الخميس 25 مايو 2017 م - ٢٨ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / قراءة في تجربة التشكيلي سنان حسين

قراءة في تجربة التشكيلي سنان حسين

فانتازيا الصورة الافتراضية الممسرحة

يصافح سنان حسين مكتشفات الحداثة التشكيلية من خلال مسرحة الصورة الغرائبية، التي اغتربت بفعل العولمة الثقافية الكونية، فشكلت أجساد كائناته الهجينة غير المألوفة لغته الافصاحية كشكل من أشكال تكريس اللغة الاشارية للجسد من خلال مختلف أبعادها الحركية المقننة بمشاهد افتراضية سكنت مخيلة الفنان، حيث اقتطع أغلب مشاهده مما سكن روحه وذاكرته الجامحة فحولها إلى صورة ممسرحة بصرية تأويلية. غالبا ما يندمج نصها البصري المرسوم مع سينوغرافيا لغتها المشهدية فشخصيات سنان تتعدد أشكالها الأدائية غالبا ما كان للأثر الثقافي و المنهج السياسي والديني…دورا في إخراجها.
سنان حسين منذ أن كان في الابتدائية ، يرسم انعكاس جيل يمتد في عزلته نحو الفراغ، يحاول أن يعالج تحولات العالم وتغيراته والتي تنعكس بدورها على الروح، يبدأ باستخدام السطوح ثم يستمتع تدريجيا أثناء تقدم عملية البناء بما تفرزه مشاهده من تحولات، يعتبر من عشاق البعد الواحد تأخذه ممارساته تلك نحو أقاصي الروح لتفرز عوالم تتجه نحو الغائب غير المنطقي بحسابات تكاد أن تتجرد من المعقول.
* مراحل الإدراك التحليلي للمشهد :
أهم ما يميز أعمال الفنان سنان حسين تلك المشهدية التي في اغلبها متناهية الدقة يقسم من خلالها فضاء اللوحات إلى عدة أقسام كالجدران
والأرضيات والأسقف والكثير من التفاصيل الدقيقة وتلك الشخوص الغريبة التي تأثث الفراغ تلعب الدور الرئيسي في مشهدية الفنان فتتوسطها حينا و تعتلي سمائها حينا أخر. تحضر في تجمعات كبيرة و في أخرى اقل كثافة. إلى غير ذلك من الوضعيات التي يفرضها المشهد فتحضر كائنات الفنان الهجينة بين هيئات بشرية وحيوانية في توافق بهيج، مشاهد تجسد حالات مختلفة يعكسها الواقع المعاش حيث نشاهد مشاهد احتفالية لحفلات زواج و مشاهد لما يغزو العالم من مظاهر مصطنعة كالسلفي، إضافة إلى تجمع لكائناته المسخ معلقة بين السماء و الأرض في تداخل وتجمع غريب و غير مبرر، صور معلقة على الجدران وشخوص بدون اذرع، اسماك تسبح في فضاء اللوحة و غرابة تعم أرجاء المكان تحاكي بأسلوب مبتكر وذكي ذاكرة المكان و الإنسان، حوض المياه وآلات التصوير الفتوغرافية والهواتف الذكية و كل ما يميز واقعنا المعاش مع أحلام الفنان وتهيئاته وهلوسته في تداخل يوحي بعدة مشاعر و مشاغل مختلطة في ذهن الفنان/الصانع، تترجم عزلة الكون و منها عزلة الكائن، معاناة الإنسان في الطبيعة، هنا الإنسان هو سمكة و طير و حصان …غير انه كائن مجبول من طين، رسومات الفنان هنا شكل من أشكال المآدب البشرية و الحيوانية تمتاز بطابعها الفانتازي الغرائبي. كما اللون والخامات في أعمال الفنان هي إيقاع تعبيري بحد ذاته حيث يرى انه لا يحتمل الصدفة إلى أن يدركها وعيه ، وهو يختلف باختلاف الكتل ومساحة التوزيع فهناك ارتباط بمضمون الشكل المخزون داخل العقل فيحدث التعبير المجرد من الشكل والخامة إلى اللون ليخلق التوازن الموحد بينهم، فخاماته هي مواد بناء ولصق وبودرات وبهارات وكولاج …
