السبت 23 سبتمبر 2017 م - ٢ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / أشرعة / صافي صافي لـ ” أشرعة “: على المثقف أن ينأى عن السياسي بالشكل المباشر

صافي صافي لـ ” أشرعة “: على المثقف أن ينأى عن السياسي بالشكل المباشر

وظيفة الكاتب أن يقف إلى جانب الذين يتحيز إليهم

دمشق ـ من وحيد تاجا:
اكد الروائي الفلسطيني الدكتور صافي صافي انه يجب على المثقف أن ينأى عن السياسي بالشكل المباشر، وأن يجعل قضيته السياسية متطابقة مع رؤيته الثقافية، وليس هناك انعزال بين ما يقوله الإنسان وما يقوم به.وقال في حوار مع ” اشرعة ” : ان وظيفة الكاتب أن يقف إلى جانب الذين يتحيز إليهم. مضيفا :” إنا أتحيز لهؤلاء الذين لا يسمع صوتهم. أتحيز إلى جانب اللاجئين الذين ما زالوا يعيشون في المخيمات. لا يعني ذلك أني أتبنى وجهة نظرهم من الحياة، فهم جزء منها، بل أتحيز إلى جانب قضيتهم حتى لو كانوا غير واعين لها. أكتب عنهم بوعيي أنا، وبفهمي أنا، وبرؤيتي أنا. وهذا هو موقفي الذي أتبناه، وأحاول أن أعكسه في رواياتي.والروائي صافي صافي من الأصوات الروائية المتميزة في الأرض المحتلة وهو من مواليد قرية بيت اللو قضاء رام الله في عام 1955 والحاصل على دكتوراه تربية فلسفة العلوم، من جامعة لاهاي، وله سبع روايات هي ” الحاج إسماعيل” الحاصلة على جائزة اتحاد الكتّاب الفلسطينيين عام 1989 ، ورواية اليسيرة، وشهاب، و” الصعود ثانية”، و” الحلم المسروق” ، و” الكوربة”، و ” سما ، ساما ، سامية ” بالإضافة إلى العديد من الدراسات الأدبية والعلمية.

* هل يمكن العودة إلى البدايات.. وما هي المؤثرات التي لعبت دوراً في توجهك نحن الرواية تحديداً..؟
** لا أعرف إن كنت أستطيع تحديد البدايات والمؤثرات بالشكل الذي أراه من قبل زملائي. إذ بدأت بكتابة مشروع رواية في بداية الثمانينيات، وكانت بعنوان “الصعود ثانية” (روايتي الثانية نشرتها في العام 1994)، كتبت فيها بعض الفصول، إلا أني وجدت أن باستطاعتي نشر قصة قصيرة بالعنوان نفسه، نشرتها في مجلة “الكاتب” المقدسية في منتصف الثمانينيات. وبانخراطي في قراءة رواية “حين تركنا الجسر” للكاتب المرحوم عبد الرحمن منيف وجدت نفسي أكتب رواية أقلده فيها، انتهيت منها، ولم أكن راضياً عنها، فلم أنشرها.
مرض والدي الذي كان يسميه الناس “الحاج إسماعيل”. كان مريضاً بالسكري، وطلب منا الأطباء الموافقة على قطع رجله لئلا ينتشر العفن (الجاجرينا) إلى باقي جسده. رفض أبي الموافقة، وأصر على أن يموت بكامل جسده، أو يعيش به. فوقعنا نحن الأبناء العشرة في ورطة اتخاذ القرار. تناقشنا، وتهاتفنا، وقررنا أن تقطع رجله من أجل أن يعيش. أثناء مرضه، وأثناء وجودي كمرافق لأبي على مدار الليل والنهار وجدت أن موضوع أبي يصلح كرواية، ففيه تاريخ للجيل الذي سبق، جيل النكبة الفلسطينية، والمتمسك بالعودة إلى بلدته الأصلية. بدأت بكتابة الرواية أثناء وجود أبي في المشفى، وكنت قد أنهيتها بشكل أولي قبل وفاته، وكان المتوقع هو ما حدث. رفض قطع رجله، وحين عرف ذلك أصيب بالصدمة، فمات بالجلطة. أعلن حينها اتحاد الكتاب الفلسطينيين عن جوائز أدبية في المجالات المختلفة، وكانت رواية حديثة قد صدرت للروائي الزميل أسعد الأسعد، ووجدت أن روايتي تستطيع المنافسة، ففازت مناصفة معه سنة 1989، وتم نشرها في العام 1990. وهكذا بدأت كروائي تحتل روايته المركز الأول، في وقت لم يكن للرواية الحديثة الفلسطينية مكان في الأرض المحتلة. لا يمكن القول بأن ما كتبته هو رواية تسجيلية، ففي تلك الفترة كنت أتابع المسلسل المقتبس من ثلاثية نجيب محفوظ، وشخصية “السيد أحمد عبد الجواد” التي تشبه أبي بطريقة ما. اهتممت فقط بالمحطات الأساسية في حياة والدي، لكن شخصية الحاج إسماعيل ليست مطابقة تماماً لما حدث. واجهت الكثير من التشجيع من الزملاء الكتاب، وواجهت الكثير من الضغوط والمقاطعة من الأقارب الذين رأوا فيها مساً بالذي مات، لكنها الرواية الأولى المسجلة باسمي، وأنا سعيد بذلك.
نعم كنت قد قررت منذ البداية، منذ أوائل الثمانينيات أن أصبح روائياً، فاهتماماتي كغيري بدأت في الموضوع السياسي، والانخراط فيه، وكانت البرامج الثقافية هي جزء أساسي من العمل السياسي. انغمست في متابعتها والاهتمام بها من خلال قراءة الأدب “التقدمي”، ومن العرب عبد الرحمن منيف، وحنا مينا، وغالب هلسا، وغسان كنفاني، وغيرهم. ووجدت أن باستطاعتي عمل مثلهم، بل رحت منذ البداية أقرأ بصورة نقدية، أتمثل الرواية، وأحاول أن أصوغ أحداثها بالصورة التي تناسبني. أبحث في منطقية الأحداث ، وتسلسلها، ومدى تسرب الخرافة والميثولوجيا والقصص الشعبي لتجعلها أكثر جمالا.

