الأربعاء 18 أكتوبر 2017 م - ٢٧ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / التاريخ الموجز للأنظمة القطبية ( 1800ـ 2020 م ) ( 2-2)

التاريخ الموجز للأنظمة القطبية ( 1800ـ 2020 م ) ( 2-2)

محمد بن سعيد الفطيسي

” .. بعبور العالم عتبة العام 2010م تبرز العديد من الملاحظات التحليلية حيال الكثير من النظريات والاحتمالات التي ترسم صورة وملامح النظام العالمي في العقد الثاني والثالث من القرن الحادي والعشرين , حيث تبين النظرة الى السياسة العالمية المعاصرة ان النظام العالمي الراهن والدائب على التطور ونقصد بناء على معطيات وتحولات الفترة من 2011م- 2015م هو نظام هجين,”
ـــــــــــــــــ
انتهينا في الطرح السابق الى انه بعد نهاية الحرب العالمية الثانية بروز نظام الثنائية القطبية في الفترة من عام 1945م وحتى العام 1991م ـ أي ما يقارب 45 سنة تقريبا ـ وهي فترة موازية لفترة الصراعات ما بين العام 1901مـ 1945م , وبمعنى آخر ان النظام العالمي في القرن العشرين قد انقسم الى ثلاث مراحل تقريبا وهي: فترة التعددية المحكمة في الفترة من 1901 – 1945, وفترة الثنائية القطبية في الفترة من 1946م – 1991 م , وفترة القطب الواحد في الفترة من 1991م وحتى العام 2000م.
أما القرن الحادي والعشرين فلا زال – من وجهة نظري الشخصية – يعاني الفصام القاري, أو شيزوفرينيا ما قبل تشكيل النظام العالمي القادم, فهو وحتى نهاية العقد الأول من القرن الحادي والعشرين قرنا أميركيا من الناحيتين السياسية والجيوسياسية, مع بروز عدد من القوى القارية المؤهلة لتقاسم الهيمنة والسيادة على رقعة الشطرنج الدولية مع الولايات المتحدة الأميركية خلال المرحلة القادمة كروسيا والصين على سبيل المثال, وهو ما جعلنا نؤكد على أن وجود أولئك المتمردين الجدد والمتنمرين على الهيمنة الأميركية لا يجعله عقدا أميركيا خالصا, وبالتالي لا يجعل من مفهوم النظام أحادي القطب صالحا للتطبيق على النظام العالمي في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين, إذًا ومن ناحية أخرى يمكن لنا أن نطلق على النظام العالمي في الفترة من 2001م – 2009م , وبناءً على المعطيات السابقة بنظام ” الأحادية القطبية الفضفاضة ” حيث ( يتمتع بعض أطراف النظام – عالمية كانت أم إقليمية – بالاستقلال الحقوقي عن مركز السلطة وبقدر غير قليل من الاستقلال الذاتي السياسي, غير ان الأطراف الرئيسية وأكثرية الجهات الأخرى تبقى رغم ذلك القدر من الاستقلال الذاتي, خاضعة جوهريا لنفوذ مركز الهيمنة أو السلطة الوحيدة للنظام, على الأقل فيما يخص علاقاتها الدولية المهمة).
وبعبور العالم عتبة العام 2010م تبرز العديد من الملاحظات التحليلية حيال الكثير من النظريات والاحتمالات التي ترسم صورة وملامح النظام العالمي في العقد الثاني والثالث من القرن الحادي والعشرين , حيث تبين النظرة الى السياسة العالمية المعاصرة ان النظام العالمي الراهن والدائب على التطور ونقصد بناء على معطيات وتحولات الفترة من 2011م- 2015م هو نظام هجين, يجمع بين أوهام القطب الواحد الذي ما زالت تشكله الولايات المتحدة الأميركية وقوتها الراهنة على الخارطة الجيوسياسية العالمية وخيالات ثنائية القطب بين هذه الأخيرة وروسيا بوتين التي ما زالت تحمل فوق كتفها حقيبة الإمبراطورية السوفيتية بكل ما تحتويه من قوة, وتحالفات فضفاضة سرعان ما تتغير بتغير المصالح الجيوسياسية وتكتلات اقتصادية وأمنية, وبروز قوى دولية نطلق عليها بالمتنمرين الجدد الباحثين عن مكانة لهم على رقعة الشطرنج الجيوسياسية العالمية سواء كانت في الحدود الإقليمية او القارية او حتى الدولية.