ولكل خامة لون و لكل لون تعبير ولكل لون طاقه يفرزها الجسم ابتداء من العقل للقلب ونهاية باليد التي تلمس اللون . أما هل هناك لون شرقي أو غربيه هناك ارتباط بالموروث فالفنان يؤمن بذالك من ناحية الشكل واللون ولكل حضارة قيم وإدراك لوني مختلف عن الحضارات الأخرى ولكن يبقى الفنان هو المعبر الرئيسي لوجود اللون فان وجد اختلاف فهو الذي تحدده البيئة والمكان. فيأخذ سنان حسين مشاهده المخرجة بدقة المحترف إلى مناطق من المعنى الغير مألوفة، أبوابه مغلقة لم تطرق من قبل، معاني ذات أبعاد تخيلية بامتياز نابعة من أقاصي الروح التي ضاقت ذرعا بالواقع فصنعت واقعا أكثرا تعبيرا وأدق تفاصيل، هي ترجمة لروح إنسان جسور يهدف من خلال عمله الفني إلى تحويل معارفه و قناعاته وآرائه إلى مجموعة أكوان هلامية الانزياح.
يرسم الفنان كائناته الهجينة، غير الحقيقة المغيبة سوى في ذهن الفنان والتي وحسب تعبيره رفضتها الأرض، بكل توق إلى معرفة حقيقة الروح فتصبح بالتالي قرابينه ذات الأجساد الهجينة هوية الجسد الغائب و رحلته نحو الخلود رحلة في المجهول من معرض إلى أخر تتنوع أهداف الفنان وهواجسه.
يحاول الفنان من معرض لأخر إدراك حقيقة الحياة الأبدية التي لا ترتبط ضرورة بالجسد الذي خلص الفنان إلى وهميته كما يخلص من خلال معرضه “ارتباطات مثلوجيا” إلى أهمية كوامن الروح في انفصال عن الجسد لأنها حتى وإن غاب الجسد عنها ستبقى معلقة بهذه الأرض ربما نحو وجود أخر منشود و منتظر يولد من رحم الغياب.
كما أن معرضه “تناغم بشري” له أبعاد نوعا ما سياسية يعالج من خلالها قضية تناغم الأديان وتفاعلها لإيجاد مدى للتوحد بين القيم البشرية لتفكيك قيم أخرى سلبية ومدمرة بغض النظر عن الاختلافات و الطوائف بهدف سيطرة التناغم البشري.
سنان حسين يبرز لنا من خلال مجموعة أعماله التي أثثت أكثر من 13 معرض فردي و أكثر من 30 معرض جماعي حول العالم، مخرجا مسرحيا يلخص لنا في مشاهد محكمة التكوين والإخراج مراحل هامة من فكره ومبحثه في الوجود. فهو ليس من طينة المثقف المتقوقع بل تعكس أعماله جرأة و شراسة تجعل القارئ وهو بصدد أعماله يشعر بامتلاكه لمفاتيح القراءة دون السقوط في المباشراتية المبتذلة. كما تتسم هذه الأعمال بطابع نقدي حيث يعمد من خلال الفانتزايا في معالجتها إلى التضخيم و التهكم والتهجين و السخرية من كل ما يساهم في عزلة الكائن و غربته. فمدائن سنان حسين المرسومة بمثابة عالم الكسموس البعيد حيث يقول الفنان في هذا السياق “هو عالم معرفي خليط بفكر اقرب إلى الخيال فالجسد ليس جسد مكتمل وهذا لا يعني الكمال الحقيقي الذي يتكون به الإنسان وإنما الكمال الحقيقي هو ابعد من ذلك .. حتى الجسد في بداية التكوين لم يكن جسد كامل بصفاته الآن بل هو تغير بتغير البيئة والمكان إلى أن وصل لمفهوم الكمال بمعتقد الإنسان. أما بمعتقد الآخر وهو الذي يتجسد بعنصر المنتظر فو غير كامل بل يجتهد لوصول الكمال. فأصبح يتشكل بأشكال اقرب إلى الحيوان بصفات مشتركه مع الإنسان ليجد نفسه ليس هو فقط الكائن الذي رفض الأرض واتجه العالم الآخر ليتحول وجد عالم فسيح يمتلك الخبرة والفلسفة الكاملة للحقيقة فأخذ ينجز ويتحدث ويكتب فهو الحقيقي”

