الأربعاء 20 سبتمبر 2017 م - ٢٩ ذي الحجة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / ليست مجرَّد قضية مركزية

ليست مجرَّد قضية مركزية

عبداللطيف مهنا كاتب فلسطيني :
الصمت الرسمي والنخبوي شبه المطبق، ما خلا نتف من عبارات إنشائية يعوزها المعنى لأنها كالعادة فاقدة للقيمة لافتقارها للموقف، والأهم منه هذه الغيبوبة الشاملة التي تلف الشارع العربي، هما ما وسما معًا ردود الفعل عربيًّا حيال خطورة ما جرى مؤخرًا من تصاعد للعدوانية الصهيونية في كامل فلسطين المحتلة. من غزة المحاصرة إلى الضفة المستباحة، وما بينهما النقب المنكَّل بأهله، فالجليل المُضيَّق على فلسطينييه، ناهيك عن ما جرى ويجري في القدس المنتهكة الهوية والحرمات والإنسان. الأمر الذي لا يستوي معه مجرَّد القول بتراجع قضية الأمة في فلسطين في سلَّم أولويات الراهن العربي فحسب، بل يتجاوز بكثير ذاك السؤال الاستنكاري الذي طرحته عقود الانحطاط الأخيرة التي غشت الواقع العربي والتي نحصد الآن مآلاتها المريعة، وهو، هل ما زالت القضية الفلسطينية ينظر إليها على أنها القضية المركزية للأمة العربية؟! ليغدو السؤال في صيغته الراهنة، هل الكيان الصهيوني الغاصب لفلسطين العربية، والمهدد بوجوده فيها مستقبل ووجود كل أجيال الأمة العربية القادمة من محيطها إلى خليجها، ما زال عدوًا بالنسبة لأغلب ساستها وغالبية نخبها، ونتجاوز لنقول، وحتى شارعها؟! بل وأكثر منه، وبالنظر إلى واقع الحال، يجوز لنا الإصغاء والتساؤل عن مدى مصداقية هذه التنبؤات الصهيونية، المتردده الآن بصفاقة على ألسنة القادة الصهاينة والمنعكسة بوقاحة على صفحات إعلامه، حول استبشارهم، وحتى تأكيداتهم، بدنو زمن التحالف بينهم وبين عرب هذه المرحلة الحبلى بحروب داحس وغبراء تذابح الطوائف والنحل والملل وفتن التشظي والتشرذم ودواهي الدونية والتبعية ومتاهات ضياع الهوية؟؟!!
نحن هنا لا نتحدث فحسب عن القمع والتقتيل والاعتقالات والتشريد، التي هي خبر يومي فلسطيني بات يتردد برتابة وغدا ثانويًّا وحتى مملًّا لدى غالب وسائل إعلام المعمورة ومنها العربية، ولا عن التهويد الذي شارف على الفروغ مما بقي ولم يهوِّده بعد، ولا ابتلاع جغرافيا القدس والتفنن في التخلُّص من ديموغرافيتها ومسح هويتها والاجتهاد في شطب رموزها ومعالمها العربية، ولا حصار غزة الإبادي الصهيوني الشنيع والعربي المشين، ولا التنسيق الأمني الأوسلوستاني المخزي مع المحتل لخدمة أمن المحتلين، وإنما راهن كل هذا التصعيد غير المسبوق في كل هذه المناحي التي فرغنا من تعدادها جميعها، وكأنما هذا العدو قد وجد فرصة سانحة وقد لا تتكرر يتيحها له هذا الواقع العربي المشهود والذي كفانا إجماع الصديق والعدو على القول فيه توصيفًا بما لم يقله مالك في الخمر.
هذا التصعيد انتقل مؤخرًا إلى مرحلة أعلى حفلت بها الأيام الأخيرة… تقتيلًا: أصبح التسلي بإطلاق النار على ظهر فلسطيني أعزل لا يعجب ضابط أو جندي أو “مستوطن” صهيوني ومن يحاول إسعافه مسألة اشتباه يجيزه التحوط دفاعًا عن النفس، بل تحوَّل إلى واجب يومي في سياق سياسة يومية تنفذها دون أن يرمش لها جفن الحواجز والدوريات والكمائن والغارات الأمنية… أما الاعتقالات، إداريًّا وخلافه، فحدِّث ولا حرج، فمن لا يعتقله العدو اشتباهًا أو مقاومًا تتكفل أجهزة سلطة التنسيق الأمني مع المحتل باعتقاله.