* الآن.. وبعد سبع روايات جميلة .. هل يمكن الحديث عن ” مشروع روائي” واضح الملامح للروائي صافي صافي أم أننا ما زلنا نتحدث عن روايات متفرقة يجمعها الموضوع الفلسطيني ..؟
** ربما يكون واضح الملامح، وإن كانت المواضيع مختلفة. المشروع الروائي ليس تسجيلاً لأحداث هنا وهناك فقط، وليس إدخال العقلية الميثولوجية والتراثية فقط، وليس محاكاة الممكن وغير الممكن فقط، وليس إضفاء صفة الجمالية في لوحة العمل الأدبي فقط، وليس إحداث المتعة لدى القارئ فقط، وليس الالتصاق بقضايا الشعب الذي تنتمي إليه فقط. إنه أكبر من ذلك بكثير على حد ما يقوُلُه أعمدة مدرسة “الجشتالت” التربوية.
إن الإطار الذي يجمع رواياتي؛ كما أعتقد: هو إنني أحاول أن أتناول المواضيع الروائية والطريقة السردية، بشكل يعمل على تطوير القدرة النقدية لدى القارئ، ليرى ما لا يُرى، ليرى ما لا يراه الناس العاديين. إنه محاولة للكشف عن خوازن النفس أو الأحداث لتعمل على تحفيز القارئ للتغيُر والتغيير الفكري. صحيح أن هناك من يرى أن قضية بلدتي الأصلية “بيت نبالا” التي تم تهجير أهلها في العام 1948 حاضرة، وإن لم أعش فيها. وصحيح أن هناك من يرى أنني أمتلك ثقافة الفقراء والطبقات الشعبية بين اللاجئين، وفي القرية، وفي المخيم، وفي أحياء المدينة. إلا أنني أحمل قضية، ودوري هو تغيير طريقة النظر للأمور التي أتناولها، وفي هذا لا تهمني وجهة النظر السائدة، بل أحاربها، ولا تهمني وجهة نظر الزعماء السياسيين، فأنا لست منهم. أنا أنتمي لأقلية فكرية وبأغلبية ضمير شعب. هذه الأقلية القابضة على الجمر متمسكةً بالقضايا الأساسية، فنحن كمثقفين، وكأمانة عامة لاتحاد الكتاب والأدباء الفلسطينيين، مثل الذين بقوا مرابطين على “جبل أحد”، لم ينزاحوا عن الجبل، ولم تهمهم الغنائم ولا تقاسمها. في هذه الحالة، لا يهم ما هو الموضوع الذي تتناوله، بل ما هو موقفك من الحياة، وما هو موقفك من القضايا الوجودية، وأية قضايا تطرح.