* الصورة مسرحا: إشاراتها الحركية والإيمائية، دلالات
مبعثها غرائبية الأداء الجسدي :
يشكل مسرح الصورة لدى الفنان سنان حسين لغزا بالنسبة للمشاهد و هذا الإلغاز الذي يفرضه هو بالضبط منطقة الامتاع في تجربته. فهذه العناصر المكونة للمشهد(الصورة/اللوحة) تفتح أفقا خصبة أمام المشاهد للتأويل لما تحمله من إشارات حركية و إيمائية لها دلالات واضحة تارة ومبطنة طورا.
أجساد شخوصه الغرائبية تتبنى على مسرح اللوحة حالات نفسية ووضعيات متعددة، متواترة و متسارعة حينا ومتباطئة وحالمة حينا أخر، مشهدية الصورة الممسرحة لدى الفنان تقتصر على حيز مكاني يصممه و يضع فيه شخوصه و يتلاعب من لوحة لأخرى بأبطالها كما يشاء فيختار الملابس والديكور و العدد والأدوار وكأنه يروي او يسرد لنا من خلال الصورة يوميات لا تخلو من الغرابة. يوميات تقطع مع التكرار المشهدي اليومي نحو أخر مبتكر لا تربطه أي رابطة اشارية بالمعتاد. غرائبية تحيلنا إلى العبث تستمد جذورها من سخرية الفنان وتهكمه على الواقع المشترك و مرورها بمحذاته نحو اللامتوقع و توظيف آلياته بذكاء و حس تشكيلي بالغ. فاللغة الاشارية المبهمة لتلك الكائنات الهجينة هي إيحاءات الصورة الافتراضية الممسرحة نوع من الكوميديا السوداء التي تفرض تجاوز الطرق الموروثة في النقد و التهكم فتتعدد أقنعة شخوصه بتعدد الأقنعة في الواقع. شخوص بمثابة المسخ تشكل الجزء الأهم من مشهدية اللوحة المعاصرة لدى سنان حيث لا تخلو لوحاته من أثارها الإيمائية وقدراتها التعبيرية و ما يرتسم على وجوهها من مشاعر و تعابير و تقمصها لادوار عديدة و مختلفة رغم هذا العرض الصامت، و هذا الصمت هو ما يدخلنا في متاهات الصورة الممسرحة و دلالاتها لفهم مقاصدها الإيمائية التي تساهم في التفكيك المشهدي المابعد حداثي و الذي يبيح الفنان خلاله بعض من محظورات الخيال و هواجس الروح.
تظهر لنا أعمال الفنان من هذا المنطلق قابلية الروح التي تسكن أجساده الهجينة على استحضار الصورة المنشودة التي تسكن ذهن الفنان، حيث يلج ممثلوه اللوحة أفرادا و جماعات، ولكن في الأغلب هم يشكلون رغم اختلاف حضورهم داخل فضاء اللوحة وحدة صورية إما متجانسة في عديدة الشاهد و متداخلة في مشاهد أخرى. تتحرك بحرية داخل فضاء العرض (اللوحة) فتستعرض بالتالي أقصى إمكانياتها الأدائية، التي تكسر الكثير من رتابة الإيقاع وتفعّل الحدث التشكيلي بما أنها لا تستثني أي عضو من أعضاء الأجساد الغريبة فتحضر جميعها كعناصر بناء أساسية، لتشكل الصورة بما يناسب الفعل الأدائي المعاصر الذي يكرس المساحة المفاهيمية التي اشتغل عليها الفنان عصر الصورة الغرائبية الجديدة حيث تتجاوز المشاهد في لوحاته في اغلب الأحيان حيّزها الفضائي الذي خصص لها، اللوحة مسرحها الضيق حيث اختار الأماكن المغلقة كفضاء مفكك و متصادم في مرحلة أولى ليمر إلى الأداء الجسدي المباشر فيما بعد (البرفرمونس). ولع سنان حسين بتفكيك الواقع المعاش وإعادة إنتاجه وفق حقائق الروح الأكثر صدقا و الأكثر إغراقا في تخوم الخيال بكل ما يحمله من صدامات لكشف جوهر الرياء البشري.