وبمعنى آخر ان (عالم اليوم بعيدا كل البعد عن ان يكون أحاديا قطبيا مطردا, على الرغم من وضوح كون الولايات المتحدة الأميركية هي القوة المسيطرة في النظام, كما ان هناك سلسلة طويلة من سمات وملامح حكم الكثرة المتحدية لها: ثمة أنماط مختلفة من السلطة, وتشكيلة واسعة من الجهات الرسمية وغير الرسمية المتمتعة بهذه السلطة, والصداقات والعداوات المتعددة والمتداخلة حيث يمكن للأصدقاء والأعداء ان يختلفوا تبعا للقضية المطروحة), وبالتالي فان أقصى ما يمكن الذهاب إليه من خلال ما يحدث وما يتوقع حدوثه بناء على المعطيات والتحولات الراهنة والمحتمل حدوثها خلال الفترة من العام 2016م ـ 2020م وربما يحتمل استمرار ذلك حتى العام 2029م, على هياكل البنية المتغيرة للسياسة الدولية وبناء عليها يمكن وصف النظام العالمي القادم, هو ذلك الوصف الذي أطلقه سيوم براون وهو أستاذ التعاون الدولي في قسم العلوم السياسية بجامعة برانديز في كتابه وهم التحكم ـ القوة والسياسة الخارجية في القرن الحادي والعشرين الصادر في العام 2004م بقوله: ان النظام العالمي الذي نعيشه اليوم هو اقرب الى نظام تعددية قطبية فضفاضة, على تخوم نظام حكم الكثرة , في ظل الحضور الأحادي الطاغي في اغلب الأحيان للولايات المتحدة الأميركية.
إلا ان هذا النظام أي نظام التعددية القطبية الفضفاضة الذي نعايشه اليوم وكما وصفه سيوم براون في العام 2004م في كتابه سالف الذكر , أي قبل عقد من الزمن تقريبا يعيش على تخوم نظام آخر , هو نظام حكم الكثرة , فماذا نعني بان العالم على تخوم نظام حكم الكثرة او البولياركي Polyarchy ؟
بداية يجب ان نعلم انه لم توجد حقبة سياسية مماثلة وشبيهة عبر التاريخ السياسي الحديث يمكن ان توصف بهذه التسمية كما هو حال نظام الأحادية او الثنائية او حتى التعددية القطبية الفضفاضة التي نعيشها اليوم وتطرقنا الى وصفها وشرحها سلفا, حيث ( ليس ثمة أي ظاهرة معروفة باسم حكم كثرة محكم ولعل مثل هذا النظام هو نظام مؤلف من عدد كبير من أنماط الأطراف الدولية الفاعلة المختلفة, الحكومية وغير الحكومية بعضها شديد الحرص على استقلاليته وبعضها الآخر يعول كثيرا على غيره طلبا للأمن والرخاء الأساسيين , وهو يمثل طيفا متباين الألوان من التحالفات وعلاقات الخصومة المتشكلة حول مئات القضايا والمشكلات وعلى مختلف الأصعدة …. وفي ظل نظام حكم الكثرة تتبارى الدول القومية والجماعات دون القومية والمصالح والروابط الخاصة العابرة للحدود القومية والمؤسسات متعددة القوميات فيما بينها على الموارد والتأييد والولاء في قواعدها التي تكون كثرة منها أعضاء في كثير من هذه الكيانات المختلفة في الوقت نفسه).