* تناولت في رواية الحاج اسماعيل مسألة صراع الأجيال في فلسطين.. والآن ونحن نرى مايفعل الجيل الجديد في عصر الربيع العربي، هل ترى أنك قد أنصفت ” الجيل الثالث ” كما تحب أنْ تسميه..؟
** في الحاج إسماعيل، يكون الأب وهو الذي ولد في أواخر العصر العثماني، وعايش الاحتلال الانجليزي، والنكبة، والنكسة، ما زال متمسكاً بالمبادئ الأولى كما هي، وهو على حق، لكن أبناءه الذين راحوا وجاءوا في العالم، يحملون أفكاراً مختلفة، مختلفة في طريقة التناول والتعامل مع القضايا المحلية، لكنها لا تختلف مع الأب في الجوهر. رفض الحاج إسماعيل قطع رجله، لكن الأبناء تدارسوا الموضوع ووجدوا أن هذا التفكير بهذه الصورة يوصله إلى الموت، فاعتقدوا أنه يمكنهم أن يطيلوا حياة أبيهم من خلال التخلص من هذا الجزء المتعفن من جسده. كانوا بشكل ما “براغماتيين”، ونيتهم في ذلك حياة أبيهم، فكانت الصدمة لهم حين نفذوا القرار الجماعي بالتوقيع على الوثيقة التي تفوض الطبيب بإجراء العملية، عانى أبوهم من حالة نفسية أفقدته توازنه وعقله، يصحو ويغفو ويتأمل في رجله، فمات. إن نتيجة قرار الأبناء هو موت الأب وليس الحياة، وهذا سؤال وجودي. الآن أفكر بشكل عميق: لماذا لم يستطيعوا فهم عقلية أبيهم؟ لماذا اعتقدوا أن أباهم سيعيش بقرارهم هذا؟ لماذا يقرر الأبناء في مصير آبائهم دون أن يتركوا لهم الحرية؟ لماذا يجب أن يكون الجيل الجديد براغماتي، وينسى المبادئ الأساسية.
إن المشكلة الأساسية ليست التفكير المختلف للجيل الجديد، ولكن مدى ارتباط هذا التفكير بالأصول، بشكل لا يميت التراث والهوية، بشكل لا يشكل حالة خطر على الأصول. والموت مأساة، وإن كانت تحمل معاني دينية بشكل مختلف، فأفعالنا بشكل عام هي من أجل الحياة، وليس من أجل الموت. حتى العبادات التي يقوم بها الأفراد هي من أجل الحياة في عالم آخر. إنني بقدر ما أتفهم الجيل الجديد، فإني أخشى من انفصاله عن الأصول، وتنحرف البوصلة. إن العنفوان والتحدي الذي يحمله الجيل الجديد يجب احترامه وتشجيعه، ولكن ضمن رؤية مجتمعية محلية. إن التربية والثقافة تلعب دوراً أساسياً في هذا المجال.

