الخميس 19 يناير 2017 م - ٢٠ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / حرب النفايات تشعل الأزمة السياسية في لبنان

حرب النفايات تشعل الأزمة السياسية في لبنان

محمد عبد الصادق

” العقلاء في لبنان يرون أن مسؤولية الأزمة تقع على عاتق الجميع وأنه لابد من عودة روح التكافل والتضامن والتحلي بالمسؤولية من قبل الحكومة والمواطنين على حد سواء, ودعا محمد المشنوق وزير البيئة اللبنانيين إلى التحلي بالصبر والإيمان بوطنهم ودعاهم لمساندة جهود الحكومة لحل الأزمة,”
ــــــــــــــــــــــــــ

أطلقوا على بيروت سويسرا الشرق, بسبب نظافتها وجمالها وموقعها المتميز على شاطئ البحر المتوسط, وطالما تغنى العرب واللبنانيون بسحر بيروت وأنشدوا القصائد وتغزلوا في هوائها العليل ونقاء طبيعتها وصفاء جوها وأناقة شوارعها وفخامة مبانيها, ومتعة التريض على شواطئها الساحرة, والجلوس على مقاهيها العريقة والتسوق من متاجرها التي تنافس متاجر لندن وباريس ونيويورك في الحداثة و”الشياكة”, وفي مثل هذه الأيام الصيفية كانت بيروت تغص بآلاف السائحين العرب والأجانب, يتوافدون عليها للاستمتاع بإجازاتهم والترفيه عن أنفسهم بحرية, في مدينة جمعت بين سحر الشرق وتمدن ونزق الغرب لسنوات طويلة.
تبدل الحال هذا الصيف, ووصل الحال ببيروت للغرق في أكوام النفايات وقطع الطرق بحاويات “الزبالة” التي يتم حرقها وإغلاق الشوارع والطرقات بها احتجاجاً على فشل الحكومة في حل أزمة المكبات, وخرج رئيس الوزراء تمام سلام ليقدم اعتذاره لسكان بيروت, ويطلب إعطاء مجلس الوزراء الفرصة ومساعدته في حل الأزمة وتسيير أمور البلاد, ونادى بضرورة انتخاب رئيس للجمهورية من أجل اكتمال هيكل السلطة, لأن استمرار غياب الرئيس أدى إلى شلل جميع مؤسسات الدولة اللبنانية.
وسبب الأزمة أن بيروت التي يصل سعر متر الأرض فيها لأرقام خيالية, ليس بها “خرم إبرة” يصلح لأن يكون مكباً للنفايات بعد امتلاء المكبات القديمة, واضطرت للبحث عن أماكن خارج العاصمة لتطمر فيها نفاياتها, وتم اختيار منطقة عكار بالقرب من العاصمة لتكون المكان المناسب لدفن نفايات بيروت وجبل لبنان, وبسبب زيادة حجم النفايات وعجز مكب عكار عن استيعاب الكميات المتزايدة, وعدم وجود مصانع لإعادة تدوير القمامة أو محارق صحية أواتباع طرق صحية لدفن النفايات ـ تضررت المناطق السكنية في عكار القريبة من المكب من التلوث ومن الانبعاثات الضارة والرائحة الكريهة الصادرة عن المكب مما اضطر السكان المحليين إلى الخروج للطرقات, والوقوف في وجه الشاحنات المتجهة لمكب النفايات, ومنعها من إلقاء زبالة بيروت وجبل لبنان وبالتبعية رفضت باقي المدن والقرى القريبة من بيروت استقبال نفايات العاصمة وأقاموا الحواجز في وجه الشاحنات ومنعوها من إلقاء حمولاتها من النفايات.
العقلاء في لبنان يرون أن مسؤولية الأزمة تقع على عاتق الجميع وأنه لابد من عودة روح التكافل والتضامن والتحلي بالمسؤولية من قبل الحكومة والمواطنين على حد سواء, ودعا محمد المشنوق وزير البيئة اللبنانيين إلى التحلي بالصبر والإيمان بوطنهم ودعاهم لمساندة جهود الحكومة لحل الأزمة, وطلب من أهالي بيروت فرز النفايات منزلياً ومن المصانع والشركات التجارية تخفيف استهلاك مواد التعليب.