والمتتبع المتخصص لحال وواقع المشهد السياسي والجيوسياسي العالمي الراهن يشاهد تقاربا كبيرا مع الوصف السابق, حيث نلحظ ان القطبية المركزية او حتى الثنائية القطبية التي ورثتها كل من الولايات المتحدة الاميركية وروسيا لم تعد قادرة على إحكام قبضتها بشكل كامل على رقعة الشطرنج الدولية, بل حتى ان العديد من القوى الإقليمية ان صح وصفها في أوروبا واسيا كالاتحاد الأوروبي وتركيا وإيران والصين والهند على سبيل المثال لم تعد تملك أي نوع من قوة الجذب القادر على بناء تكتلات محكمة تربطها مصالح مشتركة لوقت طويل, يمكن التعويل عليها لبناء تحالفات استقرار واتزان في هياكل البناء السياسي العالمي , فاصدق ما يمكن ان نصف به السلطة والقوة في منتصف العقد الثاني من القرن 21 بأنها سلطة متعددة الأبعاد ومبعثرة كثيرا بما لا يسمح بذلك النوع من قوة الجذب التي كانت تمارسها مراكز الاستقطاب القديمة او الأطراف المهيمنة, مع سيطرة النزوع للتهديد والوعيد وعمليات عرض العضلات الآنية والمساومات حول قضايا أخرى من جهة ثانية.
كما ان الحلفاء والأصدقاء في هذا النوع من الأنظمة العالمية وفي وضع ومكان وزمان معين هم أعداء وخصوم في مكان وزمان ووضع آخر, حيث علاقات الخصومة المتشكلة ستغلب على علاقات التحالف في العديد من القضايا من جهة, وذلك بسبب العدد الكبير من اللاعبين ونوعياتهم التي تجعل من النظام العالمي نظام فوضوي ومتناقض التركيب, سريع التقلبات والصدقات والعداوات, في ظل غياب شركاء تحالف يعول عليهم, مما يجعل من تشكيل التحالفات وديمومتها أمر بالغ الصعوبة, بناء عليه فانه من المفترض ان يكون نظام حكم الكثرة المتوقع ان يبرز على رقعة الشطرنج العالمية مع مطلع العقد الثالث من القرن 21 سيكون النظام الأشد نزوعا للحرب والصراعات والاقتتال العابر للقارات, إلا انه لن ينطوي على حرب الجميع ضد الجميع كما توقع ذلك توماس هوبز نتيجة لوجود صلات التقاطع والتداخل بين الأمم والتي تستطيع ان تفعل وتولد الكابح للجهود المولدة للعداوة الكلية بين الأمم, لذا ستتركز تلك الحروب والصراعات حول جيوب وبقع عداوة مفرطة بين أطراف أحادية أكثر منها عالمية مجتمعة وخصوصا تلك التي تغرق في بحر من ثقافة العنف والطائفية والحزبية والمذهبية والقومية المفرطة, ونتوقع ان يبرز ذلك بشكل أكثر وضوح على رقعة الشطرنج الاوراسية, وخصوصا في الشرق الأوسط والبيت السوفيتي القديم.
خلاصة الرؤية الاستشرافية للتاريخ الموجز للأنظمة القطبية منذ العام 1800م وحتى العام 2099م يمكن تلخيصه في التالي : الفترة الذهبية للإمبراطوريات والقوى الأوربية من 1815م – 1918م , والتي تقاسمتها الدول الأوربية العظمى وقتها فيما يمكن ان نطلق عليه بنظام تعددي من التحالفات الفضفاضة وأحيانا المحكمة , مع تفوق واضح لكل من بريطانيا من جهة وفرنسا وألمانيا وروسيا مع استمرار تفوق واضح للقوتين الإمبراطوريتين العظميين وهما بريطانيا وروسيا ,حتى اندلاع الحرب العالمية الأولى في العام 1914م التي هي نتاج طبيعي لصدام المصالح وشبكة التحالفات وتوازن القوة في ذلك الوقت.