* يرى بعضهم انك ” قسوت ” بعض الشيء على المثقف الفلسطيني في روايتك الأخيرة ” سما، ساما، سامية ” حين قدمته بأفكار مشوّشة، سواء على صعيد علاقات الحب والصداقة أم في ما يتعلّق بالمشهد الثقافي والسياسي.. ..ماردك .. وبالتالي ماهي أولويات المثقف الفلسطيني في هذه المرحلة ..؟
** إننا ككتاب نقوم بعمل فني، ووظيفتنا أن نطرح القضايا الهامة سواء أكانت في المتن أو الهامش لتطفو على السطح. أي مثقف نقصد؟ هل المثقف الثوري أم المثقف العادي؟ إن المثقفين ليسوا كتلة واحدة ولا حالة واحدة، هناك من المثقفين ما زالوا قابضين على الجمر، ينحازون للقضايا الأساسية، وهناك مثقفون ينحرفون نحو القضايا الهامشية التي تخصهم. هل يمكن القول بأن المثقف الذي يحمل قضية، ولديه الاستعداد للتضحية بنفسه، كالمثقف الذي بات يجري وراء جمع الأموال والمراكز؟ بالطبع لا. هناك مثقفون يعتقدون أن استمرارهم بالقراءة والكتابة يلحقهم بهذا المصطلح، وهناك المثقفون الذين يشبهون المرابطين على جبل أحد في وقت نزل الباقي يجمعون الغنائم.
إن الشعارات السياسية والمراحل السياسية متغيرة، وتبقى الثقافة كحارسة على كل جوانب الحياة. على المثقف أن لا يكون سياسياً، لا تهمه الشعارات اليومية إلا في إطار النقد بمعيارية الأسس الثقافية على المدى البعيد، وإلا وقع في شرك المتغير اليومي. إن على المثقف ألا يجرى وراء الإغراءات اليومية والمرحلية، وأن يذكر الآخرين بالمبادئ التي تخدم الشعب ككل. عليه أن يرى الأمور اليومية عن بعد، من نقطة يستطيع أن يقيّم اتجاه هذه الحركة. إن ما أقوله يشبه النظر إلى شعار “الطاوية” (سمكتين سوداء وبيضاء تدوران حول بعضهما). إن مجرد الحركة لا يدل بالضرورة على الانجاز. يجب أن نصعد إلى نقطة أعلى ونرى فائدة هذه الحركة. إننا بحاجة للتأمل فيما نقوم به، وما يقوم به الآخرون، وتكون لدينا نظرة ثاقبة نقدية لما يجري. هذا هو دور المثقف والتربوي، والعامل وكل البشر.
بعد أوسلو وقيام السلطة الوطنية انغمس الكثير من المثقفين في الوظائف الوزارية أو في المنظمات غير الحكومية، وبات المحرك الأساسي لعملهم هو المصلحة الذاتية لتعلو على مصالح الشعب، والرؤية الكلية (حسب مدرسة الجشتالت). الصورة الكلية هي الأهم، وتبقى التفاصيل مجرد أجزاء لا تكمل بالضرورة الصورة.
إن لهؤلاء المثقفين قضايا تخصهم، مثل موضوع العلاقة بين الصداقة والحب بين الجنسين. ولقد سعدت قبل أشهر وأنا أقرأ روايات تتناول الموضوع نفسه، وإن كانت تغوص بشكل مؤذٍ لي في موضوع النظر للجنس، فما الصداقة لهؤلاء إلا غطاء. إن المثقف في رواية “سما، ساما، سامية” هو مجرد إنسان يحمل شعارات في رأسه، ولا يستطيع الدفاع عن هذه الشعارات، فأصبح عاجزاً عن الدفاع عن المرأة وعن نفسه. إنها أزمة المثقف الذي يحاول أن يقنع نفسه بأنه يعمل، فلا يستطيع.
يجب على المثقف أن ينأى عن السياسي بالشكل المباشر، وأن يجعل قضيته السياسية متطابقة مع رؤيته الثقافية، وليس هناك انعزال بين ما يقوله الإنسان وما يقوم به. وتبقى الأسئلة الأساسية في الذهن: ما الذي نعمل على تغييره في الفكر الإنساني ، ولأي غرض؟ وبأي اتجاه؟

