السبت 27 مايو 2017 م - ٣٠ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / السياسة / أضواء كاشفة.. الزويدي محارب من نوع خاص

أضواء كاشفة.. الزويدي محارب من نوع خاص

في بعض الأحيان يكون الموت سببا في التقاء أناس قد لا يعرفون بعضهم البعض ولم يلتقوا من قبل رغم مرور السنوات والسنوات ولكن يجمعهم الحزن ليبث كل منهم ما في قلبه من ألم يعتصره وأسى يكاد يفتك به.
هذا ينطبق على الأمسية التي احتضنتها الجمعية العمانية للكتاب والأدباء مؤخرا لتأبين الكاتب المحارب علي الزويدي والتي جمعت شمل أسرته ومحبيه وجمهور غفير من الأدباء والمثقفين والنشطاء الإلكترونيين .. فكثير منهم لم يلتق شخصيا بالآخر رغم معرفته جيدا به ولكن جمعهم الحزن والألم على فراق العزيز الراحل الذي ترك بصمات واضحة في مجال الكتابة الإلكترونية الجريئة.
ربما من كان حاضرا بقوة في هذه الأمسية هو الزويدي نفسه ليس بجسده بل بمناقبه ومحاسنه ومقالاته التي كانت سلاحه في وجه الفساد والفاسدين .. فالحضور جميعهم اشتركوا في أنه محارب من نوع خاص سلاحه قلمه وذخيرته مستنداته التي كان يستعين بها في كل موضوع جرئ يثيره والتي سميت بلغة الأرقام، حيث كان يستند على الإحصائيات والمعلومات الموثوق بها والحقائق التي لا ينكرها عاقل فاشتهر بالمواقف الحاسمة الحازمة التي تهدف في المقام الأول مصلحة الوطن والمواطن .. حتى لو كان ذلك على حساب راحته الشخصية وتعرضه لمضايقات في عمله أو دخوله السجن.
إن الراحل علي الزويدي الذي ولد بولاية نزوى وتخرج في مدارسها بنجاح ساحق درس هندسة الطيران بالولايات المتحدة الأميركية ثم عاد ليشارك في نهضة الوطن فعمل مديرا لسلامة الطيران العماني واستطاع أن يساهم في فتح خطوط جوية بين عمان وشتى البلدان العربية والأوروبية إلا أن الوظيفة لم تستطع أن تقيد أفكاره فأطلق العنان للتعبير عما يجيش في عقله وقلبه من نقد لسلبيات المجتمع أملا في أن يتغير نحو الأفضل فتتحقق التنمية المثالية وينمو الاقتصاد محققا قفزات مضطردة وواسعة.
كان الزويدي مؤمنا بقضايا تنمية الوطن والحفاظ على حضارته .. فقد كان عاشقا لترابه مهموما بأبنائه يحلم بالمدينة الفاضلة ويتمنى تطبيقها على أرض السلطنة فصار قدوة تحتذى في الوطنية.
سطر الراحل المقالات الأدبية الرائعة التي عبرت عن أفكاره ووجد في الشبكة العنكبوتية ساحة فسيحة للمعركة يصول ويجول فيها كيفما يشاء حيث ضعف الرقابة والبعد عن سطوة السلطة فأسس العديد من المنتديات وشارك بمساهمات عدة في سبلة العرب قبل غلقها ثم سبلة عمان وغيرها من المواقع الإلكترونية ومواقع التواصل الاجتماعي واتخذ من “ابن دارس” اسما نسبة إلى منطقة دارس في ولاية نزوى التي نشأ وترعرع فيها وقضى فيها أجمل أيام طفولته ومراهقته .. ولقد انتصر في كثير من معاركه هذه وكان هذا الانتصار دافعا له لمواصلة المعركة وخوض ساحات جديدة وتناول قضايا أكثر سخونة من التي تسبقها حتى تعود الحقوق لأصحابها بأسلوب رشيق وسهل وبسيط.
الجميل أنه في الوقت الذي كان فيه الزويدي شرسا ومشاكسا قويا وصارما ومشاغبا مع من ينتهكون حقوق الإنسان العماني كان حنونا وعطوفا مع أسرته وتميز بالصدق والبساطة والأدب الجم والصبر الطويل ورحابة الصدر في النقاش خاصة مع من يخالفه الرأي.
إن الكلمات المؤثرة التي ألقاها المشاركون بالأمسية خير دليل على درجة الوجع الذي شعر به كل من تعرف على الكاتب الراحل عن قرب ومقدار البصمات الواضحة التي تركها ابن دارس على الساحة الثقافية الإلكترونية فهو من رواد الكتابة الإلكترونية في السلطنة الذين وجهوا قلمهم وحياتهم من أجل عمان.
للأسف لم يحظ الزويدي على ما يستحقه من تكريم في حياته وهو ما يجعلنا نتساءل لماذا لا يتم الوقوف بجانب الكتاب في حياتهم ؟.. ولماذا لا يتذكر البشر مناقب بعضهم إلا بعد الرحيل ؟.
إن ابن دارس إذا كان قد رحل بجسده إلا أن كتاباته وإخلاصه وحبه لوطنه سيظل شاهدا على أن الموت لا يعني النهاية دائما.
ندعو الله العلي القدير أن يسكن الفقيد فسيح جناته ويلهم ذويه ويلهمنا جميعا الصبر والسلوان و”إنا لله وإنا إليه راجعون”.