في العام 1918م لم يعد للإمبراطوريات الثلاثة وجود: الإمبراطورية الألمانية، الإمبراطورية الروسية، الإمبراطورية النمساوية المجرية إضافًة إلى نهاية الدولة العثمانية, إذ فقدت الإمبراطوريتان الأوليتان السابقتان العديد من الأراضي الكبيرة بينما تفككت الأخرى تمامًا ولم يعد لها وجود وقد أُعيد رسم خريطة أوروبا بالدول المستقلة وخلق دول وقوى عالمية جديدة بسبب التقسيمات الجديدة , وفي هذا السياق يقول المؤرخ الشهير للتاريخ الأوربي أ.ج.ب.تايلور في كتابه الصراع على سيادة أوروبا 1848م – 1918م ص 751 من انع في يناير من العام 1918م توقفت أوروبا عن ان تكون مركز العالم , وذابت الهيمنة الأوروبية في بوتقة حرب عالمية.
استمرت القوى العالمية المنتصرة في الحرب العالمية الأولى متسيدة رقعة الشطرنج الدولية حتى العام 1944م وهي فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة الأميركية والاتحاد السوفيتي الذي بزوغ فجره مع تأسيس الإمبراطورية السوفيتية الشيوعية الحمراء مع مطلع العام1922م وسقوط النظام القيصري في روسيا, واستمرار تلك القوى كقوى مهيمنة حتى اندلعت الحرب العالمية الثانية في العام 1945م والتي أسفرت في نهاية المطاف عن بروز نظام عالمي جديد على رقعة الشطرنج الدولية فيما أطلق عليه بالثنائية القطبية بين الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد السوفيتي حتى سقوط هذا الأخير في العام 1991م, وتربع الولايات المتحدة الأميركية عرش النظام العالمي كمحور أحادي القطب تدور حوله معظم دول العالم وهو أمر استمر حتى مطلع القرن 21 وتحديدا العام 2001م بسقوط رموز المركزية الأميركية الامبريالية التوسعية, فيما سمي بأحداث الحادي عشر من سبتمبر, ويمكن الرجوع بشكل تفصيلي حول نهاية المركزية الأميركية الى كتاب لنا تحت عنوان : نهاية المركزية الأميركية ـ الخارطة الجيوسياسية للقوى العالمية في العقد الثاني من القرن 21.
بناء عليه يمكن القول بان الفترة من العام 1945م ـ 1990م كانت فترة للثنائية القطبية المحكمة, من ثم في الفترة من 1991م ـ 2000م هي فترة الأحادية القطبية او المركزية الأميركية, على انه يمكن التأكيد على ان الفترة من 2001م وبناء على العديد من المعطيات والتحولات الجيوسياسية والجيواستراتيجية الدولية وحتى العام 2015م هي فترة سقطت فيها أسطورة النظام القطبي الواحد, ليبرز نظام عالمي قطبي جديد هو مزيج يجمع بين أوهام القطب الواحد الذي لا زالت تشكله الولايات المتحدة الأميركية وقوتها الراهنة على الخارطة الجيوسياسية العالمية وخيالات ثنائية القطب بين هذه الأخيرة وروسيا بوتين التي ما زالت تحمل فوق كتفها حقيبة الإمبراطورية السوفيتية بكل ما تحتويه من قوة, وتحالفات فضفاضة سرعان ما تتغير بتغير المصالح الجيوسياسية, وبروز قوى دولية نطلق عليها بالمتنمرين الجدد الباحثين عن مكانة لهم على رقعة الشطرنج الجيوسياسية العالمية سواء كانت في الحدود الإقليمية او القارية او حتى الدولية , ونؤكد بان هذا النظام سيستمر حتى نهاية العقد الثاني ومطلع العقد الثالث من هذا القرن , مع احتمالات استمراره من خلال العديد من المعطيات حتى نهاية العام 2099م .

إلى الأعلى