* في ذات الرواية، وبعكس العديد من أقرانك، أعطيت المرأة دورا أساسيا . سواء على الصعيد السياسي أو الثقافي وحتى على الصعيد الإنساني ..؟
** أعتقد أن للمرأة دور أكثر أهمية من الرجل، ليس فقط من خلال علاقاتها بأبنائها وبالمجتمع، وإنما هي أكثر انفتاحاً من الرجل الذي يسعى دائماً للإمساك بالسلطة لأنها تخدمه. وحتى لا أعمم، فأمي هي التي كانت تسمح لنا ما لا يسمح به أبي، وإذا أخطأنا فإنها تتفهمنا أكثر، وهي الحريصة على السلوك المستقبلي، وليس معاقبتنا على ما اقترفناه. إن المرأة تحاول أن تعوض ما عاناه جيلها من خلال أبنائها. هي تود التغيير، وتعمل عليه، بينما الآباء يودون الحفاظ على ما اكتسبوه من جاه وسلطة. إنني لا أحاول أن أعطي للمرأة ما لا تستحق، أو أن أنسج أحلاماً ليست واقعية، بل أحاول أن أرسم ما أراه. إن المرأة أكثر إنسانية من الرجل، ولديها ذاكرة قصصية (تبرير ما يحدث) بعكس الرجل الذي يحمل مقولات مجردة يمكن أن تسقط عند أول اختبار. ألا ترون أن هناك فروقاً حين يتحدث الواحد منا عن تجربته ومن خلالها مقارنة بالشعارات التي يحملها البعض دون حشوة مقنعة. إن المرأة تقف عند التفاصيل، وتدور حولها، ليصبح لما تقوله معنى، بينما يلجأ الرجل إلى طرح مقولات مختصرة، تتناول الموضوع من فوق. إن المرآة تحمل في داخلها مشروع راوية من الطراز الأول، بينما يميل الرجل إلى الخطابات والمقولات القاطعة المانعة.
في رواية “سما، ساما، سامية”، تجد سامية نفسها وحيدة عند أول منعطف، يتم طلاقها دون أن يستطيع “المثقف” عمل شيء. تقرر أن تبحث عن ما يحقق لها ذاتها، وتتعرف على تجارب الآخرين، وترى ما لا يستطيع الرجل رؤيته. ليس فقط في اللوحة (ألوان قوس قزح)، وإنما أيضاً في الحياة، ويبقى العقلانيون يسألون الأسئلة العقلانية. هل نحن في الوضع الفلسطيني نعيش حالة عقلانية؟ إذا كان الجواب لا، فلماذا يجب علينا أن نظل نفكر ضمن نفس الإطار الفكري نفسه؟ لقد عاشت “سامية” تجربة جنوب إفريقيا، وترى أنها حالة لا بد من التفكير فيها، بدل حالة الضياع في اليومي الذي لا يوصل إلى شيء.

* جاءت الحوارات مطولة في روايتك الأخيرة وكانت أقرب إلى النص المسرحي منها إلى الرواية .. فهل كان هذا مقصودا .. ولماذا ..؟
** لقد لامني بعضهم على كم الحوار في رواية “سما، ساما، سامية”، لكن إلا يبدو ذلك منسجماً مع موضوع الرواية، وتوفر شبكات التواصل الاجتماعي الحديثة. مرة أخرى، فإن المرأة قادرة على الحوار، وقادرة على قول أشياء عميقة ببساطة، وفي ما كتبته هو محاولة تقليد لما تكتبه المرأة، أليس كذلك؟
أليست الحوارات هي بين رجل وامرأة؟ ألا يبدو أن هذا الشكل هو انعكاس لما يحدث في الداخل الإنساني ؟ ألا يعتبر ذلك انعكاساً لرؤية الكاتب لدور كل من الرجل والمرأة في التغيير الاجتماعي؟ إن الموضوع الذي تتناول هو الذي يفرض عليك اختيار الشكل المناسب لتقول ما تود قوله.

* بخلاف كل أعمالك ..لجأت في رواية ” اليسيرة ” إلى استخدام الأسطورة .. واستوقفني قولك إنّ هذه الرواية كانت محاولة لبناء أسطورة فلسطينية.. ؟
** رداً على قول المرحوم الدكتورعبداللطيف البرغوثي بأن ليس هناك من أسطورة فلسطينية، وإن كنا ضمن أساطير منطقة الشرق وبلاد الشام بالتحديد، فلقد حاولت أن أصوغ أسطورة بنكهة روائية، فكانت أن انصرفت إلى قراءة الأساطير العالمية، والحكايات الشعبية التي وجدت فيها سحراً، وهي تشكل جزءاً من عالمي الطفولي، وقرأت التاريخ والفلسفة، وحكايات الأولين العربية والمحلية. أتذكر أنني قرأت مئات الكتب. ووجدت أن تكون أسطورتي هي المفاتيح التي تبدأ بالتكوين (التوراتية) وتنتهي بإعادة التكوين. أما نحن الآن فإننا نعيش في المفتاح العاشر، الذي يقابله الباب العاشر الذي بدأت به الرواية، وكانت المفاتيح “ملحقاً”. إن الباب العاشر هو باب الهزيمة، باب النكوص، باب هزيمة الذات، وبشرت بالباب التالي الذي يحاول الشعب أن يستعيد فيه هويته وثورته، وربما تكون ” “الانتفاضات الشعبية العربية” هي بداية الباب الحادي عشر، لينتهي التاريخ في الباب الثاني عشر، وتعاد دورة الحياة مرة أخرى. في هذا السياق فإن كل رواياتي ربما تقع في الباب العاشر سواء كنت متنبهاً لذلك أم لا، فأكملت بعدها رواية “شهاب” التي تعد استكمالا لليسيرة، فالشخصيات مختلطة، وإن كانت تركز على جانب آخر كان هامشياً في اليسيرة.
أعتقد أن اليسيرة كانت علامة من الأثر الذي سأتركه لما بذلت في ذلك من جهد، ولما لاقت من ردود فعل. وأشعر بالرضى حين استمع لآراء العديد من الزملاء والقراء، بأن البناء كان مناسباً، وجذاباً وله معنى ليس فقط في المرحلة الحالية وإنما على المدى البعيد.