فيختصر بالتالي الفعل الدرامي الاشاري على مسطح اللوحة وكأني بالفنان يقول إننا نعيش يوميا على خشبة مسرح كبير نرتدي من خلاله أقنعة مختلفة تبرز جميع تشوهاتها التي لا نراها ولكنها تعكس حقائق غائبة، صورة الكائن الهجين الذي قدمه لنا سنان هي احد صور العولمة التي تحتجزنا ضمن سجنها العظيم بصوره المبرمجة تدخل من خلاله متاهات متشعبة المسالك، متاهات دينية (طائفية) ثقافية، اقتصادية، سياسية الخ…وعلينا أن نخرج من هذا السجن لنرسم إطار تواجد جديد هروبا من عزلة الكون والكائن نحو أخر مسخ لا يعني بالضرورة المعنى السلبي حيث يقول سنان حسين في حوار لي معه ” لا اقصد بالمسخ هو التشوه بمعنى الكلمة فهناك الكثير من المسوخ في الإنسان الحقيقي بتوقعه وإدراكه حيث هو يملك كل الطاقات ليبلغ الكمال ولكن لم يستطع . أما كائناتي هي حقيقة العالم الآخر فهي صبورة تعيش بدون يد وأرجل مرتبطة ببعض ليس لها قوة سوى جسد مرتبط ببعض ويتناسخ دون وجود الارتباط الجنسي، فهناك الطفل وهو يكاد أن يكون البطل وهو الذي تناسخ منه الكائن الكبير وليس العكس وهناك الديك هو دلالة على التكاثر وهناك المسيّطر الذي يقود هذا الكم من المتحولين “. إذا كائنات سنان حسين و التي تؤثث عوالم مسرح لوحاته هي ليست تشوهات، هي بالأحرى إعادة خلق لبناء أجساد جديدة ضاق بها العيش بهذا العالم الأرضي فهيكلت الجسد بأشكال جديدة فتناسخت مع الأشكال الحيوانية لتكون أشكال لا تقارن بما يوجد على هذا الكوكب الأرضي المسخ الحقيقي. .
فمكاشفة الحداثة التشكيلية بالنسبة لسنان حسين يتم عن طريق إعادة بناء كتل من القيم الشكلية المخزونة بشكل معرفي وليس المعنى في الشكل أن يكون له قيم وصفات تشبه الشكل الحقيقي. كما يمكن أن يكون مجرّد وهو اقرب إلى الحقيقة والكمال من الشكل الحقيقي. نحن لا ندرس الكمال عل أساس منطق بناء الكتل والتوزيع فهو تجّرد من العصر الكلاسيكي المتصوّف بإدراك قانون النسب الصحية المرتبط بالكهنوت .. كما الأدب أيضا هو شكل ولكن مختلف البناء والتكوين لحساب معرفي مستعار عن حقيقة المجتمع ويكاد أن يتجرد الآن من القيم الكلاسيكية أيضاً فهو متشابه ولكن بدلالة الحرف، وكأني بآثار سنان حسين الفنية رجع صدى “كليلة ودمنة” بطريقة تشكيلية معاصرة.

دلال صماري
باحثة وتشكيلية تونسية.

إلى الأعلى