التهويد والتشريد، حيث مستجد العطاءات وإقرار مشاريع توسعة المستعمرات وضم المزيد من الأراضي المصادرة إليها وهدم بيوت العرب وطردهم من أراضيهم، بات مثله مثل التقتيل والاعتقالات روتينًا يوميًّا، والاعتداءات على المساجد والكنائس وعلى رأسها الحرم القدسي الشريف والإساءة لرمزيته العربية والإسلامية أخذت منحى تصعيديًّا تمهيديًّا تطبيعيًّا، بمعنى تهيئة الأجواء لاقتراب موعد اقتسامه توطئةً لوضع اليد عليه فهدمه وبناء الهيكل المزعوم مكانه، وهي سياسةً تحدوها فتاوى حاخامات وتترجمها اقتحامات مبرمجة برعاية رسمية وأمنية وإعلامية توطئةً لهذا الآتي تطبيقًا لأساطيرهم واقعًا في ظل أحوال عربية وإسلامية وكونية ولا أفضل منها مشجعًا لهم على ما ينتوونه ويعملون ليل نهار لتحقيقه… قبل أيام اقتحموا المسجد الأقصى وخلعوا بوابته الرئيسة لإفراغه من مصليه والمرابطين فيه بوحشية غير مسبوقة لإتاحة المجال لزمرة من المستعمرين على رأسهم وزير الزراعة أوري أريئيل يحرسهم طابور مدجج من الجند وتحت وابل من القنابل الدخانية والصوتية للصلاة بأحذيتهم داخله إحياءً لذكرى أسطورة خراب الهيكل المزعوم، حيث ألحقوا بأولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، أو التوصيف الذي ربما لا يردده الآن أو يتمسك بترديده سوى المقدسيين، خرابًا وجرحوا 17 من مصليه والمرابطين فيه واعتقلوا منهم من اعتقلوا بتهمة العنف والتصدي لانتهاك المصلين اليهود لحرمته!
ذروة هذا التصعيد هي جملة من القوانين المستحدثة، التي منها إقرار الكنيست لقانون تشديد العقوبة لتصل إلى عشرين عامًا لمن يلقي حجرًا على المحتلين، حيث تقول وزيرة عدلهم أييلت شاكيد إن “من يلقي حجرًا هو إرهابي”، وعليه فإن هذه العقوبة عند أمثالها “هي عقوبة عادلة”! كما عدَّلوا قانون طوارئ الانتداب البريطاني الذي أسهم في إنشاء كيانهم الغاصب، ليوسعوا قوانينهم لـ”مكافحة الإرهاب”، أي المقاومة، لتشمل الجمعيات الخيرية، ومنظمات المجتمع المدني، ولجان الزكاة، والصدقة، ورعاية أسر الشهداء والأسرى، وصولًا لإقرار قانون التغذية الإجبارية للأسرى المضربين عن الطعام… والمعروف أنه كان قد استشهد أربعة أسرى بسبب من هذه التغذية قبل قوننتها… وذروة المفارقة أن هذا يحدث بينما يباهي الدكتور صائب عريقات، كبير مفاوضي سلطة أوسلو، والذي حل محل ياسر عبدربه أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، أمام الكون بأن سلطته قد اكتسبت عضوية 523 منظمة دولية وباتت عضوا مراقبًا في الجمعية العامة للأمم المتحدة، وأن ترد عليه أييلت شاكيد واصفةً مكتسباته هذه بـ”الإرهاب الديبلوماسي”!!!
…فلسطين ليست مجرَّد قضية مركزية للأمة العربية، وإنما بوصلة وهوية ومستقبل، إن فرِّطت بها فرِّطت بأمسها ويومها وغدها…

إلى الأعلى