* استوقفني اسم رواية الكوربة .. ومن ثم قولك بان الكوربة هي ” نكسة شعب “..؟
** الكوربة، هي المنحنى، وربما هي ترجمة عامية لكلمة “curve” الانجليزية، لكني لم أجد كلمة فصحى تعبر عما حدث في العام 1967، رغم أن هناك العديد من الكتاب سجلوا روايات تتناول الموضوع نفسه، كما فعل إميل حبيبي مثلاً (سداسية الأيام الستة)، لكني في هذه الرواية أتناول الحرب من وجهة نظر تجاوز العقد الأول من عمره، ويحاول أن يفهم ما يجري. إن ما جرى في تلك القرية “بيتللو/ قضاء رام الله” هو قصة الدبابة والمدفع الذي تعلقت به أحلام اللاجئين وغيرهم بقدرته على الفعل وتدمير “إسرائيل” ليتمكن الناس من العودة إلى قراهم الأصلية، وتنتهي بذلك المأساة. تعلقت أحلام الناس بالمدفع وبخطابات الزعماء في تلك الفترة، لكن المدفع لم يطلق ما يشفي الغليل، عادت الدبابة تجر مدفعها، وسقطت عند الكوربة. بدل أن تتجه غرباً، رأيناها تعود فتسقط، ويستشهد بعض طاقمها. إن سقوطها هو سقوط لأحلام الجيل اللاحق المتمثل بالفتى، الذي سيقضي عمره بعد ذلك في محاولة الخلاص. ستبذل فيما بعد حياة أجيال دون القدرة على تغيير الواقع، والأسباب هي في الدبابة والمدفع اللذين لم يقوما بدورهما كما يجب. إنها نكسة شعب، وإن كان هذا المصطلح من صناعة الأنظمة التي سقطت معنوياً هي الأخرى.

* في الرواية ( الحلم المسروق ) لجأت إلى شكل جديد بحيث كان هناك أربع لغات مختلفة وكل فصل يبدأ بصفحات مستقلة من 1-30 مثلا والفصل الذي يليه يبدآ من 1 لا يبدأ من حيث انتهى الفصل الذي قبله. وكل فصل يتحدث بلغة تختلف عن الفصل الآخر..لماذا ..؟
** لقد استهوتني تجربة أن أظهر أصوات مختلفة. كان الموضوع جديداً بالنسبة لي، وربما نجحت في ذلك. إن الأصوات الأربعة هي تمثيل للرباعيات المعروفة في الطبيعة وفي الناس. أما في الانتفاضة، فلقد كانت أطراف القيادة الوطنية الموحدة مكونة من أربعة أطراف، كل طرف له أجندته الخاصة، لكنهم موحدين ضمن الكتاب نفسه. وفي هذا محاكاة لما يجري في الواقع، لكننا نجد أن الفصول ليست متساوية، وليست بالوزن نفسه. إنها الحياة الفلسطينية، وإن استبعدت أطرافاً أخرى كان لها فعاليات مهمة. القيادة الموحدة هي مجرد اختصار للمجتمع، والاختصار يعني نسيان الباقي، فأدت إلى النتيجة التي نعرفها جميعاً.