البيروتيون يقولون بمرارة: إن بيروت طالما فتحت ذراعيها لاستقبال جميع اللبنانيين النازحين من الشمال والجنوب, وطالما أحسنت استضافة الجميع على أرضها, حتى أن نصف سكان بيروت نازحون من مناطق أخرى, ونسبة كبيرة من سكان المناطق التي ترفض استقبال زبالة بيروت الآن , يترددون يوميا على العاصمة للعمل, أوقضاء المصالح والأشغال وسيتضررون من أكوام القمامة التي تغلق الطرقات وتشل الحركة داخل شوارع العاصمة.
سكان عكار والمناطق التي ترفض استقبال نفايات العاصمة , يبررون موقفهم بأن بيروت طالما استأثرت بالاهتمام دون غيرها, وأنهم محرومون من معظم الخدمات التي تنعم بها بيروت وجبل لبنان, وإنهم يعانون من انقطاع الكهرباء وندرة المياه الصالحة للشرب , وتدني خدمات النظافة والرصف والصرف الصحي, التي تلتهم العاصمة معظم ميزانياتها, فضلاً عن قلة فرص العمل وعدم وضع مناطقهم على خريطة السياحة والاستثمار التي تلتهم بيروت وجبل لبنان جل مساحاتها, وبدلاً من أن تصدر بيروت لنا فائض خيراتها, تريد استخدام أرضنا مكباً لنفاياتها التي تضخمت نتيجة الغنى والبذخ والإسراف وحياة الترف الذي يمارسه البيروتيون, بينما هم يعانون الفقر والعوز ونقص الخدمات.
وخرج أهالي عكار ونوابها؛ ليمنعوا طمر النفايات في أرضهم محذرين من خطورة المكب القديم على الحياة الطبيعية في المنطقة, وأنه أضر بالزراعة والتربة والطيور المهاجرة والمياه الجوفية, وأنه لا مجال لاستقبال مزيد من النفايات, لأن تأثيرها سيكون كارثيا على البيئة والإنسان والحيوان, وخرج البعض يسخر من الخطاب العاطفي لأهالي بيروت وأكدوا أن أهالي عكار أقل الناس استفادة من بيروت, وقالوا متهكمين :” نحن شركاء في الدين ولسنا شركاء بالخير ولن نقبل أن نستضعف بعد اليوم” وأضافوا: يكفي عكار العدد الكبير من اللاجئين السوريين, الذي جعل مكب البلدة يستوعب أكثر من قدرته وطالبوا بإنشاء مصنع لإعادة تدوير النفايات, وهددوا بالتصعيد والمزيد من الوقفات الاحتجاجية في حال أصر المسؤولون على إرسال نفايات العاصمة إلى عكار لطمرها, ودعوا الحكومة إلى البحث عن حلول مستدامة لحل مشكلة النفايات على مستوى لبنان, دون التركيز على حل مشكلة بيروت فقط بمعزل عن بقية مناطق لبنان.
وبمجرد تسرب أنباء عن نية الحكومة في إرسال النفايات إلى مدينة الشويفات, اجتمع المجلس البلدي للمدينة وخرج ببيان شديد اللهجة يستنكر مسعى الحكومة لنقل نفايات بيروت والضواحي إلى الشاطئ البحري للمدينة, وهدد المجلس بالتصدي لأي شاحنة نفايات تقترب من حدود الشويفات, وسبق للشويفات رفض قرار بلدية بيروت بنقل المسلخ إلى حدود المدينة وهددت برفع الأمر للقضاء.
أزمة نفايات بيروت تحولت لأزمة سياسية, دفعت رئيس الوزراء تمام سلام للتلويح أكثر من مرة بالاستقالة رغم خطورة هذه الخطوة على الوضع الهش الذي تعيشه لبنان, ويحاول وزير البيئة اللبناني ونواب بيروت البحث عن حل سريع ومؤقت لهذه الأزمة؛ باعتماد مواقع عشوائية لجمع النفايات داخل بيروت, لحين تنفيذ الخطة التي سبق وأقرتها حكومة سعد الحريري التي وضعت حلولاً متكاملة للتخلص من النفايات الصلبة, واستخدام تقنية التفكك الحراري في تحويل النفايات إلى طاقة يتم الاستفادة منها, فهل يتخلص اللبنانيون من خلافاتهم ويحكمون لغة العقل والمنطق ويترفعون عن المكاسب الزائلة, ويعلون المصلحة العليا فوق المصالح المناطقية الضيقة؟!, حتى يعبر لبنان أزمته.

إلى الأعلى