف بأنواعه وأصنافه، وبما لا يُقدر من الجهل والظلم والاستبداد والتجاهل والاستعداد لقبول ما لا يُقبل.. حتى لنكاد نصبح ونمسي، في بعض الأوقات، وفي بعض البلدان.. وكأننا في سجن كبير. وأرى أنه يحق لنا أن نجأر بالشكوى من حيث إننا معتدَى عليهم، ومستلبة ثرواتهم وخيراتهم وحقوقهم، وقواهم التي يدافعون بها عن أنفسهم، مستلبة من العدو الخارجي أمثال اللص والإمبراطور، وممن يستقوون بهم، أو يتذرعون بعدوانيتهم ليبقونا في الحظيرة، نرتجف من البرد والخوف.. هذا من جهة.. ونجأر بالشكوى، من جهة أخرى، من حيث إننا المظلومية في أوساط وأحوال ومواقع، والظلمة في فئات وقطاعات وسلطات، وإننا الجرح والسكين في معظم الأوقات والحالات.. ولذا يأكل بعضنا بعضًا من دون معيار للجوع والشبع، ويضعِف بعضنا بعضًا حيث نغدو تبَعا لمن تبَع.. وهذا كله يجعل البغاث تستنسر في أرضنا، وكيان الإرهاب الصهيوني يتمادي في عدوانه، ومطالبه، وغيه، لا تذكر وحشيته ولا تذكر مثالبه.. حتى ليَفترَض أننا انتهى وجودنا، وأن أرضنا نهبًا له، وأننا لن نقوم من سقطتنا التي سقطناها، أو أُنهكنا وأُهلكنا بسبب إسقاطنا في حفرة حُفِرَت لنا، أو حفرها بعضنا لبعض فسقطنا كلنا فيها.. وفي الأحوال جميعًا نحن القاتل والقتيل، ونحن من يتحمل الوزر ويستحق المآل، ونحن من يستطيع أن يجد لنفسه مخرجًا إذا أحسن التفكير والتدبير. ولكن في كل حال، وعلى أية صورة كان الحال، فإننا لا نستحق ما نحن فيه، ولن تضع شكوانا حدًّا لمن يريد لنا الذوبان، ويعمل على أن تأكلنا النار، وتفترسنا الفتنة، ليفوز بما يريد.. وعدونا من أنفسنا معروف، وعدونا الصهيوني والغربي الاستعماري معروف. ونحن مؤهلون للأفضل مما نحن فيه بكثير، هذا إذا أحسنّا التفكير والتدبير والتعلّم من درس الحاضر الدامي والبائس بكل المقاييس، ومن دروس مرت بنا في عمرنا المديد كأمة، إذ يبلغ آلاف السنين.. بينما من يعتلون ظهورنا بالسياط، ويضعون في أعناقنا وأيدينا الأغلال والسلاسل والقيود، ويتآمرون علينا، وينهبون وجودنا كله.. ليس لهم من عمر الحضارات والدول ما يُذكر.. فعمر الولايات المتحدة الأميركية ثلاثمئة سنة تقريبًا، وعمر كيان العنصرية الصهيونية والإرهاب “إسرائيل”، أقل من سبعين سنة.. لكن السؤال المر هو: متى نقرأ الحاضر والماضي لنستشرف المستقبل، ونخرج من الأحافير التي تزداد عمقًا؟! ومتى نرى العدو ونحدده بدقة من دون أن تزوغ منا الأبصار، أو تعمى القلوب التي في الصدور.. ومتى نتحرر ممن لا يرانا، ويرى أنه ينتصر بسوانا.. ونحن الشعب والوطن والتاريخ، العروبة والإسلام، الحق والروح التي ترخَص في سبيل الحق؟!
الجواب أكثر من صعب، والدرب إليه أكثر من عسير.

إلى الأعلى