* رغم تمكنك من اللغة وتطويعها، وسلاسة السرد في أعمالك، يشير بعض النقاد إلى اختلاف اللغة في أعمالك من رواية إلى أخرى .. وبالتالي صعوبة معرفة إن هذه الرواية لـ صافي صافي ..بعكس بعض الروائيين .. هل ترى هذا نقدا أم مديحا ..؟
** هذا ما أحاول القيام به، ففي كل مرة أجدد قراءاتي، وأحاول البحث عن شكل جديد للكتابة. أحاول أن أبحث عن رواية تخلدني. ويستغرقني الخلاص من بيئة الرواية التي سبقت سنوات، في السنة الأولى أحاول أن أرصد رد فعل القراء، وفي التي بعدها أبدأ بالقراءة المعمقة، وأبحث عن موضوع يمكن تناوله. هناك العديد من المواضيع التي يمكن أن أتناولها بشكل روائي. هناك العديد من الروايات في ذهني، ولو كنت متفرغاً لأنتجت الكثير، لكني استغرب من هؤلاء الذين يكتبون كل سنة رواية أو أكثر. إنهم لا يتغيرون. إنهم فقط يسجلون أحداثاً دون عمق، وباللغة نفسها، حتى يصل بك الأمر إلى صعوبة التفريق بين الأحداث في هذه الرواية وتلك، أو بين الكاتب ككاتب والكاتب كفرد. أحاول أنا أن أشكل في كتاباتي، ولا أدّعي أنني نجحت. إذا كان ما تقوله هو الواقع في رواياتي فأنا فخور بذلك.

* تطرقت في “الحلم المسروق” إلى السلام الذي يحاول الإسرائيلي ون فرضه على العرب.. وسؤالي إلي أين وصلوا في محاولتهم تلك برأيك ..؟
** إنها مرحلة، مرحلة حشد “قوى السلام” مع المطلب الفلسطيني في الانتفاضة الأولى، لكن المثقفين الإسرائيلين ليسوا بمعزل عن الثقافة الإسرائيلية. إسرائيل التي ما زالت ترى في قوتها العسكرية حزاماً لأمنها، التي ترى في انتمائها التوراتي هويتها، التي تعتقد بتفوق عرقها. هل يمكن للإنسان إلا أن يكون ابن بيئته. هذه بيئتهم. إن المفاوضات، والأحاديث الشخصية والنكات التي يمكن أن تلقى بين الناس لا يمكن عزلها عن موازين القوى. نحن نحمل قضية عادلة، ولا يكفي الاقتناع الفكري بقضيتك لنجاحها.
لا أعتقد أن الحديث مع الإسرائيلي ن سيوصلنا إلى نتيجة عادلة، فالمسائل السياسية هي امتداد للواقع، ولن يكون بالتأكيد الركون على تعاطف الآخرين معنا سبباً في تحررنا. إن الحوار معهم وصل إلى طريق مسدود، ولن يكون إلا كذلك في ظل موازين قوى كالذي نراه ونلمسه.
إنهم يعتقدون بأن هذه الثكنة العسكرية كفيلة بالحفاظ على دولتهم وأمنهم. إنهم مجرد أغبياء لا يقرأون المستقبل، وهم من النوع الذي يعالج ظاهر المرض ولا يرون أسبابه، وليس هدفنا إقناعهم.