* * *
العرب بين مطرقة التقسيم الأميركي وسندان الصراع الداخلي
تعيش أمتنا العربية والإسلامية تمزقا وتشرذما غير مسبوق .. فمن يجوب المنطقة يرى الصراع الداخلي ينهش في الجسد العربي والدول تأكل بعضها بعضا وهذا بالتأكيد يسعد أعداء الأمة الذين يذكون النار ويزيدونها اشتعالا ويؤججون الصراع ويدفعون الشعوب للمزيد من العنف والدمار.. فيقومون بتسليح هذه الطائفة في الخفاء على حساب تلك ومن ناحية أخرى يدعمون الأخرى في العلن وهذا التضارب في المواقف يدل على المخططات الخبيثة التي تهدف من ورائها لاستمرارية الحروب الداخلية خاصة الطائفية والمذهبية.
الغريب أن هذه الخطط معروفة منذ فترة ليست قليلة ومع ذلك فإن العرب مازلوا ينجرفون وراء دعوات الفتنة وكأنهم ينفذون المخططات الخبيثة بحذافيرها.
ومن آخر من كشف عن هذه المخططات الخبيثة مايكل هايدن المدير السابق لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (سي آي إيه) والذي أعلن عن اختفاء العراق وسوريا رسميا من على خريطة الدول العربية وقسمها إلى عدة مناطق وفق معيار طائفي وعرقي فواحدة للدولة الإسلامية وثانية للقاعدة وأخريات للأكراد والسنة والشيعة والعلويين .. وهو ما يجعلنا نتساءل من أعطى له الحق ليمحو هذه الدول من على الخريطة ويقسمها وفق هواه ؟.
لاشك أن انجرار شعبي هاتين الدولين وراء الدعوات المثيرة للفتنة والعصبية والتي أدت إلى الحروب الدائرة فيها هو ما جعل أميركا ومن ورائها إسرائيل تجني ثمار مشاريع التقسيم التي رسمتها منذ عقود وأطلقت عليها “سايكس بيكو الثانية” أو “مشروع الشرق الأوسط الجديد” وتسعى من خلاله لرسم خريطة جغرافية جديدة للمنطقة وفق تقسيم عرقي وطائفي .. بل إن هايدن تنبأ بأن ما حدث لسوريا والعراق سيحدث للبنان وليبيا وسيكون لهما نفس المصير في القريب العاجل وهو ما يجعلنا ندرك أن الإرهاب الذي يستشري في المنطقة ليس صدفة بل هو مرسوم وفق خطة محكمة خاصة أنه قال إن المنطقة سوف تعاني من عدم الاستقرار لفترة السنوات العشرين أو الثلاثين القادمة.
إن أميركا ترى أن اتفاقية سايكس بيكو التي وضعتها الدول الأوروبية فرنسا وبريطانيا بمصادقة روسيا عام 1916 بعد سقوط الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى لتقسيم المنطقة العربية وترسيم حدودها كانت خاطئة ولم تعكس الواقع على الأرض لأنها لم تراع الجانب الطائفي والعرقي والذي تسبب في الصراعات المحتدمة في وقتنا المعاصر .. وهنا نتساءل إلى متى نظل عجينة لينة تشكلها الدول الغربية كيفما تريد ؟.
رغم أن اتفاقية سايكس بيكو الأولى كانت خاطئة في تقسيم المنطقة العربية وكان يجب أن يحافظ العرب على وحدتهم إلا أن هذا لا يعني أن التقسيم خاطئ لأنه لم يراع الجانب الطائفي والعرقي كما يدعي الأميركان لأن المسلمين عاشوا قرونا متوحدين ومتكاتفين في سلام ومحبة ومودة ولم يفرقهم مذهبهم أو طائفتهم عن جارهم أو صديقهم ولكن هناك آيادي خفية زرعت النعرة الطائفية بين أبناء الشعب الواحد وبالتحديد منذ أن احتلت أميركا العراق فقد عملت على إذكاء نار الشقاق والخلاف بينهم والتي انتقلت كالعدوى في بلاد أخرى عربية.
إن أميركا تريد أن تفرض كامل سيطرتها وهيمنتها على المنطقة حتى تحافظ على الكيان الصهيوني المنزرع زورا وبهتانا .. وأسهل طريقة لتحقيق ذلك هو إضعاف إدارة البلاد العربية وحكوماتها وجيوشها وانقسام شعوبها.. وإنشاء دول جديدة يكون ولاؤها للإدارة الأميركية تحافظ على أمن وسلامة بني صهيون وتضمن له التوسع والتمدد في المنطقة.
لقد آن الأوان لكي يتنبه العرب لهذه الخطط الخبيثة وعليهم أن يقاوموا مخططات التقسيم ويوقفوا الحروب التي لا طائل من ورائها سوى خسارة الموارد الطبيعية والبشرية وانهيار الاقتصاد والتعليم والصحة وكافة مقومات التنمية وذلك قبل أن يفيقوا يوما وهم يرددون “أكلت يوم أكل الثور الأحمر”.

* * *
آخر كلام
قال أمير الشعراء أحمد شوقي :
إنما الأمم الأخلاق ما بقيت فإن هُمُوا ذهبت أخلاقهم ذهبوا

ناصر اليحمدي

إلى الأعلى