* هل يمكن القول بوجود رواية فلسطينية ..وما هي سمات هذه الرواية إنْ وجدت ..؟
** نعم، وهذا ما أحدثه جيلي، فقبل الانتفاضة 1987، لم يكن هناك ظاهرة روائية رغم أن بعضهم أنجز بعض الروايات، لكن العمل الروائي وفي المسابقة التي أعلن عنها اتحاد الكتاب في 1989، تقدم العديد بمشاريع روائية منها ما هو منشور، ومنها ما هو مخطوط، وتتالت بعدها الروايات، بحيث أمكن القول أن هناك روايات وهناك روائيين. فالأسماء نفسها تكررت بصدور روايات متتابعة.
لا أعتقد أني أستطيع تحديد سمات الرواية الفلسطينية، لكن يمكن القول بالإضافة للموضوع الفلسطيني، فهناك سمات أخرى. أعتقد أن إميل حبيبي هو من رواد الرواية الفلسطينية، وهذا لا يقلل من الذين سبقوا كغسان كنفاني وجبرا إبراهيم جبرا. وما ميّز روايات إميل حبيبي هو مزج السخرية بالجد (وهذا يلائم الواقع المأساوي الذي عاشه الفلسطينيون في الداخل، واستطاع مزج الأسطورة بالواقع (وهذا يلائم الحياة الفلسطينية أيضاً، فلا يكفي الواقع لتحليل ما يجري، أو لتوقع ما سيحدث). وأثبت الروائي الفلسطيني أنه باستطاعته المزج بين اللغة العامة والفصحى. إن عامل الصدمة/ المفاجأة في بدايات الروايات أو نهاياتها هو ميزة أخرى ( ربما هذه ميزة عامة)، والإصرار على التغيير والجدل، وعرض وجهات نظر مختلفة وتقبل الآخر (منسجماً مع الحرية الفردية النسبية التي يعيشها الفلسطيني)، ودور الأفراد في الجماعة (الأنا من خلال الآخرين). وإعادة قراءة التاريخ ونقده. ربما

* بالتالي كيف ترى المشهد الروائي في الداخل الفلسطيني ( الضفة والقطاع وأراضي الـ 48 ) .. وكيف تقارنه مع المشهد في الشتات .. ؟
** أستطيع القول بأن المشهد الروائي في الداخل له مكانه مقارنة مع الماضي (قبل الانتفاضة الأولى) إذ كنا نقرأ فقط الروايات التي تنشر في الخارج، لكني لا أستطيع أن أضع لكل جانب وزناً لمقارنتها.
ربما تكون الفروق في ظروف النشر، فمع أن هناك دور نشر جديدة، ونشطت دور نشر محلية بعد إنشاء السلطة الفلسطينية، إلا أن الإمكانات ما زالت محدودة، ولهذا تجد بعضنا يخترق الحدود وينشر في الخارج، ليس فقط من أجل الانتشار ولكن لأجل التعامل مع دور نشر لها سمعتها. ليس هناك دعم كافٍ لدور النشر هذه، وإن بيع المنتجات الثقافية ما زال ضعيفاً، فهو غير مجد اقتصادياً، ولهذا يجب دعمه، وإنشاء دار نشر وطنية، بالإضافة لدور النشر الخاصة، والشعبية.

* ما هي العقبات التي تواجه الأدباء والكتاب في الداخل الفلسطيني ..سواء على صعيد النشر أو التوزيع..؟
** العقبة الأولى هي عدم وجود قانون حماية الملكية الفكرية وإقراره بالشكل النهائي، ورغم العديد من الورشات التي عقدت، إلا أن المشروع لم يتم الانتهاء منه.
العقبة الثانية هي عدم وجود دار نشر وطنية عامة، وتصبح العروض متعلقة بإمكانات كل مؤسسة نشر وبرامجها.
العقبة الثالثة هي عدم وجود دعم كاف لمؤسسات النشر المحلية، حيث أنه ليس هناك جدوى اقتصادية من بيع الكتب المنشورة.
العقبة الرابعة هي عدم ترسخ حركة نقدية تواكب نشر الأعمال الأدبية، ومعظم ما يكتب يقوم به دارسون في الجامعات الفلسطينية.

* يلاحظ اتجاه في الرواية العربية الجديدة نحو الغوص في المحرمات الجنس والسياسة والدين.. هل تراها موضة أم ضرورة .. ؟
** هذا أمر مقرف، فالجاذبية في الرواية تأتي من خلال تناول الحدث دون افتعال، فإذا كان التعبير عن الحدث يأتي فقط من خلال هذه “المحرمات” فليكن، أما إذا كان من أجل اجتذاب الشباب لقراءتها فيصبح أمراً مقرفاً.
أما في تناول المحرمات بالشكل العام، فالروائي والكاتب، يتناول كل المواضيع، هو الذي يخترق الحدود، وهو الذي يبلط البحر، وهو الذي يصنع من الهواء ما يشاء، لكن الهدف الأساسي هو تغيير طريقة تفكير الناس إلى الأحسن، أن ننهض بمجتمعنا ليصبح أفضل. إذا كان هذا هو الهدف فليس هناك موانع دون غلو ولا إسفاف.

إلى الأعلى